أفريقيا برس – مصر. يوشك كل من هب ودب في كل حدب وصوب، عواماً كانوا أو من فصيلة الخبراء العسكريين وجنرالات المقاهي على ضرب الودع تنبؤاً بميعاد، لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون للحرب الأميركية المقبلة على إيران، حتى إن أحدهم وهو من المتخصصين المبرزين القلائل في مجاله، ألقى بمتابعيه على مواقع التواصل في دوامة الاحتمالات محدداً أجل الضربة بتوقيت الإقليم، ليس هذا فحسب، بل والبيت الأبيض والقيادة المركزية في قاعدة ماكديل بتامبا في ولاية فلوريدا، ولم ينقص منشوره سوى العبارة الشهيرة “وعلى المقيمين خارج المنطقة مراعاة فروق التوقيت”.
ربما لهذا سأله أحد المعلقين عن موعد آخر فأجاب نافياً احتمالاته: “فقد يكون لا هذا ولا ذاك والتأجيل مرجح!”، وطالما الأمر كذلك فلماذا يتورط المرء في توقعات تليق بتطبيقات المراهنة وليس بالمتمرسين الحاذقين؟ إنها شهوة الحضور في كل وقت وحين على مواقع التواصل، وبالمناسبة بلغ حجم تداول سؤال: متى تنفذ واشنطن عملاً عسكرياً ضد إيران، عبر منصة بولي ماركت (إحدى الصيغ الجديدة للمراهنات)، 238 مليون دولار، مع تقدير السوق لاحتمال وقوع ضربة أميركية قبل نهاية يونيو/ حزيران بنسبة 53%.
هذه البئر وهذا غطاؤها، فالخلائق منشغلون إما رغباً أو رهباً من كريهة ضروس يتوعد كل طرف الآخر بألا تبقي ولا تذر، وبينهما نحن محشورون، وبطبيعة الحال كل يغني على ليلاه، أولهم فريقنا معشر الصحافيين، ومن بينهم زميل عزيز وجدته جازماً بيوم المعركة بما لا يدع مجالاً للشك فقد اقتربت الساعة وانشق القمر، معداً نفسه على طريقة أنا لها أنا لها، وقد بدت الجدية على ملامحه بينما يتجهز بعتاده المهني من صور وخطط للتغطية.
ولكن الحرب لم تقع، ونتمنى ألا تقع، وإن كان ليس كل ما يتمنّاه المرء يدركه. ولئلا نكون “ممن تكلم في غير فنه فأتى بالعجائب” بتعبير الحافظ العسقلاني، فلا مفر من صياغة سؤال يتخطى معضلة إجابات مغلقة من قبيل نعم أو لا لسؤال هل سيضرب ترامب إيران؟ أو أن موعداً بعينه ستقع فيه المعركة، انطلاقاً من منطق استراتيجيات الحرب القائم على حساب المخاطر والفرص واحتمالات الفوز والهزيمة، وكلها في صلب عقيدة البنتاغون وربيبته وزارة العدوان الإسرائيلية، وبالمختصر لن يشعلا شرارة المعركة إلا لدى تيقنهما بأن يقين الفرص أكثر من احتمالات المخاطر والفوز الساحق، وليس مجرد الفوز أقرب هذه المرة من مجرد تفوق أو انتصار كالذي جرى في المواجهة مع إيران في يونيو 2025.
إذن فالمسألة المحورية ليست هل تضرب أميركا وإسرائيل إيران أم لا، إنما ما هي الشروط الموضوعية لخوض حرب مثالية من وجهة نظر أميركا ودولة الاحتلال؟ متى (ليست للسؤال عن الزمن وإنما عن توفر الظروف الموضوعية) يخوضان الحرب؟ وتلك أسئلة إيرانية برسم الوقت إلا أنها تخص حاضر ومستقبل كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، خاصة في ظل وضع السيولة الناجمة عن تصاعد تداعيات حالة اللايقين الترامبية وإرباكاتها شديدة الاضطراب.
من هنا تتطلب الإجابة بناء نموذج استشرافي اعتماداً على معطيات ومخرجات حرب فعلية ولا أفضل من لحظة 1967 وزمنها شديد الاضطراب بتشابهاته مع وقتنا، فضلاً عن تماثلات بين النظامين، المصري وقتها والإيراني الحالي، وإن كان لكل منهما خصوصيته، ولكن يجمعهما تناظر داخلي قوامه طبيعة النظامين القائمين على مركزية السلطة ومرجعيتها العليا ناصرية كانت أو خامنئية، والهيمنة الأمنية على الدولة، إلى جانب مقت أنظمة الجوار للدور الإقليمي لكل منهما، والنظر إليهما بصفتهما تهديداً بسبب اضطرابات تثيرها إيران اليوم في الدول ذاتها التي تحرك فيها ناصر سابقاً (اليمن مثالاً).
علاوة على رفض إسرائيلي متغطرس لوجود أي قوة عسكرية منافسة في المنطقة، لذلك حطمت الناصرية قبل أكثر من خمسين عاماً، كما تحاول تدمير الخمينية/الخامنئية في 2026، بلوغاً للحظة تغيير مشتهى للشرق الأوسط، بما يعنيه ذلك من استعلاء وغلبة تسلطية على المنطقة أكدها رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بصريح العبارة، “إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط الجديد”، وبهذا المعنى يمكن فهم لماذا تقاربت الناصرية تاريخياً مع الخمينية نكاية في نظام الشاه بامتداده الأميركي الإسرائيلي الطامح إلى العودة مرة ثانية لمنطقة نفوذ فقدها في عام 1979.
والحال كذلك فثمة تشابهات جيواستراتيجية بين البلدين، فإيران لديها مضيق هرمز مثلما لدى مصر مضيق تيران، والممران البحران يمثلان خطاً أحمر استراتيجياً لدى أميركا وإسرائيل، أي أنهما يتحكمان في نقطة اختناق تجارية عالمية chokepoint ويمر من خلالهما نسبة معتبرة من تجارة السلع الاستراتيجية العالمية، ما يمنحهما أفضلية التأثير على أسواق الطاقة وطرق التجارة العالمية.
أما من حيث الأوضاع الداخلية في كل منهما قبل الحرب، فتبدو كذلك متماثلة، إذ مرا بتحول طبقي ساهم في خلخلة البنيان الداخلي، لكن من طهران التي نشأت فيها طبقة وسطى جديدة دخلت في تنافس مع البرجوازية التقليدية، مدفوعة بإحباط اقتصادي وسياسي واجتماعي جراء انسداد الأفق المعيشي، بسبب العقوبات الأميركية وتداعياتها ومن بينها استشراء الفساد.
بينما في القاهرة ظهرت وقتها طبقة برجوازية جديدة، أو “السوبر باشوات” بدلاً من باشوات العهد الملكي كما يصفهم الكاتب حسين مؤنس، وهؤلاء كانت لديهم امتيازات عسكرية وتغول على الحياة المدنية وامتدت تفرعاتهم إلى جميع أجهزة الدولة بحسب ما وثقه خلال وجوده في القاهرة، الصحافي الفرنسي الراحل إيريك رولو، صنو محمد حسنين هيكل غربياً من حيث مدى قربه من الرئيس جمال عبد الناصر وأركان نظامه.
بين ثنايا مذكرات رولو المعنونة بـ “في كواليس الشرق الأوسط”، نكتشف أن استعداد العدو للحروب ليس وليد التو واللحظة وإنما يمتد على مدار أعوام. يؤكد ما سبق إعداد الوكالة اليهودية منذ ثلاثينيات القرن الماضي قوائم دقيقة بالقرى العربية في فلسطين مدعمة بمعلومات جغرافية ودينية واجتماعية واقتصادية وسياسية ليجري استخدامها وقت الحاجة في عام 1948.
شيء من هذا القبيل يتقاطع مع تفاصيل دقيقة جمعتها دولة الاحتلال عن مقاتلي حزب الله قبل أعوام من التخطيط لضربات البيجر التي أعدت لها على مدار سنوات إلى أن اتخذت قرار التنفيذ الفعلي.
بالعودة إلى نموذج حرب 1967 وعبر ما كشفته الوثائق الإسرائيلية والسجلات المصرح بنشرها لانقضاء مدة سريتها، يتضح أن مشروعات التدخل العسكري في سورية والأردن ومصر قديمة، ومنذ عام 1963 يؤكد المؤرخ الإسرائيلي مايكل أورين أنه جرى إعداد ما سمي بخطة فوكس وتصف بدقة تدمير سلاح الطيران المصري على الأرض ليتحقق الأمر بحذافيره بعد أربعة أعوام، ولا عجب في ذلك، فقد كان لدى جيش الاحتلال تفاصيل التفاصيل عن الجيش المصري إلى درجة تحديد وقت إفطار الطيارين، ومتى تفعّل حالة التأهب التي تستمر ليلاً فحسب، وخرائط الرادارات وأين جرى توجهيها، كما يقول رولو.
ما سبق تبدى عبر الجولة المنصرمة من المعركة مع إيران، وأسفرت عن خسائر كبيرة في القادة العسكريين والعلماء النوويين وتدمير مقدرات عسكرية واسعة، بسبب حرص جيش الاحتلال وأميركا على امتلاك زمام المفاجأة والمبادأة بالضربة الأولى تقصداً لأن تكون قاصمة وربما نسختها الثانية إن وقعت الحرب مع طهران ستكون أشد مما جرى قبلاً، بما يفترضه الأمر من خطط تحرم العدو من بلوغ مرامه، جراء انكشاف خصومه أمنياً واستخبارياً وغياب الإعداد الجاد لمواجهة متكافئة وهي سمة رئيسية لأعداء إسرائيل.
يؤدي إلى ذلك جبهة داخلية ضعيفة ومغيبة عن صنع القرار كما كان الوضع عربياً في 1967 ثم في 2025 إذ اتضح اهتراؤها إيرانياً عبر العدد الهائل من جواسيس جيش الاحتلال داخل طهران، بينما على الضفة الأخرى جبهة داخلية قوية في إسرائيل رغماً عن حالة الخلاف السياسي والعسكري الكبيرين اليوم وحتى قبل حرب 67 فقد بلغ وقتها مداه أن خشي ليفي أشكول رئيس وزراء الاحتلال وقوع انقلاب عسكري حتى إن الجنرال أرئيل شارون اقترح على إسحق رابين أن يتزعم الانقلاب ويكوّن حكومة عسكرية، لكن بن غوريون كان علم بما يحاك وراء الكواليس وسارع بالتصريح علانية أن الجيش في بلد ديمقراطي لا يأتمر إلا بأوامر حكومة مدنية، ويتشابه ذلك مع ما رأيناه عقب 7 أكتوبر من صراعات عسكرية وسياسية وعملية تكسير عظام متبادلة داخل دولة الاحتلال، إلا أنها بقيت داخل المدار “الديمقراطي” ولم تغادره، ورغم انقسامات السياسة وجدالاتٍ، بل حتى استقطابات المجال العام المفتوح، لكن النتائج على الأرض مالت إلى هؤلاء ولم تكن مع سيادة لون واحد قسراً وغياب النقاش جراء القمع الذي يفشل في كل مرة في حماية الأوطان.
للحرب المشتهاة هدف أساسي يتمثل في بداية الهيمنة الإسرائيلية المطلقة على المنطقة مثلما كانت حرب 1967 فاتحة السطوة الأميركية عليها، ولهذا رفض شارل ديغول الرئيس الفرنسي منطق الحرب، إذ كان يبصر ما يتجاوز بمراحل النزاع الإسرائيلي المصري فكما شرح لقادة ألمانيا الغربية، فإن هزيمة مصر الناصرية تخدم أولاً مصالح الولايات المتحدة للهيمنة على الشرق الأوسط، واليوم يأتي رد الجميل إلى تل أبيب بمنحها دفة القيادة في المنطقة عبر “حرب وقائية” جديدة تفرغاً للأهم وهو الصين، ولن يتم ذلك من دون عودة النفوذ الإسرائيلي إلى داخل طهران التي عليها الحذر من دروس 67.
أبرزها أنه قبل يومين من الحرب لاح احتمال التوصل إلى تسوية بالتراضي واستبعاد أي مواجهة عسكرية وشيكة، كما ذكر تشارلز يوست، مبعوث وصديق الرئيس الأميركي ليندون جونسون وروبرت أندرسون المبعوث الخاص، لرولو ويلعب دوريهما اليوم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ومهمتهما سحب طهران إلى هذه النقطة لتقع في شراك ينصبها ترامب كما فعل جونسون من قبل بأن خدع ناصر وطلب منه عدم المبادرة بشن العدوان، بينما أعطى إسرائيل موافقته على ضرب القاهرة حتى مع إقدامها على تنازلات علنية وسرية لنزع فتيل الأزمة، فكان أن رفضتها تل أبيب وتجاهلتها واشنطن.
تشبه إيران مصر في تمسكها بالدبلوماسية ومحاولاتها الخفية والعلنية نزع فتيل المواجهة، لكن على ما يبدو فالمحاولات تلك لم تفلح حتى الساعة: “فالأقوياء يفعلون ما في وسعهم، والضعفاء يُعانون ما يجب عليهم تحمّله”، كما يقول الرومان وبمعنى آخر، فقد أدركوا أنه “إذا أردت السلام، فاستعد للحرب” (se vis pacem, para bellum).
كذب المنجمون ولو صدقوا
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر عبر موقع أفريقيا برس





