من الجزائر إلى مصر.. الإمارات توظف الأجانب للانتقام السياسي

من الجزائر إلى مصر.. الإمارات توظف الأجانب للانتقام السياسي
من الجزائر إلى مصر.. الإمارات توظف الأجانب للانتقام السياسي

محمد الوافي

أفريقيا برس – مصر. تتجه الأنظار مجدداً إلى طبيعة السياسة الإماراتية في التعامل مع الرعايا الأجانب، في ظل التقارير المتداولة عن إلغاء أو وقف إقامات عدد من المصريين والجزائريين المقيمين في الإمارات، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن خلافات وتباينات غير معلنة بين القاهرة وأبوظبي حول عدد من الملفات الإقليمية. وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن ما إذا كانت الخلافات بين الحكومات يمكن أن تنتقل إلى المواطنين المقيمين على أراضي الدولة، بحيث يتحول وضعهم القانوني والمهني إلى أداة ضغط غير مباشرة في إدارة الأزمات السياسية. وتأتي التطورات المصرية في سياق مجموعة من الملفات التي تشهد تبايناً واضحاً بين القاهرة وأبوظبي،أبرزها الحرب في السودان، والعلاقة مع إثيوبيا وملف سد النهضة، والموقف من إيران، إضافة إلى الاختلافات حول ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب في غزة وملف وحدة الصومال.

وفي السودان تحديداً، تقف القاهرة إلى جانب مؤسسات الدولة والجيش السوداني، بينما تواجه أبوظبي اتهامات متكررة بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها الإمارات. كما أن الانفتاح الإماراتي على إثيوبيا واستثماراتها هناك يثيران حساسية مصرية مرتبطة بأمنها المائي وموقفها من سد النهضة. وتشير تقارير إعلامية وحقوقية متداولة إلى أن آلاف المصريين المقيمين في الإمارات فوجئوا، أثناء وجودهم خارج البلاد، بإجراءات تتعلق بإقاماتهم، ما أثار موجة من التساؤلات حول خلفيات هذه الإجراءات، خاصة في ظل غياب توضيح رسمي إماراتي شامل يربطها أو يفصلها بشكل قاطع عن التوتر السياسي مع القاهرة. وإذا تأكد ارتباط هذه الإجراءات بالخلافات السياسية، فإن الأمر سيطرح سابقة بالغة الحساسية، لأنها تعني عملياً انتقال الخلاف من مستوى الحكومات إلى مستوى الرعايا، وهو ما يمكن أن يجعل ملايين المقيمين العرب والأجانب في الإمارات أمام معادلة مفادها أن وضعهم القانوني قد يتأثر بمستوى العلاقات السياسية بين أبوظبي وحكومات بلدانهم.

الجزائر.. سابقة لا تزال حاضرة

ولا يأتي هذا الجدل من فراغ بالنسبة للجزائريين، إذ تعيد الذاكرة إلى ما حدث خلال جائحة كورونا، عندما أدى تعليق الرحلات الجوية الدولية إلى علق آلاف الجزائريين في الخارج، ومن بينهم مواطنون كانوا في الإمارات. وفي تلك المرحلة، قامت الجزائر بعمليات إجلاء لرعاياها العالقين، ووصلت رحلات للجوية الجزائرية إلى الجزائر وعلى متنها مئات المواطنين الجزائريين، ضمن عمليات الإجلاء التي نظمتها الدولة لإعادة مواطنيها إلى أرض الوطن. وقد رافقت تلك الفترة روايات وانتقادات سياسية وإعلامية بشأن طريقة تعامل الإمارات مع الرحلات الجزائرية والرعايا الجزائريين، واعتبرها منتقدون في سياق التوتر السياسي الذي كان قائماً بين البلدين.

الإسرائيليون.. معاملة مختلفة؟

في المقابل، يطرح منتقدو السياسة الإماراتية سؤالاً آخر يتعلق بالتعامل مع الرعايا الإسرائيليين، خصوصاً بعد إقامة العلاقات الرسمية بين الإمارات وإسرائيل، حيث فتحت أبوظبي أبوابها أمام الإسرائيليين في مجالات السياحة والأعمال والاستثمار، وأصبحت حركة السفر بين الجانبين جزءاً من العلاقات الطبيعية التي أعقبت اتفاقات التطبيع. وهنا تبرز المقارنة التي يستخدمها منتقدو أبوظبي: كيف يمكن أن تكون حركة الإسرائيليين إلى الإمارات مفتوحة في إطار علاقات سياسية واقتصادية متنامية، بينما يجد رعايا دول عربية أنفسهم، بحسب التقارير المتداولة، أمام إجراءات مفاجئة عندما تتوتر العلاقات بين حكوماتهم وأبوظبي؟ ولا تعني هذه المقارنة، بحد ذاتها، إثبات وجود سياسة إماراتية ممنهجة للانتقام من الشعوب أو الرعايا الأجانب، لكنها تفتح نقاشاً جدياً حول ضرورة عدم تحويل الخلافات الحكومية إلى إجراءات تمس أفراداً لا علاقة لهم بالقرارات السياسية.

مصر أمام اختبار صعب

وتكتسب القضية المصرية أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الجالية المصرية في الإمارات وتشعب العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين. وأي إجراءات واسعة بحق المصريين المقيمين يمكن أن تتحول سريعاً من ملف إداري إلى قضية سياسية، خصوصاً إذا تزامنت مع خلافات حول السودان وإثيوبيا وغزة والقرن الأفريقي. وفي الوقت نفسه، تحرص القاهرة وأبوظبي رسمياً على استمرار العلاقات ومنع الخلافات من الوصول إلى مرحلة القطيعة، ما يجعل الحديث عن «حرب باردة» بين الطرفين سابقاً لأوانه، لكنه لا يلغي وجود ملفات خلافية متزايدة.

ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الدول الفصل بين خلافاتها مع الحكومات وبين تعاملها مع رعايا تلك الدول؟ فالمواطن المصري أو الجزائري الذي يعمل ويعيش في الإمارات لا يملك قرار القاهرة أو الجزائر في الملفات الإقليمية، كما أن وضعه القانوني لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لمعاقبة حكومة بلاده. وبينما تبقى حقيقة الدوافع وراء الإجراءات المتداولة بحق المصريين بحاجة إلى توضيحات رسمية، فإن تكرار مثل هذه الوقائع، إذا ثبت ارتباطها بالخلافات السياسية، قد يرسخ انطباعاً خطيراً مفاده أن الرعايا الأجانب يمكن أن يتحولوا إلى أوراق ضغط عندما تدخل أبوظبي في خلاف مع حكومات بلدانهم.

ومن الجزائر إلى مصر، تظل القضية أبعد من مجرد إقامات أو رحلات جوية؛ إنها اختبار لطبيعة العلاقة بين السياسة وحقوق الأفراد، ولما إذا كانت الخلافات بين الدول ستبقى داخل غرف الدبلوماسية، أم ستنتقل إلى حياة المواطنين الذين وجدوا أنفسهم، دون اختيار منهم، في قلب صراعات لا يملكون قرارها.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here