هل تنضم مصر إلى اتفاقية مكة بين السعودية وباكستان وتركيا؟

اتفاقية مكة للدفاع المشترك

أحمد سالم

في وقت قال فيه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، السبت، إن مصر قد تنضم إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان “لاحقاً بعد إكمال بعض المسائل الفنية”، ذكرت مصادر مصرية مطلعة”، أن القاهرة لا تعتبر الانضمام إلى الاتفاقية التي وقعت في مكة، أمس الجمعة، أولوية في الوقت الراهن، مرجحة عدم انضمام القاهرة في المدى القريب، في ظل عدم وجود مصالح مصرية مباشرة تستدعي الدخول في هذا الترتيب الدفاعي.

وبحسب المصادر المصرية، فإن القاهرة، رغم إدراكها للمصلحة المشتركة التي تجمعها بدول الخليج، ترى أن الاتفاقية الجديدة، قد تضع مصر في مواجهة مباشرة، وتحديداً مع جماعة الحوثيين في اليمن، فضلاً عن الفصائل في العراق، وهو ما لا يتوافق مع المصالح المصرية المباشرة. وبحسب المصادر، فإن أحد أبرز التحفظات المصرية يتعلق بالوضع في اليمن والبحر الأحمر، إذ إن دخول القاهرة في تحالف دفاعي من هذا النوع قد يجعلها طرفاً في أي مواجهة عسكرية تندلع بين السعودية والحوثيين، في وقت حافظت فيه مصر على قنوات اتصال جيدة مع الجماعة، ولم تتعامل معها باعتبارها خصماً مباشراً.

وترى القاهرة، وفق المصادر، أن الحفاظ على خطوط الاتصال مع مختلف الأطراف الإقليمية يمثل مصلحة بحد ذاته، خصوصاً في ظل حساسية الموقع المصري بالنسبة إلى البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، موضحة أن الانخراط في محور عسكري قد يحوّل مصر من وسيط أو طرف قادر على التواصل مع مختلف الأطراف إلى طرف في صراع إقليمي. وتعتبر المصادر أن اختلاف دوافع الدول الثلاث عن الحسابات المصرية يمثل سبباً إضافياً لعدم اندفاع القاهرة إلى الانضمام، إذ لا ترى أن المصالح التي دفعت الرياض وأنقرة وإسلام أباد إلى الاتفاق تنطبق بالدرجة نفسها على مصر.

من جانبه، اعتبر السفير معصوم مرزوق، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن غياب القاهرة عن اتفاق مكة يحتاج إلى تفسير، خصوصاً أن القاهرة استضافت في 21 يونيو/حزيران الماضي اجتماعاً تشاورياً مهماً لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، بما يعكس وجود مسار سابق للتشاور السياسي والأمني بين الدول الأربع.

وبحسب مرزوق، فإن هذا التطور يعني أن إطاراً للحوار بين الدول الأربع كان قد بدأ بالفعل في التشكل، ولذلك فإن غياب مصر عن توقيع اتفاقية مكة يطرح أسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة، لكنه لا يعتقد أن هذا الغياب سيكون بالضرورة دائماً، أو أنه يعني خروج القاهرة نهائياً من هذا المسار. ورأى أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك تمثل تطوراً مهماً في بنية الترتيبات الأمنية والعسكرية في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لا تتطابق بصورة كاملة مع التصور الذي طالما دعا إليه بشأن إنشاء نظام أمني إقليمي قادر على تحقيق توازن استراتيجي و”توازن ردع” في مواجهة إسرائيل.

وشدد مرزوق على أهمية ألا تغيب مصر عن هذا المسار، مؤكداً أن الاتفاقية تتجاوز بكثير مجرد التعاون العسكري التقليدي، بالنظر إلى الوزن السياسي والعسكري للدول الثلاث، وموقع تركيا داخل حلف شمال الأطلسي “ناتو”، إلى جانب القدرات العسكرية والنووية لباكستان، وموقع السعودية في التوازنات الإقليمية.

في المقابل، قال جاهد طوز، الأكاديمي والمستشار السابق في رئاسة الوزراء التركية، إن اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تبدو مفتوحة أمام توسيع نطاق المشاركة، لافتاً إلى أنها تأتي في سياق اتفاق سابق بين السعودية وباكستان جرى تطويره لاحقاً بانضمام تركيا، وهو ما قد يمثل مؤشراً إلى إمكانية توسع هذا الإطار خلال المرحلة المقبلة ليشمل دولاً إسلامية أخرى ترى في التعاون الأمني الجماعي وسيلة لتعزيز قدراتها ومصالحها الاستراتيجية.

وأضاف أن انضمام تركيا يمثل تطوراً مهماً، ليس فقط بسبب الوزن السياسي والعسكري لأنقرة، وإنما أيضاً بسبب شبكة علاقاتها الواسعة مع عدد من الدول الإسلامية ودول آسيا الوسطى، وهو ما قد يجعل توسع الاتفاقية مستقبلاً أكثر قابلية للنقاش، خصوصاً إذا أثبتت التجربة الأولى بين الدول الثلاث قدرتها على تحقيق أهدافها.

وتوقع المستشار السابق في رئاسة الوزراء التركية، أن تكون مصر من أبرز الدول المرشحة للانضمام إلى هذا الإطار في مرحلة لاحقة، إلى جانب دول أخرى، معتبراً أن الاتفاقية قد تتحول مع الوقت من تفاهم بين ثلاث دول إلى منظومة أمنية أوسع تضم عدداً من الدول الإسلامية. وأشار إلى أن المكانة الجغرافية والسياسية والعسكرية لمصر تجعلها من الدول التي قد تحظى باهتمام خاص عند بحث أي توسع مستقبلي للاتفاقية، إلى جانب دول أخرى قد ترى في الإطار الجديد فرصة لتعزيز التعاون الأمني والدفاعي. وأكد أن مدى التوسع سيظل مرتبطاً بالتطورات الإقليمية وبقدرة الدول الثلاث الحالية على تطوير آليات واضحة للتعاون المشترك، مشيراً إلى أن نجاح التجربة في مرحلتها الأولى سيكون عاملاً حاسماً في تحديد فرص انضمام أطراف جديدة إليها.

وفي السياق، قال عمار فايد، الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إن حسابات القاهرة بشأن تأثير انضمامها على شراكتها مع الولايات المتحدة وعلاقاتها مع إسرائيل، وهما مساران مترابطان، قد تكون السبب الرئيسي وراء عدم انضمامها إلى الاتفاق، رغم كونها أحد أطراف التحرك الرباعي الذي سبق الاتفاق.

وأوضح أن التهديد الإسرائيلي أكثر حساسية بالنسبة إلى مصر مقارنة بما يمكن وصفه بالتهديد الإيراني، ولذلك فإن القاهرة تزن خطواتها بدرجة أكبر وفق تأثيرها المحتمل على علاقتها بإسرائيل. وأضاف أن مصر قد تكون قلقة من أن اتخاذ خطوة من هذا النوع، في وقت تتزايد فيه المخاوف الإسرائيلية من النفوذ التركي، وهذا قد يؤدي إلى تصاعد هذه المخاوف، ومن ثم ترجمتها إلى ضغوط أميركية على القاهرة.

وأشار إلى عامل آخر يتعلق بمستوى الثقة بين مصر وتركيا، موضحاً أن العلاقات بين البلدين تمضي بالفعل نحو تطوير التعاون الدفاعي والعسكري، لكن التباينات الإقليمية لا تزال حاضرة، ولا يمكن تجاهلها عند تقييم إمكانية انضمام القاهرة إلى ترتيبات دفاعية من هذا النوع. واختتم فايد بالقول إن تقديره الأقرب هو أن مصر لم تُستبعد من هذا المسار، وإنما تتخذ في الوقت الراهن موقفاً حذراً، وتفضل مراقبة تطورات التحالف وطبيعة تأثيره الإقليمي قبل اتخاذ قرار بشأن الانخراط فيه بصورة أكبر.

المصدر: العربي الجديد

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here