السَّعيُ للعدالة: الطب والفقه والسياسة في مصر الحديثة

3
السَّعيُ للعدالة: الطب والفقه والسياسة في مصر الحديثة
السَّعيُ للعدالة: الطب والفقه والسياسة في مصر الحديثة


إبراهيم عبد المجيد

أفريقيا برس – مصر. هذا كتاب صادر باللغة العربية منذ أسابيع عن دار الشروق المصرية، للمؤرخ والمفكر المصري خالد فهمي، الذي يشغل الآن كرسي السلطان قابوس بن سعيد للدراسات العربية الحديثة في جامعة كامبريدج. دراساته ومقالاته وكتبه عديدة باللغة الإنكليزية، ومن بينها كتابه الشهير «كل رجال الباشا» الذي نشرته أيضا دار الشروق المصرية من قبل من ترجمة الباحث شريف يونس. الكتاب الأخير ترجمه حسام فخر ويقع في أكثر من خمسمئة صفحة من القطع الكبير.

دراسات وكتب خالد فهمي تتميز بالبحث المدقق في الوثائق الموجودة، أو الغائبة في دار الكتب المصرية وغيرها، فضلا عن دراساته لكل المؤرخين والباحثين الذين اقتربوا أو عالجوا ما يكتب فيه.

أغرتني لقراءة هذا الكتاب قراءاتي السابقة للمؤلف، فضلا عن العنوان المثير. «الطب والفقه والسياسة» تحت العنوان الرئيسي «السعي للعدالة». تدخل في الكتاب فتجد نفسك في رحلة عميقة تبدأ بالطب الحديث في مصر، وكيف بدأ في عهد محمد علي باشا. والأهم والجديد هو معالجة التطور في الحياة والعمران والقانون، من خلال تطور الطب في مصر، وهذا مدخل غير مسبوق في البحث. مقدمة طويلة توجز البحث يسبقها شكر لكل من ساهم في إخراج الكتاب، أو مراجعته، أو التحقق من كثير مما فيه من وثائق، ثم تدخل في الفصول. الأول منها بعنوان «الطب والتنوير والإسلام» توضح كيف أوكل محمد علي باشا مهمة إنشاء مدرسة الطب إلى كلوت بك الفرنسي، حتى يتسنى له تقديم خدمة طبية للجيش الذي بدأ في تأسيسه عام 1822. عن بناء أول صرح طبي في منطقة «أبو زعبل» الذي انتقل بعد عشر سنوات إلى القصر العيني لبعد المسافة وتكلفة الانتقال على المرضى، وكيف جعل كلوت بك تلاميذه كلهم من المصريين، وبداية البعثات لدراسة الطب في فرنسا.

مناقشات لآراء كثيرة أجمعت على النقلة النوعية والفكرية في مصر بعد الحملة الفرنسية، لكن خالد فهمي يرى الأمر مختلفا بعيدا عن الكولونيالية، فمحمد علي لم يصل إلى الحكم بتشريع عثماني، لكن بإرادة المصريين، وكان لديه طموح لأن يكون له جيش ودولة قوية تواجه الخلافة العثمانية، التي تعودت أن تحدد من يحكم مصر، رغم الدراسات التي أكدت على النور والتنوير لمحمد علي، أو مقاومة الجهل كما رأى كلوت بك، أو كما استمر الحال بعد الاحتلال البريطاني.

ندخل في تاريخ الحجر الصحي، وكيف تطور مع محمد علي، خاصة مع ظهور أوبئة مثل الكوليرا والطاعون، ومن الحجر الصحي إلى التطعيم ضد الجدري حتى ننتقل إلى التشريح ومشكلاته، ودور ذلك في أهمية الطب الجنائي.

صعوبات مسألة التشريح للجثث الذي بدأه كلوت بك، كيف رفض بعض تلاميذه المصريين إهانة الجسد المسلم، واعتدى عليه أحد التلاميذ بالسكين. تفاصيل كثيرة جدا حول كثير من القضايا، وعلى رأسها لماذا كان يرفض المصريون العلاج الحديث. يناقش الدراسات التي أجمعت على أن ذلك كان من أثر فترة الحكم العثماني أو الإسلامي، التي أشاعت الجهل، لكنه يصل إلى حقيقة مختلفة، وهي أن المكان نفسه كان مخيفا بإهماله وقذارته، وإلى أن ذلك لم يكن صراعا بين التنوير الأوروبي والمعتقدات الإسلامية، أو الصراع بين التراث والحداثة، فالأمر مرتبط أكثر بطموحات محمد علي في إنشاء دولة كبرى تُورَّث لأبنائه.

لندخل في الفصل الثاني، الذي عنوانه، «السياسة.. القانون المنسي» عن إنشاء مجالس سياسية ويقصد بها مجالس قانونية، مع المجالس الشرعية التي يمكن أن يضيع فيها حق الضحية لعدم وجود شهود، أو حتى لوجود الدية والاكتفاء بها، لكن المجالس السياسية تضمن حق القانون. عشرات الأمثلة على القتل والسرقة والاغتصاب، التي عجزت المجالس الشرعية عن إثباتها، بينما نجحت المجالس السياسية. رحلة مع تاريخ الإصلاح القانوني في القرن التاسع عشر، فالقانون الهمايوني أو العثماني، كان يجعل القصاص مرتبطا بالقاضي الشرعي، ملتزما بقواعد الفقه الذي يعتبر القصاص من حق العباد، أيّ عليهم إثباته بالشهادة. وهذا يعني أن الدعوة ملك لرافعها وإرادته يمكن أن تفشل لعدم وجود شهود، ويمكن أن يتنازل عنها، لكن المجالس السياسية فعلت العكس، فالدعوى من حق الوطن. عشرات الأمثلة من فشل الدعاوىَ ثم إثباتها من المجالس السياسة.

هذا الأمر اقتضي معرفة بالشعب والسكان. كيف يكون الشهود، وكيف يتم التعرف على الناس في الواقع. ظهرت أهمية أسماء الآباء للأفراد ومحل الإقامة و»التذكرة» التي يجب أن يحملها عمال التراحيل، وكانت أشبه بجواز سفر فيها بياناتهم ومحل الإقامة، أو «ورقة الضمان» التي يحملها الفرد من شيخ الحارة، أو شيخ الطائفة ليتم التعرف عليه. كيف يتم الحكم بين المجالس الشرعية والسياسية وأوجه الاختلاف، التي على رأسها في المجالس السياسية التقرير الطبي، بعد معاينة الجثة أو تشريحها، وأمثلة بالأسماء. المهم كما ترى كيف كان التطور في الطب سببا في التطور في الحياة والمعاملات. في الفصل الثالث «الأنف تروي قصة مدينة « وهو فصل كغيره مدهش يبدأ بحكاية طفل شاهد كلبا قرب ثكنات قصر النيل، يشمشم خرقة قديمة مدفونة في الأرض، ثم رآه الأطفال يخرج منها شيئا يثير الشبهات. هرع الأطفال إلى شيخ الحارة الذي أثاره ما رأى، فاستدعى حكيمباشي الضبطية، وأُرسِلت محتويات الخرقة إلى اسبتاليا القصر العيني للكشف الطبي عليها، ليكتشفوا أنها تضم رفات أنثى، إما ولدت ميتة أو كانت جنينا مُجهضا. ليس مهما الآن القصة. المهم أنه من الأنف بدأ الحديث عن تطوير القاهرة ونظافتها، ولم يكن البصر فقط لتكون مثل باريس في البنايات.

مناقشة لرحلة الخديوي إسماعيل إلى باريس، وعلي مبارك ودوره في تطوير القاهرة، وظهور أول مجلس لتطويرها وغير ذلك من شروط البناء وغيرها، لكن الأهم هو موضوع الأنف. كيف تكون القاهرة نظيفة ولا رائحة لأوخام من الزحام والتكدس والأسواق والمستنقعات تأتي بالوباء أو المرض.

ننتقل إلى الفصل الرابع عن الحسبة والسوق والكيمياء الجنائية. فيه تاريخ للحسبة وأهم من كتب فيها من الإسلاميين القدامى. مناقشة هل تتعارض مع الوسائل الحديثة الطبية لضبط البضائع في الأسواق. طريقة عمل المحتسب حتى حلت الكيمياء الحديثة محل المحتسب في الكشف على البضائع، وتطور نظام الصحة العامة. رحلة ممتعة عظيمة كالعادة مع الأمر حتى نصل إلى الفصل الأخير «عدالة دون ألم». يبدأ الفصل بحكاية عن مسيرة من سبعة وعشرين عبدا سنة 1858، ذهبوا إلى مقر الضبطية في الأزبكية، مقر البوليس، لتقديم شكوى في ناظر إسطبل الدايرة التي يعملون فيها، وهو وجيه رفيع المقام، حيث قام بجلد واحد منهم حتى موته. مشوار التحقيق، فالمشكو في حقه من الوجهاء والتردد في الحكم عليه حتى انتهى الأمر بقرار من الوالي سعيد باشا بنفيه من مصر وإبلاغ الموانئ بعدم عودته إليها. مناقشة الأمر وهل كان ذلك ليؤكد سعيد باشا استقلاله عن الدولة العثمانية، التي تمسك بمثل هذه القرارات أم لا، لكن المهم مناقشة الألم وأشكال وتطور الجلد بين الشريعة والمجالس السياسية، وتاريخ المسألة حتى صار الحبس بديلا عن الجلد والتعذيب. مناقشة اللوائح والقوانين التي صدرت في ذلك، من جلد واضح إلى قدر قليل من الألم إلى أماكن الجلد، القدمين والمؤخرة، حتى جاء الحبس، ورحلة مع أماكن الحبس نفسها وتطويرها ونظافتها. مناقشات فكرية وحكايات وقصص من الوثائق القديمة وقضايا بأسماء أصحابها ودور الخبرة الطبية في الوصول إلى الأحكام وعلاقتها بالمحاكم الشرعية.

ينتهي الكتاب لتجد صفحات كثيرة من الوثائق ثم المراجع، وتكون قطعت رحلة هائلة مع التاريخ والطب والعدالة. يحتاج الكتاب إلى آلاف الكلمات للإحاطة القليلة به، فكم المعلومات والدراسات التي ناقشها، والوثائق والعصور التي مرّ عليها، أكبر من أيّ مقال. لكنها متعة الكتاب الفائقة وروعة وجديد أفكاره والترجمة الرائعة له.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here