الناقد المصري وائل فاروق والهويات العربية المتعارضة

8
بين تقليد التراث وتقليد الحداثة: الناقد المصري وائل فاروق والهويات العربية المتعارضة
بين تقليد التراث وتقليد الحداثة: الناقد المصري وائل فاروق والهويات العربية المتعارضة

أفريقيا برس – مصر. يقول جورج طرابيشي إن «الانفتاح على الحداثة هو الذي يمكن أن يطرح على التراث أسئلة جديدة… وأن يستنطقه أجوبة جديدة.. وأن يعيد صياغته في إشكاليات جديدة». تقودنا مقولة طرابيشي هذه إلى صياغة السؤال التالي: هل استفاد التراث العربي من مشروع الحداثة؟

لن نذهب بعيدا في محاولة الإجابة عن هذا التساؤل الذي يقودنا مباشرة إلى كتاب «الهويات العربية المتعارضة: اللغة، التراث، الحداثة»”*”، للناقد والباحث المصري المقيم في إيطاليا الدكتور وائل فاروق، الذي لم يكن تقليديا في طرح وجهة نظره تجاه مفهومي الحداثة والتراث، ولم يشرح ذلك أيضا من زاوية مؤدلجة تميل إلى جهة دون الأخرى، بل راح يشرح أولا مفهوم الهوية العربية: «اللسان “اللغة”، العقل “الذاكرة”، الزَّمن تؤسس هذه المفردات «هويَّة» العقل العربي في بداياته الأولى مما يجعل أي مقاربة لفهم العقل العربي مضطرة للانطلاق منها ومتابعة مسيرتها في التَّاريخ.»

كما أنه يرى أن «العقل العربي ينحاز إلى الماضي بخلاف الغرب»، إذ «يهرب الأوروبيون باستمرار من ماضيهم، بينما يهرب العرب باستمرار نحو ماضيهم». وقد شرح هيمنة الماضي متحدثا بداية عن نشأة الإسلام في الصحراء، وقدم مقاربات نقدية في نصوص تاريخية، وناقش أيضا دور اللغة التي تعتبر أحد الأركان المشكلة للهوية العربية والتي يرى أنها «ليست من صنع فرد أو أفراد وإنَّما هي نتيجة حتميَّة للحياة في مجتمع يجد أفراده أنفسهم مضطرين إلى اِتخاذ وسيلة معيَّنة للتفاهم والتعبير عما يجول بالنفس وتبادل الأفكار، تلك الوسيلة هي اللغة». وهو يقتبس الجاحظ، فبلاغة اللغة العربية من وجهة نظره هي علامة العرب الفارقة منذ بداية وجودهم، كما أن «النصوص الدينية “التقاليد النبوية”، تكشف الدور الأساسي للغة في تشكيل الهوية العربية، وفي الوقت نفسه تكشف بوضوح عن الصراع بين نظامين معرفيين على المستوى البنيوي واللغوي. وهذا ما سيوفر تحليل هذه النصوص فهما للأسباب والآليات التي حولت الخطاب العربي الإسلامي في النهاية إلى مجرد أداة أيديولوجية لتبرير السلطة.»

وبطبيعة الحال لا يمكن أن تقوم قائمة مجتمع دون ذاكرة تحفظه فهي «كالبنيان» إذن «تَقْييد» كالعقل، البنيان ذاكرة يُشَكِّلها الإنسان من عناصر الطبيعة، ذاكرة خارج الإنسان، أمَّا العربي فهو يحمل “ذاكرته/ بنيانه” داخله، لا ينفصل عنها، يتوحد بها، حضارة الآخرين طين وحجارة وحضارته كلمات، هنا يظهر لنا الفارق العميق بين الحضارة الزراعية والحضارة البدوية، فالحضارة الزراعية حضور في «المكان» أما حضارة الصحراء فهي حضور في «الزمن» أو الذاكرة، حضارة الزراعة حضارة ثبات وحضارة الصحراء حضارة حركة، فالكلمة – في ذلك المجتمع الشفاهي – هي صوت، والصوت حركة في الزمن «الصوت حدث في الزمن والزمن يتقدم بلا رجعة أو توقف أو تجزئة» كما ورد في الكتاب.

كذلك تطرق فاروق لمفهومي القبيلة والأمة وما الفرق بينهما أو كيف تتحول القبيلة إلى أمة من وجهة نظر حداثية بحتة دون أن تلغيها، وقد ذكر ما قاله الجابري الذي يؤكد أن «مفهوم الأمة يتجاوز مفهوم القبيلة، لكنه لا يلغيها، لأن نبذ القبيلة ليس من الشروط اللازمة لتأسيس الأمة». كما أن محاولة محو أثر القبيلة «لا يتطلب فقط انفتاحا على الآخر، بل يتطلب أولاً وقبل كل شيء إنشاء بنية اجتماعية على أسس مختلفة تماما عن تلك التي أنشأتها القبيلة».

وبما أن النسب يميز العربي عن الغربي، فالنسابة كالشاعر «حافظ» لهويَّة المجتمع وضامن لاستمراريته، «فالنسب» يجعل القبيلة جماعة دائمة لا تملك لنفسها أن تنشأ أو تنحل، لأنها توجد بوجود الأفراد الذين تتشكَّل منهم وتبقى مستمرة ومتفرعة باستمرار وجود هؤلاء الأفراد واستمرار تناسلهم، هكذا تصبح القبيلة جماعة غير مقيَّدة بالزمان لأنها تستمر فيه، وهكذا يتحرر الفرد من إحساسه الثقيل بالضياع في الزمن/ الموت»، كما جاء في الكتاب.

الأخلاق تعد هي الأخرى من أركان الهوية العربية وقد أتى فاروق على ذكر النعمان الذي اعتبرها الركن الثالث المؤسس لهوية العرب والمُميِّز لهم عن غيرهم من الأمم، فالأخلاق «أيضا تكتسب خصوصيتها في إطار تلك العلاقة المركبة مع الذاكرة، فلكي تكون جزءا من الذاكرة الجماعية لا يكفي أن تكون كريما أو شجاعا أو قاسيا يجب أن تكون متطرفا في الكرم والشجاعة والقسوة، يجب أن تكون استثنائيا حتى تتذكرك الجماعة، لذلك العرب لا يعرفون العادية»، كما ذكر المؤلف.

وتحدث فاروق أيضا عن الفلسفة ودورها في المجتمع الذي اقتصر على فئة معينة دون أن يكون لها دور حقيقي، وقوة فاعلة بالمجتمع إذ يقول: «أما الفلسفة العربية، فتطورها في سياق الصراعات السياسية وارتباطها الدائم بالسلطة الحاكمة أدى إلى عزلها داخل دوائر النخبة، بحيث تخلت في النهاية عن أي دور اجتماعي. ونتيجة لذلك، تم تهميش الفلسفة أكثر من «الواقع البشري».

هنالك حديث عن نصوص الفتاوى والردود بشأنها، التي تؤكد حجم التناقضات أو تبرز طريقة الحداثة التي لا هي تشبه الحداثة ولا هي قريبة من التراث، إذ «لا يحتاج المفتي إلى امتلاك فقه الدين فقط، بل يجب أن يمتلك أيضا فقه الحياة ومعرفة الناس في سياق واقعهم، لأن الناس يشبهون زمانهم أكثر مما يشبهون آبائهم.»

لكنه ينتهي في الأخير إلى القول بأن «الخطاب الحداثي لم يكن قادرا على تعزيز أي تغيير حقيقي برغم جهوده في الإصلاح، وذلك بسبب ضغط الخطاب الديني القوي الذي كان يتهم الحداثيين بالخضوع الثقافي للغرب»، إذ انتهى الأمر بالعقلية الحداثية إلى اتباع نفس آليات الإنتاج الفكري التي تميز العقلية الدينية والتراثية والتي تدور جميعها حول البحث في الماضي الطوباوي عن شرعية الوجود في الحاضر، فهو من وجهة نظره ليس «سوى قراءة مختلفة للماضي لذا فقد الأسس النقدية التي يمكن أن يُبنى عليها الحاضر. «

لكن ورغم أنه يُرَى كانتكاسة إلا أن المؤلف يؤكد أننا «نمارس شئنا أم أبينا النمط الحداثي ونعيشه، فالحداثة ليست مجموعة من المقولات المعرفية التي يمكن أن نقبلها أو نرفضها أو حتى نتخيَّر منها، الحداثة جزء جوهري من حياتنا نمارسه في كل لحظة وتتحدَّد به أشكال علاقتنا بالعالم المحيط بنا والمجتمع الذي ننتمي إليه، إلا أن البعض يرفض الحداثة رغم ممارسته لها إلى حد القطيعة، والبعض الآخر يتماهى معها حتى يرى تراثه وسياقه التاريخي عقبة في سبيل التقدم».

إن أزمة الهويات العربية تتمثل في عجزها عن إيجاد رابط حقيقي يجمع بينها – قوميا كان أو عرقيا – خارج نطاق اللغة، وهذا الطرح تعاني منه مجازا كل القوميات التي انضوت تحت راية الحكم العثماني إذ أسهم توحدها تحت راية واحدة في خلق خليط أجناس هجين في حيز جغرافي واحد. وهذا ما جعل الدول العربية المستقلة جغرافيا عن هذا اللواء تعجز عن إنتاج أي نمط فكري منظم باستثناء الدين الذي تتآلف فيه دون أن تطبقه فعليا. ويقول فاروق إنه تمّ «دمج التقليد والحداثة في خطاب واحد، بعد أن اختُزلا إلى مجرد أدوات لتبرير خطاب السلطة وممارساتها»، فكان أن طوعت الحداثة خدمة للتراث والسلطة، على الرغم من بروز بعض الدول العربية التي توشح نفسها بالقومية إلا أنه توشح سطحي غير ضارب في جذورها.

فكيف نرى أنفسنا؟ والآخرين؟ وماهي نظرتنا للحداثة؟

ولعل الإجابة عن بعض هذه الأسئلة، يوصلنا إلى حقيقة أنه من الصعب إيجاد تعريف للهوية بعيدا عن الدين.

لذا أرى من وجهة نظر خاصة أن الجديد الذي جاء به فاروق في كتابه، أو بعبارة أخرى أهمية هذا الكتاب دون غيره، هي ميزته في الانتقاد غير المباشر لطريقة الرأي السائد الذي يقول إن التاريخ المعاصر عبارة عن صراع بين التقاليد التي يعتبر الإسلام عنصرا رئيسيا فيها من ناحية، وما بين قيم الحداثة من ناحية أخرى. لكن في حقيقة الأمر لم يكن صراعا بالشكل التقليدي أو المفهوم وإنما نتج عن هذا التصادم لقاء تعايشت على ضوئه المتناقضات بمعنى تعايش العناصر السلبية القائمة في التراث والعناصر السلبية القائمة في الحداثة، فاجتمعت سلبيات الظاهرتين في ثقافة ثالثة ليست حداثية وليست تقليدية وإنما هي خليط هجين نتج عنهما. وأستعير من فاروق قوله الذي يلخص الموضوع بشكل دقيق، فهو يرى أن «الفاعلية المبدعة في العلاقة مع الواقع والآخر هي ما يشكل الهويَّة الإنسانية وهي ما يوفِّر الانسجام المفقود بين «الآن» وتاريخه وبين «هنا» ومحيطها، أزمة العقل العربي أنه لا يعيش انسجاما في الزمان أو في المكان، لا يعيش انسجاما بين الزمان والمكان، فالأصولي حارس الهويَّة يعيش في الـ«هنا» ويغترب في «الآن» حيث يقيم في الماضي المجيد، وأنصار الحداثة يعيشون في «الآن» ويغتربون في «هنا» حيث تهاجر أفئدتهم إلى حيث تريد أن تنتمي هناك في الغرب».

وأعتقد أن فاروق يحث على وجود ذلك التلاؤم مع التراث والواقع دون نسيان مادة الهوية، وفعل تشكيل الهوية.

لذا نتمنى أن نستفيد من إيجابيات كل من الحداثة والتراث في فضاء لن أسميه ثالثا كما سماه هومي بابا، وإنما فضاء حقيقيا يرتكز على الجوانب الإيجابية لكل من التراث والحداثة كي نتمكن من مسايرة العصر دون إهمال الماضي الذي هو أساس الحاضر. إذن، «رحلة الاكتشاف الحقيقية لا تكون بالبحث عـن أراض جديدة بل بالحصول عـلى بصائر جديدة»، بحسب رأي مارسيل بروست.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here