أزمة شريف الروبي تفتح ملف دمج المعتقلين بمصر

11
أزمة شريف الروبي تفتح ملف دمج المعتقلين بمصر
أزمة شريف الروبي تفتح ملف دمج المعتقلين بمصر

محمد عبد الله

أفريقيا برس – مصر. لجنة العفو الرئاسي باشرت عملها على ملف دمج المُفرج عنهم، وتلقت بعض الطلبات وأبدت استعدادها لتلبية احتياجاتهم لإعادتهم لحياتهم الطبيعية، مضيفة أنه تم بالفعل تنفيذ عدد من الإجراءات بعودة البعض لأعمالهم أو توفير فرص عمل لهم.

بقدر ما يشكل الخروج من السجن أملا للمعتقلين في مصر، إلا أن أسئلة ما بعد السجن تظل تؤرق هؤلاء المفرج عنهم، خصوصا ما يتعلق منها بالعمل أو السفر، في الوقت الذي تؤكد فيه لجنة العفو الرئاسية أنها تعمل على هذا الملف.

ووفقا لحقوقيين ومنظمات حقوقية محلية ودولية مثل منظمة العفو الدولية، فإن مصير الآلاف من الرجال والنساء المحتجزين على ذمة قضايا سياسية بأيدي الأجهزة الأمنية، وبالتحديد قطاع الأمن الوطني (أمن الدولة سابقا) والمخابرات العامة، وليس النيابة والقضاء كما تؤكد السلطة.

وحسب استطلاع آراء بعض المعتقلين السابقين -سواء من النشطاء السياسيين أو المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، أو من أحزاب ليبرالية، أو حتى المواطنين العاديين الذين انتقدوا النظام عبر بعض حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل- فقد أكد أغلب هؤلاء، أن “كثيرين ممن أفرج عنهم صدموا بعدم قدرتهم على العمل بسبب المضايقات الأمنية، حتى ضاقت بهم الأرض بما رحبت”.

الروبي نموذجا

حالة القيادي في حركة “6 أبريل”، شريف الروبي، الذي أعيد اعتقاله قبل أيام بعد نحو 4 أشهر من الإفراج عنه، هي أحد الأمثلة الواضحة على تلك المعاناة. وقد سردها في مداخلة هاتفية، إذ لم يستطع الحصول على عمل يقتات منه لعياله.

وقال الروبي “أُجري هذه المداخلة للحديث عن معاناة المعتقلين بعد الإفراج عنهم، ولا نتحدث هنا عن النظام ولا معارضته، قد أتعرض بعد هذه المداخلة للاعتقال مجددا”، مضيفا أن “أي معتقل سياسي عندما يخرج (من السجن)، مهما كان وضعه، يكون في وضعية سيئة للغاية”.

وتحدث الروبي عن معاناته ومعاناة بعض الزملاء الذين خرجوا من السجن اجتماعيا واقتصاديا، “أنا وعبد الرحمن طارق موكا وكثير من الناس الذين خرجوا الفترة الأخيرة، والذين خرجوا من قبلنا، نعاني من مشاكل كثيرة من بينها الضائقة المالية، وعدم وجود عمل حتى أنني ذهبت لمحل فول وطعمية في منطقة شعبية للعمل، ولكن بمجرد أن علم صاحب المحل بوضعي، رفض عملي معه”.

ونقلت المحامية ماهينور المصري -وهي معتقلة سابقة أيضا- عن أحد المحامين الذي حضر التحقيق مع الروبي، أن النيابة واجهته بما كتبه من آراء على الفيسبوك عن صعوبة الأوضاع بعد السجن، مضيفة أن الروبي شرح لوكيل النيابة وضعه الاقتصادي الصعب كأب لأسرة بها 3 أطفال بالمدرسة ولا يجد وظيفة بسبب ظروف حبسه.

المفارقة، أن الروبي الذي كان محبوسا على ذمة القضية رقم 1111 لسنة 2020 حصر أمن دولة عليا، أخلي سبيله في 30 مايو/أيار الماضي، بعد عام ونصف العام من الحبس الاحتياطي، ضمن قوائم العفو الرئاسي التي أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي تفعيل عملها في أبريل/نيسان الماضي، بالتزامن مع دعوته لإجراء “حوار وطني” مع مختلف القوى الوطنية السياسية، باستثناء جماعة الإخوان المسلمين.

الروبي وتحريك المياه الراكدة

وقد أذكى إعادة اعتقال الناشط شريف الروبي، على خلفية تصريحاته عن أوضاعه المعيشية الصعبة بسبب الملاحقة الأمنية، تعاطفا واسعا وشجع المعنيين بقضايا المعتقلين على تسليط الضوء على تلك المشكلة.

لجنة العفو الرئاسية -إلى جانب أحزاب الحركة المدنية وعدد من المنظمات الحقوقية- أطلقوا مبادرات لمعالجة أوضاع السجناء والمحبوسين المفرج عنهم، وتمكينهم من العودة لعملهم، والسماح لهم بالسفر خارج البلاد، وإلغاء قرارات التحفظ على أموالهم.

وذكرت لجنة العفو الرئاسي، في بيان لها، أنها باشرت عملها على ملف دمج المُفرج عنهم، وتلقت بعض الطلبات وأبدت استعدادها لتلبية احتياجاتهم لإعادتهم لحياتهم الطبيعية، مضيفة أنه تم بالفعل تنفيذ عدد من الإجراءات بعودة البعض لأعمالهم أو توفير فرص عمل.

وفي تصريحات متلفزة، قال عضو لجنة العفو الرئاسي كريم السقا إن السيسي وجّه بأهمية عودة الطلاب المفرج عنهم لدراستهم والموظفين لعملهم.

وأشارت اللجنة إلى قيامها بالتنسيق مع الجهات المعنية بالدولة لحل بعض الأمور الإجرائية المتعلقة بمنع السفر أو التحفظ على الأموال، مع التأكيد أنها دون غيرها هي المسؤولة عن التنسيق مع جهات الدولة في هذا الشأن.

وقبل أسبوع، حظيت تغطية مرور عام على الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان -التي دشنها الرئيس عبد الفتاح السيسي- بإشادة واسعة من قبل نواب البرلمان والأحزاب السياسية والصحف القومية.

وأشارت إلى ما قالت إنه اهتمام من الدولة بملف المحبوسين، وتركيزها على تحسين أوضاع المسجونين وإصلاحهم، لإعادة دمجهم في المجتمع مرة أخرى، لافتة إلى افتتاح وزارة الداخلية عددا من مراكز الإصلاح والتأهيل (بديلا عن مصطلح السجون).

الخروج من مصر

تستعرض الجزيرة نت نموذجين لمحبوسين ومعتقلين سياسيين سابقين، لمعرفة كيف شقوا طريقهم في الحياة مجددا، وإلى أي مدى نجحوا في العودة مجددا للاندماج في المجتمع.

يقول المحامي والمعتقل السابق عبد الرحمن عاطف -أحد الذين رافقوا شريف الروبي في إحدى مرات حبسه بأحد السجون- “كان شريف أحد المحبوسين معي عام 2015 بسجن 6 أكتوبر المركزي، وهو صديق لي ويحزنني ما يتعرض له على المستوى الإنساني والحقوقي، وأريد أن أؤكد هنا على مقاله بأن النظام لا يقدم أي ضمانات بعدم اعتقالك مجددا لأي سبب، مما يجعل لديك هواجس باعتقالك في أي وقت”.

النقطة الأخرى، يضيف عاطف اضطررت إلى مغادرة مصر بعد اعتقالي أكثر من مرة واستمرار ملاحقتي والتضييق علي، ولأني محام كان من الصعب أن يزورني أي عملاء، لأنهم لن يتعاملوا مع محام مهدد بالاعتقال في أي وقت.

من سابق تجربته، يؤكد عاطف أن “المفرج عنهم لا يتم قبولهم في أي وظيفة غالبا، حتى وإن كان عملا شاقا؛ لأن صاحب العمل يتخوف من توظيفهم حتى لا يرى قوات الأمن تداهم مقر عمله وأكل عيشه ويخرب بيته، أما بخصوص الصادر بحقهم أحكاما نهائية، فإنهم يفصلون من وظائفهم نهائيا ويتركون في الشارع”.

في النموذج الثاني، أحد المواطنين الذي كان يعمل مدرسا بوزارة التربية والتعليم ويدعى (م. ع)، اعتقلته قوات الأمن الوطني قبل سنتين وظل محبوسا بعد نحو أسبوع من الاختفاء القسري بمحافظة القليوبية، شمال القاهرة، لنحو 10 أشهر بسبب نشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي في بعض المناسبات وانتقاده الغلاء، وليس النظام.

وقال “أنا مواطن عادي طبيعي، لا أنتمي إلى حزب سياسي وليس لدي نشاط سياسي، ولم يخطر ببالي أن تداهم قوة أمنية المنزل وتروع الصغار والكبار، لإلقاء القبض علي كأني أحد المجرمين المسجلين خطر، ولم أعلم بسبب اعتقالي إلا بعد أن تمت مواجهتي بآرائي على صفحتي بموقع فيسبوك”.

ويضيف (م. ع) “كنت أعتقد أن عودتي للبيت هي نهاية كل شيء، ولكني فوجئت أن مستقبلي وأسرتي باتا على المحك، بسبب فصلي من العمل الذي طلب ما يثبت أنني كنت محبوسا احتياطيا وقت انقطاعي عن العمل، لكن نيابة أمن الدولة لا تمنح شهادات بمدد الحبس الاحتياطي للمفرج عنهم، لكني نجحت في العودة للعمل من خلال واسطة”.

فصل مدني وأمني

وفي إطار التضييق على المعارضين في مجال العمل، فصلت وزارات الدولة المختلفة آلاف الموظفين سواء في الصحة أو التعليم أو الأوقاف أو غيرها من الوزارات بسبب انتماءاتهم وآرائهم السياسية، رغم أنهم لم يلق القبض عليهم ولم يحبسوا على ذمة أي قضايا سياسية.

في أكتوبر/تشرين الأول 2019، أصدر وزير التعليم المصري السابق طارق شوقي قرارا بفصل 1070 معلما، في واحدة من أكبر عمليات الفصل الجماعي بالوزارة، بدعوى أنهم أصحاب أفكار متطرفة وعليهم أحكام قضائية.

وفي القانون رقم 10 لسنة 1972، لا يسمح بفصل الموظفين بغير الطريق التأديبي، لكن المشرع المصري أجرى تعديلات على القانون في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وواجهت انتقادات حادة باعتبارها تهدف “للتنكيل بالموظفين ذوي الآراء السياسية المعارضة للحكومة”.

والفصل بغير الطريق التأديبي يعني الفصل المباشر بقرار إداري، دون العرض على جهات التحقيق المختصة بالتعامل مع الموظفين، ومن دون أن يكون القرار صادرا من النيابة الإدارية، وحتى من دون عرض الأمر على القضاء.

التضييق في الأرزاق تاريخيا

السياسي المصري رئيس حزب “غد الثورة” أيمن نور، وصف ما يجري للمعتقلين بعد خروجهم من المعتقل بأنه “غير مسبوق في أي فترة سياسية سابقة، وبات الاستثناء في ذلك سواء في عهد عبد الناصر أو السادات أو مبارك قاعدة عامة الآن”.

وأوضح نور أن بعض المراحل السياسية التاريخية شهدت بعض التضييق الأمني على أرزاق المعارضين مؤقتا، خاصة في عهد عبد الناصر، وطبقت في عهد السادات بشكل محدود في أحداث سبتمبر/أيلول 1981، حين تم نقل عدد من أساتذة الجامعة والصحفيين إلى وظائف أخرى ولكنهم لم يتركوا في الشارع ويُجَوَّعوا، أما في عهد مبارك فكان هناك نوع من أنواع الرقابة على تعيين أبناء وأقارب المعارضين في بعض المؤسسات، مثل الجيش والشرطة والقضاء.

وأكد السياسي المصري المعارض أن قطع الأرزاق كما يحدث الآن غير مسبوق في تاريخ مصر السياسي، وتحول إلى قاعدة، وما قيل بخصوص هذا الشأن من قبل لجنة العفو الرئاسي هو اعتراف بأن هناك تضييقا على حياة المفرج عنهم.

معتقلو التيار الإسلامي

يصبح الوضع أكثر تعقيدا عندما يتعلق الأمر بأحد أبناء التيار الإسلامي أو جماعة الإخوان المسلمين، حسب الإعلامي مسعد البربري، وهو أحد المعتقلين السابقين في السجون المصرية بتهم عدة من بينها الانتماء لجماعة “إرهابية” قبل أن يطلق سراحه ويغادر البلاد.

وأضاف البربري أن كثيرا من المعتقلين السابقين يجدون صعوبة في العودة إلى عملهم، خصوصا المنتمين لجماعة الإخوان والمحسوبين على التيار الإسلامي؛ لأنه ليس لديه أي ضمانات من أي نوع أنه لن يتم اعتقاله مجددا، كما أن العودة إلى العمل الحكومي أو الخاص تتطلب إجراءات أمنية وقضائية معقدة لإثبات حقه في العودة للعمل، وفي كثير من الأحيان لا تتاح له العودة.

الغالبية العظمى بعد الخروج من السجن، حسب البربري، تخضع للمراجعة الدورية لمكتب أمن الدولة، وفي كل مرة يتعرضون لأصناف من الضغوط النفسية، بسبب التعنت وإعادة التحقيق والاحتجاز لساعات، إن لم تتقرر إعادة اعتقالهم مرة أخرى.

ورأى البربري أن الصمت وعدم الحديث عن أي شيء لأي وسيلة إعلامية أو في أي وسيلة تواصل اجتماعي ليس كافيا أحيانا لكف يد الأمن عن المعتقلين السابقين، وعلى سبيل المثال الصحفي أحمد سبيع اعتقل لعدة سنوات ثم أخلي سبيله، قبل أن يعاد اعتقاله من جنازة المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة، رغم أنه التزم الصمت طوال الوقت.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here