تقرير حقوقي يرصد أنماط التعذيب في سجون مصر

11
تقرير حقوقي يرصد أنماط التعذيب في سجون مصر
تقرير حقوقي يرصد أنماط التعذيب في سجون مصر

أفريقيا برس – مصر. أنماط عديدة من التعذيب الجسدي والنفسي، يتعرض لها السجناء في مقرات الاحتجاز المصرية، «ليس فقط لإجبارهم على الإدلاء باعترافات مزورة، ولكن بغرض الإهانة وتكريس شعورهم بالعجز واليأس والحط من كرامتهم وخصوصيتهم، فضلا عن تعذيبهم بالخوف المستمر من القتل أو الموت أو الاحتجاز في غرف (التأديب) حسب تقرير جديد صدر أمس الأحد، عن منظمة «كوميتي فور جستس» الحقوقية.

التقرير، الذي حمل عنوان «ناجون من السجون: مقطوعون من الحياة» تطرق لأنماط التعذيب الجسدي والنفسي والجنسي داخل السجون ومقار الاحتجاز، ونقل شهادات لناجين عن محاولات الانتحار المكتملة، وأثر تجارب التعذيب تلك، والسجن على حياة الناجين.

وعلى الرغم من أن التقرير، أكد على عدم تعميم النتائج بشأن تأثير تجارب السجن على حياة الناجين من قضبانه، فقد أقر، ما أبرزته دراسات السجون لسنوات من الرابط بين تعرض السجناء لأنماط التعذيب النفسي والجسدي، و«شعورهم بفقدان الأمل وفقدان المعنى وسوداوية التفكير وصولا لمحاولات الانتحار».

أنماط التعذيب

وتضمن التقرير شهادات لخمسة من الناجين، وهم شباب بمتوسط العمر (18-35 عاما) اثنان من الإناث وثلاثة من الذكور، عن أنماط التعذيب النفسي المستخدمة داخل السجون ومقار الاحتجاز المصرية، منها، التعذيب بالإقصاء والعزل (التغريب) التعذيب الجسدي والإهانة والاعتداء على السلامة النفسية والجنسية للضحايا، وكذلك، التعذيب بالتلاعب بالحواس، والتعذيب بالتوتر المستمر، ما يدفع بالضحايا إلى الانتحار، سواء داخل السجن أو حتى بعد خروجهم للمجتمع الخارجي، إذ يظل هذا الهاجس يطاردهم.

تفتيش مهين

وعن التعذيب داخل أحد مقار الأمن الوطني، وسجني وادي النطرون وبرج العرب، ينقل التقرير عن أحد الناجين، قوله :»أثناء التعذيب في مقر الأمن الوطني، قام ضباط الأمن بتصويري أثناء ترديد أقوال مزورة، وكان يتم إجباري على قضاء الحاجة مقيد اليدين أمام كاميرا ضخمة بدورة المياه، وعند ترحيلي إلى السجن، كنت أتعرض للتفتيش المهين بشكل دوري، وأثناء الزيارات الأسرية كان ضابط الأمن يأمرنا بالجلوس القرفصاء وتشبيك أيدينا خلف الرأس والنظر أرضا، فيما يشبه السجود له، كي يسمح لنا برؤية ذوينا أثناء الزيارات».

وعن التفتيش في الزيارات ينقل التقرير عن إحدى الناجيات، قولها: «كان أقرب لهتك العرض والاغتصاب، وفي حال الاعتراض، يكون الجزاء أشد من الانتهاك نفسه، ففي إحدى المرات، وقعت مشادة بيني وبين مأمور القسم وقام الأخير بضربي فتمسكت بحقي، في إيقاع الكشف الطبي لتسجيل ما وقع بحقي، وحينها، تم إرسالي إلى مستشفى تعرضت فيها للتعرية والاعتداء على عرضي، وتم توقيع الكشف بطريقة شديدة الإهانة، ثم نقلي من هناك إلى السجن كنوع من العقاب».

كشوف عذرية

ناجية أخرى، تحدثت، عن تعرضها لكشوف العذرية ثلاث مرات خلال فترة احتجازها لشهرين في ستة من أقسام الشرطة. وتقول: «في كل يوم منها كنت في عالم آخر، تعرضت لمرات لا تحصى للتحرش والاعتداء الجنسي والضرب والجرح، تعرضت للتعرية والسخرية والتنمر من جسدي، وفي مرة قال لي، أمين شرطة، يقولون إنك آنسة لكن هذا الجسد، جسد امرأة». والكثير من الشهادات تطرقت، وفق التقرير لـ«ممارسات التعذيب التي يستهدف بها مسؤولو الاحتجاز والسجون، إشعار الأفراد بالتهديد الحقيقي بالاغتصاب أو بالقتل، فضلا عن مختلف أشكال الاستغلال ضدهم وضد ذويهم وتعريضهم لمشاهد قتل وتعذيب حقيقية».

التهديد بالأهل

وتوضح إحدى الناجيات: «في مقر الأمن الوطني، أجبرتُ على الوقوف معصوبة العينين لساعات طويلة، أسمع أصوات الصراخ وتعذيب المحتجزين، كنت أسمع أصوات الصراخ وأنا نائمة، تعرضت للتهديد المتواصل باعتقال أهلي واغتصاب أمي لإجباري على الإدلاء باعترافات مزورة، تكرر هذا في كل تحقيق، شهدت حالة قتل داخل مقر الأمن الوطني. كما أعرف فتيات تعرضن للتهديد المتواصل بالاغتصاب وبعضهن تحدثن عن وقوع الاغتصاب بحقهن أثناء الحبس».

غير أن «التعذيب النفسي والجسدي وشهادات الانتحار الحية داخل السجون ومقار الاحتجاز المصرية، أضافت كثيرا من الدروس لحياة الناجين منها لا سيما درس البقاء بالحياة وعدم الانهزام لأفكار الموت» وفق المؤسسة، لكن جميع المشاركين في التقرير، أكدوا على «الحاجة للدعم النفسي والتأهيل الاجتماعي بعد الخروج من السجن».

سجن آخر

إذ إن «واقع المجتمع والاقتصاد وسياسة سلطات الأمن حتى الآن، مفادها أن الخروج من خلف قضبان السجون ومقار الاحتجاز قد يكون خروجا إلى سجن آخر من العزلة والافتقار للأمان المادي والاجتماعي والعيش الكريم، وهو عكس ما يروج له النظام المصري الآن، من خلال الحوار الوطني، الذي يزعم النظام أنه سيؤدي لخروج الآلاف من المعتقلين والمعتقلات من داخل السجون، والأهم تأهيلهم لإعادة إدماجهم في المجتمع وتيسير كل السبل لذلك» حسب التقرير.

محاولات الانتحار

المؤسسة بينت أيضا أن «ظروفا ذاتية، دفعت ثلاثا من الحالات الست التي وثق التقرير شهادتهم، لطرد أفكار الانتحار وإنهاء حياتهم داخل مقار الاحتجاز، منها حالة تعرضت للتعذيب الجسدي والنفسي الشديد في مرحلة الطفولة، وكان موت أحد أبويها مفتاح الحياة الذي لم تفرط به مهما عانت داخل مقار الاحتجاز».

ويقول أحد الناجين: «كان أبي يضربني بإهانة، كان يجبرني على الوقوف على قدم واحدة أحمل سلة قمامة مليئة بالديدان حتى تصل الديدان لجسدي ويضربني إذا خفضت قدمي، طوال حياتي كنت أحمل سكينا تحت مخدتي وأحلم أني أقتله وأدفنه، بعدما مات أمام عيني، جعلتني صدمة موته أفكر بحياتي التي لم أحياها، في السجن كنت ألاقي ما لاقيته في طفولتي على يده، لكني للحظة الأخيرة كنت أقول لنفسي: لا تنهزمي».

رادع ديني

وفي حالة أخرى، «كان الوازع الديني وتجربة السجن الدينية حاجزا بين أحد المشاركين وبين التفكير بالانتحار، وفي أخرى كان حب الحياة يدفع بالضحايا بعيدا إلا أن أنماط التعذيب الجسدي والنفسي، مثلت صدمة نفسية وإنسانية كبرى للقسم الآخر من المشاركين، في أحدها كان الإقصاء والعزلة هو الدافع الأول، وفي أخرى كان الألم الجسدي الذي لا يحتمل، وفي ثالثة كان عجز المشارك عن استيعاب الإهانة وحقيقة حرمانه من الحرية».

كما نقل التقرير عن إحدى الحالات قولها في هذا السياق: «حاولتُ الانتحار في قفص التأديب بسبب الألم الجسدي، الذي لم أستطع احتماله، كنت أعاني الأرق الشديد وهياج بالعين والجسد، عرفت فيما بعد أني كنت مصابا بالفشل الكلوي، لم أكن أقدر على القيام من الأرض أو تحريك جسدي، عجزت عن المشي وانتفخت قدمي، تقيؤ مستمر، وكنت أشعر بحيوان ينهش عظامي، كدت على وشك الجنون لأني عجزت عن إنهاء حياتي لماذا يتركني الله في هذا الحال ولماذا لا أموت، وكنت أتمنى أن يقتلني أحدهم لأرتاح من الألم».

وجاد في الشهادة الثالثة: «كنت أفكر كثيرا، حاولت الانتحار أثناء اختفائي قسريا، كان الدافع لمحاولتي الأولى هو إجبار سلطات الاحتجاز على إخراجي من مقر الاحتجاز حتى استيعاب حقيقة سلبي حريتي ظلما لو صرت جثة هامدة، في المرة الثانية حاولت الانتحار أثناء تعذيبي، تعرضت للتعذيب والضرب وهتك العرض وكنت أرد الإهانة بالإهانة لكن لم أستطع تقبل حقيقة أني ظُلمت وانهارت حياتي بينما يعيش من ظلموني».

وأوصى التقرير، في ختامه «بتجريم كافة أشكال التعذيب النفسي والجسدي داخل السجون ومقار الاحتجاز، لا سيما مقار الأمن الوطني وغرف التأديب والحبس الانفرادي في السجون، وخاصة الواقع منها في مناطق الصعيد، والتي تسبب التأديب فيها بمقتل السجناء بالجوع أو الغرق أو المرض أو الانتحار». كذلك أوصى، «بإعادة تأسيس مفهوم وأدوات وممارسات التأديب، لا سيما داخل سجون الصعيد لتوافق المعايير الدنيا لحقوق الإنسان في الحياة والماء والطعام والكرامة الإنسانية، مع ضرورة توفير الوصول إلى استشاريين نفسيين داخل السجن أو سجناء مؤهلين للتعامل مع ضحايا التنمر أو مستمعين لهم، أو توفير هواتف محمولة للتبليغ عن الاعتداءات، وتيسير تواصل الأسر مع ذويهم وإشراكهم في إدارة عوامل الخطر المفضية للانتحار، وتوفير نقاط أو مراكز الليلة الأولى لدعم السجناء فور وصولهم للسجن ووحدات طبية مؤهلة لمتابعة وعلاج المساجين الذين يتلقون علاجا نفسيا».

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here