التعديل الوزاري في مصر: كثير من الأمن القومي قليل من السياسة

التعديل الوزاري في مصر: كثير من الأمن القومي قليل من السياسة
التعديل الوزاري في مصر: كثير من الأمن القومي قليل من السياسة

أفريقيا برس – مصر. بعد أداء الحكومة المصرية اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي صباح أمس الأربعاء بمقر رئاسة الجمهورية بمصر الجديدة شرق العاصمة القاهرة، سلمت الرئاسة حزمة من التكليفات لرئيس الحكومة مصطفى مدبولي وأعضاء الحكومة الجديدة، وذلك عقب تمرير الموافقة على التعديل الوزاري في مصر بطريقة آلية من مجلس النواب مساء الثلاثاء الماضي، دون شموله تعيين وزير جديد للدفاع، الذي صدر بشأنه قرار منفصل صباح أمس الأربعاء، يتضمن تعيين الفريق أشرف زاهر وزيراً للدفاع والإنتاج الحربي.

وعكست البنود الثمانية للتكليف، الموقع من رئيس الدولة والمنشور على موقع الرئاسة المصرية، تركيزاً كثيفاً على ملفات الأمن القومي والاقتصاد والإنتاج والطاقة، مقابل حضور محدود لملفات السياسة والحريات والمشاركة العامة، التي وردت في صياغات عامة ضمن البندين، السابع والثامن فقط من التكليفات.

تشديد على محاور الأمن والاقتصاد

وبحسب البيان الرئاسي، فإن التكليفات أعادت التشديد على “محاور الأمن القومي والسياسة الخارجية والتنمية الاقتصادية والإنتاج والطاقة والأمن الغذائي، وبناء الإنسان”. وطلبت الرئاسة من 32 وزيراً، منهم نائب لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية و13 وزيراً جديداً، ضمن تشكيل التعديل الوزاري في مصر، إعداد خطة تفصيلية تشمل المستهدفات ومؤشرات الأداء ومدة التنفيذ وآليات التمويل، على أن تكون هذه الخطط محل متابعة مستمرة من مؤسسة الرئاسة.

وحددت التكليفات أولوية قصوى لتحسين الوضع الاقتصادي خلال العام الحالي، مع دخول برنامج صندوق النقد الدولي مراحله الأخيرة، بنهاية عام 2027، والتشديد على ضرورة “تخفيض الدين العام بأفكار جديدة تُدرَس بعناية”. كذلك كلّف الرئيس المجموعة الاقتصادية بزيادة التنسيق بين الوزارات وتعزيز المشاركة مع القطاع الخاص، واستكمال تنفيذ سياسة ملكية الدولة “بشكل ملموس”. وفي خطوة لافتة نصت التكليفات على “ولوج مجالات جديدة لدعم الاقتصاد”، تشمل التقنية والمعادن النادرة وتشجيع الابتكار وتمويل الأبحاث، إلى جانب رفع مستوى التعليم والصحة وتحسين سهولة الحصول على الخدمات العلاجية.

ورغم شمول التكليفات بنداً يتعلق بـ”إعلاء قيم المواطنة والمساواة وعدم التمييز وتشجيع المشاركة في الشأن العام”، رأى كثير من السياسيين وقادة الأحزاب الداعمة للنظام، أن حضور ملف الحريات العامة ظل محدوداً وعمومياً، ولم يتضمن إجراءات محددة أو التزامات واضحة مثل تلك الموجهة للاقتصاد. ونوهوا بما أشار إليه البيان الرئاسي حول “استكمال الاستحقاق الدستوري للمجالس المحلية”، لكنه لم يحدد جدولاً زمنياً لإجرائها، رغم تعطيل قانون المجالس المحلية في البرلمان منذ عام 2015، بالمخالفة لنص دستوري يقضي بإقراره خلال الدورة البرلمانية 2015-2020، الذي ينظم الرقابة الشعبية على أعمال المحافظين وإنفاق المال العام على خطط التنمية المحلية والمشروعات بالمحافظات.

ولفت بيان لحزب الوعي المشارك في البرلمان إلى رفض التعديل الوزاري. واعتبر أن التعديل الوزاري في مصر والترتيب في تكليفاته للحكومة، يعكس توجهاً رسمياً للاستمرار في إعطاء الأولوية للأمن القومي والاقتصاد على حساب السياسة، خصوصاً بعد سنوات من تأجيل الإصلاحات المتعلقة بالمحليات وحرية التنظيم والمشاركة العامة. وأشار على لسان رئيسه وعضو مجلس النواب باسل عادل إلى “غياب رؤية سياسية واضحة، بينما تبحث الأحزاب عن طروحات لدعم مسار إصلاح سياسي جاد”.

انتقادات لطريقة التعامل مع التعديل الوزاري في مصر

وانتقد مدحت خفاجي، القيادي بحزب الوفد، طريقة التعامل مع التعديل الوزاري في مصر ككل، معتبراً أن غياب جلسات الاستماع البرلمانية لأعضاء الحكومة الجدد والاكتفاء بوضع نقاط عامة حول تكليفات الحكومة، يعكس “طبيعة النظام السلطوي”. وقال، في تصريح لـ”العربي الجديد” إنه “في النظام الديمقراطي يتم عمل جلسات استماع لكل مرشح للوزارة في البرلمان، أما في نظام الحكم السلطوي فيُعرَض التعديل الوزاري كله للموافقة في دقائق دون جلسات استماع، وبذلك يصل الفاسدون إلى الحكم فتنهار الدولة أو الخدمات للمواطن”.

في المقابل، عبّر نواب داعمون للسلطة عن رؤية مختلفة تماماً. وفي تصريح لـ”العربي الجديد”، أشاد النائب أحمد إسماعيل صبرة بالتكليفات، مؤكداً تقديره للسياسات الاقتصادية والصناعية التي وضعها التكليف الرئاسي للحكومة، والتي تشمل تعزيز التعاون بين البرلمان والحكومة والقطاع الخاص. وقال صبرة إن “المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز التعاون البناء، بما يسهم في تحقيق التنمية الشاملة وزيادة الإنتاج وتعزيز الصادرات”، مشدداً على أن “الدعم المتواصل للشراكة بين كل الأطراف هو الطريق الأمثل لتعزيز التنمية وخلق فرص عمل وضمان مستقبل أفضل لمصر”.

وتأتي كلمات صبرة ضمن حالة عامة بين نواب حزبي مستقبل مصر والجبهة الديمقراطية المشكلة للحكومة، وبعض أحزاب “الموالاة” التي تضامنت مع الحزبين الرئيسيين في خوض معركة الانتخابات البرلمانية في يناير/ كانون الثاني الماضي. في المقابل، علّقت 5 أحزاب معارضة على التعديل الوزاري في مصر وتكليفاته، معتبرة أن استمرار النهج الاقتصادي الحالي – دون تعديل جذري – ينقل أعباء الإصلاحات إلى الطبقتين الفقيرة والمتوسطة. وأكد حزب التجمع، على لسان رئيسه النائب سيد عبد العال، في بيان غاضب نشره في جريدته الرسمية “الأهالي” أمس الأربعاء، أن استمرار السياسات الاقتصادية التي تتخذها حكومة مدبولي “يوسع من دائرة الفقر والحرمان”، داعياً إلى “إعادة النظر في القوانين المنظمة للحياة السياسية وربط السياسات الاقتصادية برفع مستوى معيشة المواطن”.

وتعكس تصريحات قيادات الأحزاب المعارضة إدراكاً متزايداً بأن غياب إصلاحات سياسية موازية قد يحد من فعالية الإصلاح الاقتصادي نفسه، خصوصاً في ما يتعلق بقدرة المواطنين على تحمّل موجات الغلاء وتبعات إعادة هيكلة الدعم وزيادة الضرائب، التي يفرضها البرلمان وفق آلية التصويت التي تطلبها الحكومة، بما لديها من قدرة على تحريك نواب الأغلبية نحو السياسات التي تتخذها دون مراعاة لمخاطرها على المواطنين.

ووصف محللون التكليفات الجديدة بأنها تبدو استمراراً لمسار السنوات الماضية، حيث تركز على تعزيز الأمن القومي وزيادة الإنتاج وتحسين المؤشرات الاقتصادية، مع التعامل الحذر مع ملف السياسة، مشيرين إلى أن الجديد في تكليفات الوزراء لهجة مطالبتهم بـ”التنفيذ الصارم”، عبر خطط مفصلة ومؤشرات أداء ومتابعة مباشرة من الرئاسة، إضافة إلى اهتمام متزايد بمجالات استراتيجية مثل المعادن النادرة والتقنية، مؤكدين أن تنفيذ هذه التكليفات سيظل مرهوناً بقدرة الحكومة على تحقيق توازن بين الإصلاح الاقتصادي والضمانات الاجتماعية، وفتح هامش أكبر للمشاركة العامة بما يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here