تامر هنداوي
أفريقيا برس – مصر. الفئات المجتمعية المهمشة في مصر أكثر قابلية للوقوع في دائرة الاشتباه الجنائي، والإدانة لاحقا، حسب «الجبهة المصرية لحقوق الإنسان». وفيما أشارت إلى ثغرات قانونية تسمح بذلك، استعرضت في تقرير حمل عنوان «المنبوذون والمنسيون في السجون المصرية: الجنائيون كنموذج» الأوضاع المعيشية والحياتية التي يختبرها الجنائيون في مقرات الاحتجاز المصرية والخروقات القانونية التي تُرتكب ضدهم منذ لحظة الاشتباه وصولا لمرحلة قضاء العقوبات في هذه المقار.
واعتبرت أن هناك منظومة انتهاك مصممة للجنائيين بالأساس، قد تطال غير الجنائيين في لحظات بعينها، لكنها تبقي الاستثناء ويتم توظيف بعض الأدوات منها بشكل انتقائي ضدهم.
ولفتت إلى أن «المحددات الاجتماعية والاقتصادية تلعب دورا في تحديد أوضاع الجنائيين المعيشي، وتجيب عن سؤال إمكانية الحصول على بعض الحقوق من عدمه، وتؤثر في النهاية على فرص دمج هذه الفئات اجتماعيا بعد تنفيذ عقوباتهم».
وتضغط هذه المحددات على البعض من الجنائيين لـ«الارتباط بشكل أكبر بعالم الجريمة والمخالفات الجنائية في المستقبل، وهو الأمر الذي يضغط بالتبعية على مرفق العدالة ومقار الاحتجاز دون نهاية».
واعتمد التقرير على مقابلات شخصية مع 12 مشاركا في البحث، والذين تنوعت خبراتهم بين قضاء عقوبات في السجون على خلفية اتهامات جنائية أو من العاملين في الحقل القانوني ذوي الخبرة والإطلاع، أو ذوي متهمين في قضايا جنائية.
وتركزت خبرات المشاركين في الأساس على السنوات السبع الماضية (2012 ـ 2020) مع تنوع أماكن قضاء عقوباتهم بين السجون العمومية والمركزية في نطاق القاهرة الكبرى والمحافظات الأخرى.
وغلب على العينة التي تناولها التقرير المكون الرجالي بواقع 10 مشاركين من الرجال، في مقابل ثلاث مشاركات لسيدات.
الفئات المهمشة
وتناول التقرير قانون الإجراءات الجنائية الذي ينظم العمل الشرطي في تحديد وملاحقة المتهمين جنائيا، والذي يحمل «العديد من الثغرات القانونية التي تجعل من الفئات المجتمعية المهمشة أكثر قابلية للوقوع في دائرة الاشتباه الجنائي، والإدانة لاحقا، دون أن تكون هناك رقابة أو مراجعة لأسلوب العمل المتبع في توقيفهم».
وحسب التقرير «تتضمن دورة حياة المتهم جنائيا نمطا مشابها ومتكررا في مختلف الحالات الجنائية، حيث الاشتباه اليومي لأقسام الشرطة، في الأحياء السكنية، خاصة الفقيرة والمهمشة والشعبية، حيث يتم توقيف الشخص واصطحابه للقسم للفحص والاستجواب دون أن يكون متلبسا بجرم أو مخالفة بعينها، أو قد يتم رصده بوشاية عن مخالفة ما بأثر رجعي».
ثم تأتي مرحلة لاحقة في أقسام الشرطة حيث «يتم تكييف حالة الاتهام الموجه للمشتبه به تبعا لتتبع صحيفته الجنائية، وفحص خلفيته التعليمية والعائلية، إضافة لفحص وتفتيش متعلقاته ومظهره الخارجي ما يسمح بتكييف حالة تلبس مناسبة تبدو أقرب للصحة وأكثر قابلية للصمود عند تتابع مراحل التقاضي».
وتبعا للتقرير «توفر المناطق والأحياء الشعبية المأهولة بالطبقات الدنيا والمهمشة بيئة مناسبة لتغذية دائرة العمل الجنائي الرسمي لأقسام الشرطة، التي تستفيد بالتبعية من قلة الوعي القانوني لدى هذه الفئات، وكذلك ضعف تحصيلها التعليمي والجامعي ما يجعلها أكثر ملاءمة لدائرة الاشتباه وتكييف الاتهامات في قسم الشرطة».
كما أنها تكون «فئات أكثر قابلية لغياب الشبكات الاجتماعية الداعمة من عائلة وأصدقاء التي يمكن لها تتبع وملاحقة ذويها مع دخولهم دائرة الاشتباه وبالتبعية قلة فرص التبرئة وإخلاء السبيل قضائيا لاحقا».
مقرات الشرطة
والاحتجاز في قسم الشرطة أول محطة في رحلة المشتبه به جنائيا، التي قد تنتهي به في السجن، وإلى أقسى مراحل الاحتجاز والاشتباه، بسبب جملة من العوامل، منها «غياب التنظيم القانوني واللائحي لهذه المرحلة، ومعيشة المحتجز فيها وحقوقه، وكذلك طبيعة الأقسام وبنيتها التحتية وظروف المعيشة الفعلية فيها، وطبيعة العلاقات المهيمنة على إدارة الأقسام، وأسلوب ومنهج تكييف الاتهامات وإنجاز أوراق الاتهام الرسمية من جانب مأمور الضبط القضائي» حسب التقرير. ويشترك الجنائيون مع غيرهم من المحتجزين في أقسام الشرطة في «شق المعاناة من البنية التحتية» كما أن «المجيء للقسم في تهمة جنائية يعني ترك الجنائي وحيدا للعلاقات والشبكات الزبائنية داخل الأقسام التي يديرها محترفو الجريمة».
وتحدث التقرير عن طبيعة البنية التحتية للأقسام، وكيف أن الأقسام تعد مقرات غير صالحة أو مهيأة لبقاء المحتجزين لوقت طويل بالنظر إلى تصميم غالبية الأقسام الهندسية وطاقتها الاستيعابية، التي تجعل منها أقرب لمكاتب إنجاز مصالح المواطنين وقيام مأموري الضبط القضائي في القسم بأعمالهم، في مقابل تخصيص غرف صغيرة معزولة لحجز المتهمين.
غرف حجز غير صالحة
وقد تكررت أوصاف الأقسام وغرف الاحتجاز من جانب العديد من المشاركين في التقرير، باعتبارها غرفا لا يتوفر فيها صرف صحي مناسب وحديث، وفي حال توفر بعض دورات المياه داخل غرف الحجز، فهي بأي حال لا تتجاوز دورة مياه واحدة لخدمة أعداد تصل للمئات.
كذلك يغيب الفصل في حجز الأقسام بين المحتجزين على أساس السن، حيث يتضمن التقرير شهادات عن الخلط بين الأحداث وبين المتهمين في سن الرشد القانوني، ما يجعلهم أكثر عرضة للانتهاك الجسدي أو التجنيد لصفوف الجريمة المنظمة.
وتتنوع الانتهاكات الأساسية داخل الأقسام التي يتعرض لها المتهمون في قضايا جنائية، بين التعذيب بالضرب أو الصعق بالكهرباء والتعرية من الملابس والانتهاك الجنسي، والتعليق في السقف وتناوب الضرب على المتهم، للحصول على إقرار بلائحة الاتهام، وذلك خلال فترة قد تمتد لأسابيع، حسب التقرير.
وتناولت الجبهة مرحلة انتقال المتهم من قسم الشرطة إلى السجن، ولفتت إلى أن أبرز الممارسات التي يتعرض لها الجنائيون عند وصولهم باب السجن، هي ما تعرف باسم «التشريفة» وهي الاعتداء بالضرب على المتهم فور وصوله إلى السجن، وقد تمتد لساعات.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر اليوم عبر موقع أفريقيا برس





