أفريقيا برس – مصر. يرى خبير الأمن الإقليمي اللواء محمد عبد الواحد أن أزمة سد النهضة تتخطى الخلاف الفني لتصبح صراعا جيوسياسيا تقف خلفه أمريكا وإسرائيل لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
تتجاوز أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا حدود الخلاف الفني حول سنوات الملء والتشغيل، لتكشف عن صراع جيوسياسي عميق يعيد رسم موازين القوى في شرق أفريقيا والبحر الأحمر، ويحول النهر من مصدر حياة إلى أداة ضغط ونفوذ في يد قوى إقليمية ودولية تتشابك مصالحها على حساب دول المصب، كما يؤكد خبير الأمن الإقليمي والعلاقات الدولية اللواء محمد عبد الواحد.
وأوضح عبد الواحد أن النيل استُخدم سلاحا ضاغطا منذ الحروب الصليبية، حين أوصى بابا الفاتيكان أباطرة إثيوبيا بتوظيف المياه أداة لإضعاف مصر، مرورا بمحاولات الاستعمار تغيير مجرى النيل في القرن الخامس عشر، وصولا إلى توظيف أمريكا موضوع المياه إبان الحرب الباردة بعد أن أغضبها ميل مصر نحو الاتحاد السوفياتي.
وقال الخبير الأمني خلال برنامج “موازين “، إن الأزمة الحقيقية للمياه سبقت الإعلان الرسمي عن قيام سد النهضة عام 2011، إذ تعود جذورها إلى مبادرة حوض النيل عام 1998، حين بدأت إثيوبيا تطرح لأول مرة موضوع إعادة توزيع حصص المياه ورفض الاتفاقية التاريخية الموقعة عام 1959.
وأضاف أن إثيوبيا استغلت الفرصة لتحريض دول حوض نهر النيل ضد مصر، قبل أن تعلن وضع حجر الأساس لسد النهضة في أبريل/نيسان 2011، في توقيت متعمد استغل حالة الاضطراب السياسي التي تعيشها مصر في أعقاب ثورة يناير 2011.
ولفت عبد الواحد إلى أن خطورة السد لا تتوقف عند الأبعاد السياسية، بل تمتد إلى مخاوف هندسية جدية، إذ رصدت الأقمار الصناعية تسرب أكثر من 44 مليار متر مكعب من المياه داخل الأرض نتيجة انشقاقات في التربة البركانية التي يقوم عليها السد.
وتكشف صور الأقمار الصناعية كما يوضح الخبير الأمني أن الخزان الفعلي لا يتجاوز 48 مليار متر مكعب بدلا من الـ74 مليارا المفترض تخزينها وفقا للجانب الإثيوبي، في حين لم تقدم إثيوبيا حتى الآن إجابات وافية على الاستفسارات الفنية التي طرحها الجانب المصري منذ عام 2018.
وتتفاقم المخاوف -وفقا لعبد الواحد- بسبب وجود “سد السرج الركامي ” الذي يبلغ طوله 5 كيلومترات والمعرض هو الآخر لتسريب المياه، فضلا عن وجود الزلازل المتكررة في المنطقة.
الأبعاد الدولية
وفيما يتعلق بالأبعاد الدولية، حمل اللواء محمد عبد الواحد كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل المسؤولية المباشرة في دعم مشروع سد النهضة الإثيوبي، مشيرا إلى أن إسرائيل تقدم خدمات استخباراتية وزراعية وتقنية لإثيوبيا، وأنها تتبنى إستراتيجية “المجال الحيوي” التي تستهدف إبقاء دول الجوار العربي في حالة ضعف دائم.
وربط بين السيطرة الإسرائيلية على منابع الأنهار في سوريا ولبنان وفلسطين من جهة، والدعم الإثيوبي للسيطرة على منابع النيل من جهة أخرى، معتبرا هذين المسارين وجهين لإستراتيجية واحدة تسعى إلى تحويل الموارد المائية إلى أدوات هيمنة إقليمية.
غير أن عبد الواحد أشار في المقابل إلى أن مصر لم تقف مكتوفة الأيدي، بل عملت على بناء شبكة علاقات دفاعية وتنموية مع دول حوض النيل وشرق أفريقيا، من أوغندا ورواندا وبوروندي وصولا إلى الصومال وإريتريا.
كما طورت على الصعيد الداخلي منظومة بدائل مائية تشمل تبطين الترع وتحلية المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي، مؤكدا أن مصر تتعامل بحكمة واعية مع ثقل الملفات المحيطة بها من ليبيا إلى سيناء إلى السودان.
لكن الخبير الأمني أكد أن خيار المواجهة العسكرية يبقى مطروحا إذا أقدمت إثيوبيا على عمل عدائي مباشر كفتح بوابات السد بصورة متعمدة، وحذر من أن الفوضى في هذا “الإقليم الهش” ستكون كارثة متعددة الأوجه تطال الملاحة الدولية وأسواق النفط والاقتصاد العالمي، وهو ما لا يصب في مصلحة أحد.





