رسوم التقاضي تسبب أزمة بين نقابة المحامين والسلطة القضائية

رسوم التقاضي تسبب أزمة بين نقابة المحامين والسلطة القضائية
رسوم التقاضي تسبب أزمة بين نقابة المحامين والسلطة القضائية

أفريقيا برس – مصر. أثار قرار مجلس رؤساء محاكم الاستئناف الأخير بتخفيض رسوم التقاضي في مصر بعد يومين من احتجاجات نقابة المحامين، جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية والسياسية، إذ رآه البعض استجابة مؤقتة لغضب المحامين، فيما اعتبره آخرون دليلاً على ارتباك وتخبط في إدارة الملف القضائي، ناجم عن قلق من استمرار وتوسع الوقفات الاحتجاجية التي نظمها المحامون في القاهرة وعدد من المحافظات. وعلى الرغم من صدور تعديلات على رسوم التقاضي في مصر شاملة تخفيضها إلى النصف بالنسبة لرسوم محكمة الأسرة والعمال، إلا أن نقابة المحامين برئاسة عبد الحليم علام، واصلت أول من أمس الأربعاء، متابعة تنفيذ قرار الامتناع عن توريد أي رسوم قضائية لخزائن محاكم الاستئناف لمدة ثلاثة أيام بدءاً من الاثنين الماضي، وذلك اعتراضاً على فرض رسوم جديدة تحت مسمى “خدمات مميكنة” (أي عبر الماكنات) بالمخالفة للدستور والقانون، من دون الرجوع للنقابة.

أزمة رسوم التقاضي في مصر

أثار قرار فرض رسوم التقاضي في مصر غضباً واسعاً داخل أوساط المحامين، وانعكس في وقفات متزامنة شهدتها النقابة العامة في القاهرة، والنقابات الفرعية في المحافظات، احتجاجاً على ما اعتبروه مساساً بحق المواطنين في التقاضي. وتضامن عدد من الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني مع موقف النقابة، معتبرين أن الأزمة تمس جوهر العدالة، لا فئة المحامين فقط. ونظمت نقابة المحامين، الأحد الماضي، وقفات احتجاجية أمام المحاكم الابتدائية في عدد من المحافظات، شارك فيها الآلاف من المحامين، الذين طالبوا بإلغاء رسوم التقاضي في مصر التي اعتبروها غير دستورية، لكونها لم تصدر بناء على قانون، وتمثل عبئاً إضافياً على المتقاضين.

وقررت النقابة الامتناع عن توريد أي مبالغ مالية إلى محاكم الاستئناف لمدة ثلاثة أيام، كخطوة تصعيدية، في وقت يستمر فيه الحوار المتعثر مع وزارة العدل. في مارس/آذار الماضي، أصدر مجلس رؤساء محاكم الاستئناف قراراً بفرض رسوم جديدة على الخدمات القضائية، شملت زيادات كبيرة في رسوم رفع الدعاوى، والحوافظ، والدمغات، والإعلانات، مما أثار استياءً واسعاً بين المحامين والمتقاضين. واعتبرت نقابة المحامين هذه الزيادات عبئاً إضافياً على المواطنين، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.

بدوره، قال نائب رئيس محكمة النقض السابق، محمد ناجي دربالة، إن قرار رئيس محكمة استئناف القاهرة (محمد نصر) برفع رسوم التقاضي في مصر مخالف للدستور والقانون، لكونه غير مخول باستصدار مثل هذه التعليمات التي توجه ضربة قوية لحق المصريين جميعاً، بفقرائهم وأغنيائهم، في اللجوء إلى قاضيهم. وستجبر هذه الرسوم غير المنطقية قطاعاً واسعاً من المصريين على عدم اللجوء إلى القضاء كونهم غير قادرين على الوفاء بالرسوم، مما يتسبب في ضياع الكثير من الحقوق. وأوضح دربالة أن رئيس محكمة استئناف القاهرة ارتكب ثلاثة أخطاء، إذ اتخذ هذا القرار من دون العودة إلى وزير العدل، فتجاوز رئيس المحكمة صلاحياته وتغول على دور مجلس النواب المخول وحده بفرض رسوم بقانون.

ورأى أن أخطاء رئيس محكمة استئناف القاهرة امتدت لتوجيه ضربة قاضية إلى قاعدة المساواة بين جميع أبناء الشعب المصري، إذ يفرق هذا القرار بين الغني والفقير ويجعل رسوم التقاضي في مصر حكراً على الأغنياء فقط، بشكل يسهم في تضييع حقوق ملايين المصريين غير القادرين، وفقاً لهذه التعليمات، على الوفاء بهذه الرسوم. وأضاف دربالة: “ثالث أخطاء رئيس محكمة استئناف القاهرة، عدم العودة للمحامين أو النقابة أو طرح الأمر للحوار المجتمعي، باعتباره يمس حقاً مقدساً لجميع المصريين”. ودعا دربالة جموع المحامين لمواجهة رسوم التقاضي في مصر بكل السبل، بما فيها اللجوء إلى مجلس الدولة لإلغاء هذا القرار الإداري غير القانوني، مشيراً إلى أن الرسوم الأخيرة حلقة في مسلسل تقييد حق المصريين في التقاضي، إذ رغب البعض منذ سنوات في تشكيل لجان عليا في كل المحاكم لوضع قيود على التقاضي، وهي المحاولة التي باءت بالفشل بعد إلغاء مجلس الدولة لها.

ضرورة إعادة النظر بالقرار

من ناحيته، قال عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، محمد أنور السادات، إن قرار فرض رسوم جديدة على خدمات التقاضي، أثار تحفظات واسعة، ليس فقط داخل الأوساط المهنية بل أيضاً لدى المجلس القومي لحقوق الإنسان وعدد من الأحزاب السياسية. وأوضح السادات، أن المجلس القومي أبلغ وزارة العدل ورئيس مجلس النواب بضرورة إعادة النظر في القرار، مؤكداً أن “مثل هذه الرسوم لم تصدر بتشريع واضح، ما يجعلها عبئاً إضافياً على المواطنين، ويُقوّض الحق الدستوري في التقاضي”.

وأكد أن “المواقف الرافضة لهذه القرارات لا تقتصر على المحامين وحدهم، بل تشمل طيفاً واسعاً من القوى السياسية والنقابات المهنية”. وأضاف السادات: “نرى أن فرض رسوم التقاضي في مصر بهذه الطريقة، كما يفعل أحياناً بعض المحافظين مقابل تقديم خدمات معينة، يزيد من الضغوط على المواطنين في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة وارتفاع متواصل في الأسعار”.

من جانبه، رأى عضو مجلس النقابة العامة للمحامين، أشرف عبد الغني، أن جموع المحامين ونقابتهم على قدم وساق لمواجهة هذه الرسوم الجائرة التي تجعل التقاضي لمن استطاع إليه سبيلًا. ولفت إلى أن نقابة المحامين أخذت على عاتقها، منذ اليوم الأول لصدور هذه الرسوم غير القانونية، اتخاذ خطوات تصعيد تدريجية ضدها، بدءاً من الوقفات الاحتجاجية ومقاطعة خزينة محكمة الاستئناف، مروراً بعدم الحضور أمام الجنايات، وصولاً للإضراب العام أمام جميع أنواع المحاكم.

وحول عدم إقامة نقابة المحامين دعوى قضائية ضد هذه الرسوم، قال عبد الغني: “لو أقامت النقابة هذه الدعوى فسيرفضها القضاء الإداري، والذي سيتذرع بعدم الاختصاص الولائي لنظر مثل هذه القرارات القضائية، رغم أن القرار إداري في المقام الأول”. ولفت إلى أن المحامين بصفة شخصية أو جماعية هم من يملكون، أفراداً أو متضامنين، إقامة هذه الدعوى للطعن في قرار إداري حال إجبارهم على دفع هذه الرسوم. وانتقد عبد الغني “ضرب رئيس محكمة استئناف القاهرة بالدستور والقانون عرض الحائط”، رافضاً ما وصفها بـ”الذرائع” التي ساقها رئيس محكمة استئناف القاهرة بعدم حصول المحكمة على أي دعم من وزارة العدل، متسائلاً: “هل يسعى لتمويل نفقات المحكمة من جيوب المواطنين؟”. وشدّد عبد الغني على أن وزير العدل عدنان فنجري، ليس بعيداً عن فرض هذه الرسوم غير القانونية وغير الدستورية، فلا يمكن لرئيس الاستئناف اتخاذ هذا القرار الذي سيدر ملايين الجنيهات من جيوب المصريين الفقراء على الوزارة والمحكمة.

بالون اختبار

في السياق، اعتبر المحامي أحمد أبو العلا ماضي، أن إصدار رئيس محكمة استئناف القاهرة قراراً منفرداً برفع قيمة رسوم الخدمات القضائية من دون محاكم الاستئناف الأخرى، هو “بالون اختبار”، فإذا نجحوا في تمريرها يتم تنفيذها على محاكم الاستئناف السبع، وإذا وجدت معارضة يمكن التراجع عنها. واعتبر ماضي أن ما تردد عن قرار رؤساء الاستئناف بتحديد حد أقصى للرسوم بـ500 جنيه (نحو 10 دولارات) مجرد محاولة للرضوخ لغضب المحامين واحتجاجهم على هذه الرسوم غير المقبولة جملة وتفصيلاً. وشدّد على أن هذا التراجع غير قانوني، لأن الأمر يتطلب العودة إلى البرلمان لإصدار قانون يحدد هذه الرسوم، من أجل قطع الطريق أمام أي محاولات للمناورة.

كذلك، رأى المحامي أحمد طه أن هذه الرسوم تشكل طعنة قوية لحق المصريين جميعاً في التقاضي، وتجعله حصراً على شريحة ضيقة جداً من المصريين. وأضاف: “وفقاً للرسوم، فقد أُجبر محامٍ زميل على دفع 7000 جنيه (نحو 137 دولاراً) لإقامة دعوى قضائية، وهو أمر تنفرد به مصر دون جميع دول العالم”. وتابع: “التقاضي حق مقدس، والقضاء هو السبيل المهم لاستعادة الحقوق”، معتبراً رسوم التقاضي في مصر رسالة سيئة جداً لكل المصريين بعدم اللجوء إلى قاضيهم الطبيعي لاستعادة حقوقهم، بشكل يقودنا إلى الفوضى وشريعة الغاب. وتساءل: “كيف تم اتخاذ هذا القرار المخالف للدستور والقانون، خصوصاً أنه يشكل صورة من صور الجباية من جيوب الفقراء؟”، مشدداً على أن المحامين لن يتركوا فرصة قانونية وسلمية لإلغاء هذه الرسوم الجائرة بشكل سريع، صيانةً لحق المصريين جميعاً في التقاضي.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here