أفريقيا برس – مصر. كشف اللواء طارق المهدي، محافظ الإسكندرية الأسبق، وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة الأسبق، عن الخاسر الأكبر في حرب إيران، والسيناريوهات المتوقع أن يشهدها الشرق الأوسط بعد الحرب.
وقال “المهدي” في حواره مع مصراوي إن الخاسر في الحرب الإقليمية الحالية حتى الآن هو الولايات المتحدة، حيث استطاعت إيران، بتضافر شعبها ووحدة جيشها، أن تكسر وتحطم مخطط الإدارات الأمريكية الهادف إلى إسقاط بلادهم ودفعهم للرضوخ تحت الوصاية الأمريكية.
وأشار المهدي إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أخطأت في تقديراتها لاندلاع الحرب، وأغفلت أن الشعب الإيراني صاحب حضارة وتاريخ، ولا يمكن النيل من إرادته بسهولة.. وإلى نص الحوار:
الحرب الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية الجارية، التي بدأت خلال الأسابيع الماضية، تعد من أعقد الحروب التي شهدتها المنطقة، كونها تخلط بين كونها دينية وسياسية.
ففي بداية الحرب أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن هدف الحرب هو إسقاط النظام الإيراني لوضع طهران تحت المظلة الأمريكية وإيقاف نشاط برنامجها النووي، لكنه تغافل أن تركيبة المجتمع الإيراني المتلاحم ترفض كل الرفض الوجود الأمريكي بقراره الداخلي، والذي يؤكد ذلك صموده أمام العقوبات الأمريكية المفروضة لأكثر من 45 عامًا.
فالإدارة الأمريكية لم تأخذ في اعتبارها أي دراسة تجاه طبيعة المجتمع الإيراني صاحب التاريخ والحضارة الممتدة لآلاف السنين، والذي لا يمكن فرض أي نوع من الوصاية أو الأوامر عليه، وذلك فضلًا عن تعداد سكانه الذي يتجاوز 90 مليون نسمة، الأمر الذي يؤكد العبثية الأمريكية في تقديرات تداعيات الحرب قبل اندلاعها.
كما اعتمد ترامب على خلق ضجة إعلامية وشو إعلامي يوحي بانتصاره، وظهر ذلك حين نجحت عملية اغتيال المرشد الإيراني علي الخامنئي والقادة العسكريين الإيرانيين بالضربات الأمريكية، حيث اعتبرها انتصارًا، وظهر ليعلن أن لديه بدائل لنظام الحكم في طهران، ليظهر رد الفعل الإيراني المتمثل في إطلاق الصواريخ الباليستية على كافة القواعد الأمريكية بدول الخليج، بجانب إسرائيل باعتبارها الحليف الأكبر للولايات المتحدة الأمريكية، وإغلاق مضيق هرمز من قبل الجيش الإيراني، مما سبب حالة ارتباك في أسواق النفط العالمية. وهنا اسمح لي أن أثمن موقف دول الخليج من عدم الرد على الضربات الإيرانية والدخول في خطوط القتال.
أحيي وأشيد بموقف دول الخليج في عدم الرد على الضربات الإيرانية، لأن ذلك كان سيصنع حربًا إقليمية داخل المنطقة، والتي قد تتحول إلى حرب عالمية بين كافة موازين القوى العالمية، نظرًا لقدرة إيران على فرض سيطرتها على مضيق هرمز وباب المندب، اللذين يعدان شريان تجارة حركة النفط العالمية.
بكل تأكيد “لا”، لأن إيران ليست دولة هينة بالشكل الذي تتصوره الإدارة الأمريكية الحالية. وأذكر أن المرشد الراحل أعلن في وقت سابق عن امتلاك إيران لجيش استشهادي أطلق عليه “جيش الجنة”، والذي يتحرك من خلال عناصر انتحارية تستهدف السفارات الأمريكية والعواصم الأوروبية، معتمدًا على التركيبة الإيديولوجية للشعب الإيراني القائمة على النصر أو الشهادة.
فكرة إنزال بري للقوات الأمريكية تعد ضمن الأفكار غير الواردة، وحال تطبيقها ستكون نهاية الغطرسة والهيمنة الأمريكية نظرًا للطبيعة الجغرافية والتكتل الصلب الذي يسيطر على وحدة الشعب الإيراني. كما أن تنفيذها سيكون له تداعيات مالية كبيرة على الولايات المتحدة، ولن يستطيع الداخل الأمريكي تحملها.
أغلب التغطيات الإعلامية لاحظت أنها يشوبها حالة من “الدعارة السياسية”، حيث أن الحديث يركز على غلق إيران لمضيق هرمز وخنق حركة الملاحة البحرية، دون الإشارة إلى سبب الغلق أو دوافع إيران، خاصة أن من أشعل فتيلة الحرب هما الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
مشروع الشرق الأوسط الجديد وضعته الإدارة الأمريكية منذ عقود، حيث تصورت كوندوليزا رايس، مستشارة الدفاع والأمن القومي الأمريكي، أن الشرق الأوسط سوق تجاري لابد من إحكام السيطرة عليه من خلال مندوبين ووكلاء للولايات المتحدة بقيادة إسرائيل، وذلك صعب الحدوث من الأساس نظرًا لطبيعة القومية العربية التي تسيطر على المجتمع العربي بأكمله وترفض الهيمنة الصهيونية–الأمريكية على أي قرار يمسه. وأؤكد أنه يجب مواجهة كافة الترويجات المتعلقة بمشروع الشرق الأوسط الجديد من خلال حملات إعلامية قوية، تعزز الوعي الوطني والعربي وتبرز مخاطر الفرقة والانقسام على مجتمعنا.
من المؤكد أن ذلك سيصدر إشعاعات تؤثر سلبًا على دول المنطقة بأكملها، وربما لو زادت حدة الانفجار تكون نهاية العالم، وفي تقديري أستبعد أن يصل التصعيد لهذا الحد.
لا يوجد أدنى شك في أن الحرب الحالية استنزفت القدرات العسكرية لكافة الأطراف. فالأمريكيون لن يتحملوا تداعيات التصعيد المالية، والإسرائيليون انهارت قبتهم الحديدية وتراجعت قدرات سلاح الدفاع الجوي. الآن كافة الأطراف تبحث سبل الخروج من الأزمة، فضلًا عن كونها عبئًا على الخارطة الاقتصادية العالمية.
الصواريخ الباليستية عبارة عن صاروخ يُطلق خارج الغلاف الجوي ثم يعود للداخل تجاه هدفه، وينقسم إلى نوعين: العنقودي، وهو عبارة عن قنابل صغيرة، والنوع الثاني “الانشطاري”، وهو عبارة عن أربعة صواريخ في صاروخ واحد ينشطر في الجو. قدراته على التدمير ليست كبيرة، لكن الانتشار الكبير له يسبب خسائر وإتلافات كبيرة.
بصرف النظر عن الحرب الحالية، التعاون مع السعودية وتركيا وباكستان يمثل رسالة وعي لشعوب المنطقة بأهمية التضافر والتكاتف للحفاظ على التوازن الإقليمي والحدود الجغرافية، خاصة في ظل الحديث عن شرق أوسط جديد.
أعتقد أن الدور الرئيسي سيكون للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالجميع يريد أن يخرج من الحرب منتصرًا أمام العالم حتى لا يخسر وضعه الدولي بين مختلف الدول.
أعتقد أن المنطقة ستشهد تكتلات للقوى الإقليمية تهدف لإفشال مخطط مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي تزعم أمريكا تنفيذه لفرض السيطرة الصهيونية–الأمريكية بمساعدة إسرائيل. وأؤكد أن مصر قادرة على ردع المخطط، كونها دولة تمتلك أقوى الجيوش، وشعبها صاحب حضارة تمتد لآلاف السنين يصعب كسر إرادته أو فرض قرار عليه بدون رضاه.
وحال فوز إيران بالحرب، ستشهد المنطقة تحالفات وتعاونًا بين دولها في كافة المجالات، ليحرص الجميع على حفظ وضعه الإقليمي.
أعتقد أن ذلك سيكون أفضل حال للعالم بأكمله، حيث سيكون كل طرف من أطراف الحرب حافظًا على توازنه الإقليمي، ربما تكون إيران هي صاحبة الفوز النسبي، كونها استطاعت الصمود ضد الولايات المتحدة وكسر إرادتها، ويظهر ذلك بعدم تحقيق أهداف الحرب المتمثلة في ردع إرادة الشعب الإيراني والدولة الإيرانية رغم اغتيال قادتها، مع التحفظ بخسائرها الاقتصادية الناتجة عن الهجمات الصاروخية.
دول روسيا وكوريا والصين وباكستان دعمت إيران بالفعل خلال الحرب الحالية، لكنه كان دعمًا لوجستيًا من خلال تقديم معلومات استخباراتية وتطور تكنولوجي وسيبراني.
دخول جماعة الحوثي في الحرب مؤخرًا يعد كرتًا ضمن الكروت الإيرانية المستخدمة في الحرب، وأتوقع غلقهم لمضيق باب المندب حال ارتفاع وتيرة التصعيد، مما يترتب عليه تداعيات اقتصادية كبيرة.
عملية خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو موروس التي نفذتها الولايات المتحدة مؤخرًا كانت حافزًا قويًا لترامب في تنفيذ عمليات مماثلة، حيث ظن أنه يمكن تكرار عملية الخطف في طهران، متغافلًا عن تاريخ الشعب الإيراني صاحب الحضارة والتاريخ والمعروف بعزيمته القوية.
لو شاركت إيران بقصف تل أبيب في حرب غزة، كانت ستقع فريسة لأمريكا وإسرائيل، باعتبارها من بدأ الاعتداء ولن يقف معها العالم أو تحظى بأي تعاطف شعبي. لكنها شاركت بشكل غير مباشر، والمتمثل في ضربات الحوثيين على تل أبيب ودعم حزب الله.
في رأيي الشخصي، ما حدث لدول العدوان الثلاثي على مصر (فرنسا وإنجلترا وإسرائيل) في عام 1956 من ردع وفشل، تكرر مع أمريكا وإسرائيل في حربهم ضد إيران، حيث لم يستطيعوا تحقيق أهداف الحرب، ونجحت إيران وشعبها في كسر شوكة أمريكا ومواجهة الغطرسة الأمريكية، مع مراعاة عدم رد دول الخليج على اعتدائهم.
تحركات مصر كانت منضبطة للغاية، حيث نجحت في المحافظة على خطوط الاتصال مع كافة الأطراف لتكون وجهًا مقبولًا خلال المفاوضات.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر عبر موقع أفريقيا برس





