أرينديغا الليبية… هل تعيد رسم خريطة نفوذ حفتر وحلفائه في فزان؟

أرينديغا الليبية... هل تعيد رسم خريطة نفوذ حفتر وحلفائه في فزان؟
أرينديغا الليبية... هل تعيد رسم خريطة نفوذ حفتر وحلفائه في فزان؟

كريمة ناجي

أفريقيا برس – ليبيا. في الجزء الغربي من صحراء الجنوب الليبي، عادت الرمال تتحرك من جديد انطلاقاً من بوابة أرينديغا، إذ أعلنت غرفة عمليات تحرير الجنوب الليبي سيطرتها الكاملة عليها، مؤكدة تقدمها نحو قاعدة “ألويغ” العسكرية على إثر أسرها 15 جندياً من القوات المسلحة العربية الليبية التي يقودها المشير خليفة حفتر، التي نفت، من جهتها، هذه المعلومات، مشيرة إلى دحرها من وصفتهم بـ”العصابات” وتأمين البوابة.

في سياق متصل حذرت قبائل “التبو” من جر الجنوب إلى دوامة جديدة من الفوضى، محذرة من استغلال اسمها سياسياً أو عسكرياً.

والسؤال: هل يعد هجوم أرينديغا اشتباكاً عابراً أم بداية اختراق في جدار نفوذ حفتر وحلفائه في فزان الغنية بالثروات النفطية والمياه الجوفية والممرات الاستراتيجية؟

تطورات جاءت بالتزامن مع اتفاق قيادات عسكرية من شرق ليبيا وغربها أثناء اجتماع احتضنته مدينة سرت (وسط) على دعم المبادرات التي تصب في خانة توحيد المؤسسة العسكرية وتجاوز الانسداد السياسي في البلد وتنظيم “تمرين تعبوي موحد” بالجنوب، وهي بادرة وصفتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بـ”المهمة لبناء الثقة”.

بيان غرفة عمليات تحرير الجنوب الليبي (الصفحة الرسمية لغرفة تحرير الجنوب الليبي على فيسبوك)

عقدة استراتيجية

في السياق، قال المستشار العسكري السابق للقائد الأعلى للقوات المسلحة الليبية العميد عادل عبدالكافي إن “أرينديغا الحدودية تلعب دوراً محورياً في تأمين الحدود الجنوبية لليبيا مع النيجر من خلال مكافحة الجرائم العابرة للحدود والهجرة غير النظامية وتهريب السلاح والبشر”، مضيفاً أنها “تبعد نحو 500 كيلومتر من قاعدة ألويغ العسكرية التي تشكل أهمية استراتيجية لموسكو وحليفها حفتر، بخاصة أنها تطل على الحدود مع تشاد والنيجر، مما يوفر مراقبة لتحرك العناصر المتطرفة”، ورأى عبدالكافي أن بوابة أرينديغا ستعبد الطريق أمام قوة تحرير الجنوب للسيطرة على “ألويغ” في المدى البعيد، ونوه إلى أن هذا الأمر يعد اختباراً لنفوذ حفتر والفليق الأفريقي الروسي الذي تكبد خسائر في مالي.

وأشار الخبير العسكري إلى أن قوات حفتر ستلجأ إلى الاستعانة بقوة من المعسكر الغربي الليبي لتأمين الحدود الجنوبية ومنع توسع غرفة عمليات تحرير الجنوب باتجاه قاعدة “ألويغ”، بخاصة أن رئيس الأركان العامة بالمنطقة الغربية الفريق أول صلاح النمروش قال في اجتماع بسرت “أية محاولة لاختراق الحدود، لا سيما في الجنوب، تحت أي مسمى، يجب مواجهتها بقوة ومسح المعتدين”.

وتابع عبدالكافي أن القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) تدفع باتجاه تكوين قوة عسكرية مشتركة بين الشرق والغرب الليبي للسيطرة على القواعد الحاضنة للروس لإخراجهم منها، مشيراً إلى أن هذا الأمر صعب التحقيق لأن الفيلق الأفريقي الروسي متمدد في قواعد عسكرية عدة في شرق وجنوب ليبيا والساحل الأفريقي، على غرار مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وحتى في تشاد استطاعت روسيا أن تجد لنفسها موطئ قدم، وأن تنتزع بعض المواقع.

مخطط دولي

مدير مؤسسة “إبدأ” للدراسات عبدالله الغرياني قال، من ناحيته، “إن عمليات أرينديغا تأتي بدعم دولي باعتبار أن حديث المعسكر الغربي في اجتماع سرت على أهمية التصدي لكل مهددات الجنوب يبعد فرضية وقوف أطراف محلية ليبية خلف هذا الهجوم الذي قادته غرفة عمليات تحرير الجنوب بقيادة محمد وردقو”، ووصف الغرياني هذه العملية بـ”العشوائية”، لأن التقدم في بعض البوابات التي لا يوجد فيها استقرار أمني وعسكري على غرار أرينديغا لا جدوى منه، مؤكداً أن القوات المسلحة “قامت بدحر العناصر الخارجة عن القانون وبسطت سيطرتها الكاملة على الموقع، في إشارة إلى جهوزيتها للتعامل مع أية محاولة لاختراق نفوذها في منطقة الجنوب”، وأوضح أن بعض القوى الدولية تقف خلف هذه العملية على غرار النيجر وعدد من الدول الأخرى التي تعودت أن تكون هذه المنطقة منطقة توترات أمنية، وأن تختزل هذه الصحراء في ممرات لتهريب السلاح والمخدرات والهجرة غير النظامية.

ولفت مدير مؤسسة “إبدأ” للدراسات إلى أن هذه الاشتباكات تحدث في كل النقاط الحدودية التي تعاني النزاعات والمشكلات العرقية، “فما بالك بالحدود الجنوبية الليبية التي تعد نافذة على صراع طويل بدايته في مالي وجزء منه في النيجر، إضافة إلى بعض الاضطرابات في تشاد التي تتعاون مع القوات المسلحة لمحاربة هذه المجموعات التي تعتمد بصورة كبيرة على النيجر التي تغض الطرف على هذه المجموعات الخارجة عن القانون”.

اختراق نفوذ

بخصوص الثغرة التي من المحتمل أن تفتحها أرينديغا في جدار نفوذ حفتر وحلفائه الروس في جنوب ليبيا، رأى عميد كلية العلوم السياسية بجامعة “نالوت” إلياس الباروني أنه إذا صحت المعلومات في شأن سيطرة قوات محلية على البوابة المذكورة سلفاً والقريبة من منطقة انتشار عناصر الفيلق الأفريقي الروسي، “فإن الأمر يتجاوز أهمية مجرد السيطرة على نقطة ميدانية، لأنه يمس بإحدى أكثر المناطق حساسية في معادلة النفوذ جنوب ليبيا”، مضيفاً “سياسياً، تمثل منطقة الجنوب أحد أهم مرتكزات قوة حفتر، ليس فقط لاعتبارات عسكرية، بل لأنها تشكل عمقاً استراتيجياً يربط شرق ليبيا بحدود تشاد والنيجر والسودان، وهي منطقة تتداخل فيها المصالح الليبية والإقليمية والدولية، لذلك فإن أي اختراق في هذا الفضاء قد يفسر على أنه اختبار لقدرة القوى المسيطرة في الحفاظ على تماسك نفوذها، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث تحول استراتيجي ما لم يتوسع ويستمر”.

طرق الإمداد

أمنيًا، تكمن أهمية الموقع في قربه من طرق الإمداد والتحركات العسكرية العابرة للحدود، فإذا تعرضت هذه الخطوط للضغط، فقد تضطر الأطراف المسيطرة إلى إعادة توزيع قواتها وتعزيز انتشارها، مما يعكس حساسية الجنوب في الحسابات العسكرية، وفق رأي الباروني.

أما بالنسبة إلى الوجود الروسي، فأكد المتحدث ذاته أن “موسكو تنظر إلى الجنوب الليبي كجزء من شبكة نفوذ أوسع تمتد إلى منطقة الساحل، بما يسمح بتأمين خطوط الحركة والاتصال مع حلفائها في أفريقيا، ومن ثم فإن أي تهديد لهذه الشبكة سيحظى باهتمام يتجاوز الإطار الليبي”، وتابع “أن فقدان موقع أو السيطرة عليه لا يعني تلقائياً انهيار منظومة النفوذ، إذ يتوقف ذلك على قدرة الطرف المسيطر على الاحتفاظ بالموقع، وعلى اتساع نطاق التحرك، وعلى مواقف القبائل والقوى المحلية”.

أبعاد الهجوم

ورأى عميد كلية العلوم السياسية بجامعة “نالوت” أن الصراع في أرينديغا لا يتعلق ببوابة حدودية فقط، بل يمتد لمطامع التحكم في مفاتيح الجنوب الليبي كالنفط والمياه والممرات والثروات المنجمية، بخاصة أن الجنوب أصبح أحد أهم مسارح التنافس الجيوسياسي في شمال أفريقيا.

وختزل الباروني هذا الصراع في أربعة أبعاد رئيسة “أولها البعد الجغرافي والاستراتيجي، باعتبار أن الجنوب الليبي يمثل عقدة ربط بين ليبيا ودول الساحل، بخاصة النيجر وتشاد، ومن يفرض نفوذه عليه يمتلك قدرة أكبر على مراقبة طرق الإمداد والحركة والتجارة العابرة للحدود. وثانيها البعد الاقتصادي، فالجنوب يضم حقولاً ومنشآت نفطية مهمة مثل حقل الشرارة وحقل الفيل، كما يشكل ممراً رئيساً للبنية التحتية المرتبطة بالطاقة، لذلك فإن الهيمنة عليه تمنح أوراق ضغط سياسية واقتصادية مؤثرة، والبعد الثالث يتمثل بتميز المنطقة باتساعها الجغرافي وصعوبة مراقبة حدودها، مما يجعلها ساحة لنشاط شبكات التهريب والجريمة المنظمة، إضافة إلى تحركات الجماعات المسلحة العابرة للحدود، ومن ثم فإن من يسيطر على هذه المنطقة يمتلك هامشاً أكبر للتأثير في الأمن الإقليمي”.

وعلاقة بالبعد الإقليمي قال عميد كلية العلوم السياسية بجامعة “نالوت” إن منطقة الساحل تحولت إلى ساحة تنافس بين قوى دولية وإقليمية، وأصبحت ليبيا، بخاصة جنوبها، جزءاً من هذا المشهد، “ولهذا فإن أي تغير في ميزان القوى هناك يقرأ أيضاً في سياق التنافس على النفوذ في أفريقيا”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here