أفريقيا برس – ليبيا. يشهد الفقر في ليبيا تصاعدًا مقلقًا خلال السنوات الأخيرة، في ظل أزمات متراكمة تشمل الانقسام السياسي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع قيمة الدخل الحقيقي للمواطنين.
ومع تآكل الخدمات الأساسية وارتفاع الأسعار، باتت شرائح واسعة من الليبيين عاجزة عن تلبية احتياجاتها اليومية، ما انعكس بشكل مباشر على الاستقرار الاجتماعي وعمّق الفجوة بين الفئات المختلفة.
انعكاس مباشر
من جهتها، قالت الاختصاصية الاجتماعية عائشة بن يحمد، إن الفقر يعد حالة اقتصادية اجتماعية ناتجة عن نقص الموارد المالية، ما ينعكس بشكل مباشر على قدرة أرباب الأسر على تلبية احتياجاتهم الأساسية، وفي مقدمتها توفير المأكل والملبس، والسكن اللائق، والعلاج، والتعليم الجيد، وغيرها من المتطلبات الضرورية للحياة الكريمة.
وأوضحت في حديثها لـ”سبوتنيك”، أن عدم توفير هذه الاحتياجات قد يترتب عليه آثار نفسية واجتماعية متعددة، من بينها صعوبة تكوين علاقات اجتماعية سليمة، أو التعرض للرفض الاجتماعي من قبل الآخرين بسبب ضعف الدخل، فضلًا عن حدوث تمييز اجتماعي بين أفراد المجتمع.
وأضافت بن يحمد أن من أبرز نتائج الفقر أيضًا ارتفاع حدة الخلافات الزوجية، التي قد تصل في بعض الأحيان إلى الانفصال، أو تدفع أحد الزوجين، أو كليهما، إلى الهجرة بحثًا عن حياة أفضل، في ظل الضغوط العائلية والاجتماعية المتزايدة.
وأشارت إلى أن هذه الضغوط قد تدفع البعض إلى اللجوء إلى طرق غير مشروعة للكسب المادي، خاصة في ظل الضغوط النفسية المتواصلة، ومنها الضغط اللفظي أو المعنوي من الزوجة على الزوج، ما يضعه في حالة من الانكسار ويدفعه إلى سلوكيات خاطئة.
وبيّنت أن الفقر يتسبب كذلك في شعور مستمر بالإحباط والدونية والقلق، نتيجة غياب الاستقرار والخوف الدائم من المستقبل، وانعدام الثقة بالنفس، معتبرةً أن هذه المؤشرات تمثل عوامل خطرة قد تؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب واضطرابات نفسية مختلفة.
وشددت الخبيرة الاجتماعية على ضرورة أن تقوم الدولة بإنشاء فرق ميدانية تضم مختصين اجتماعيين، إلى جانب طبيب زائر محلي، تقوم بزيارات دورية للأسر المحدودة الدخل، بهدف إجراء كشوفات طبية مجانية داخل المنازل، وحصر المشكلات الاجتماعية والنفسية التي تعاني منها هذه العائلات، والعمل على تقديم الدعم النفسي والمادي اللازم لها، خاصة خلال فترات الأعياد والمناسبات الاجتماعية، ومواسم الدراسة، وبما يضمن تقديم هذا الدعم بكل احترام وكرامة.
كما دعت إلى تسهيل ثقافة المشاريع الصغرى لهذه الفئات، بما يكفل لهم العيش الكريم، ويسهم في اكتشاف وتنمية المواهب الصاعدة، من خلال التدريب والتطوير، وتزويدهم بالمعلومات الحديثة في مختلف المجالات، إلى جانب تعزيز القناعة لديهم، وتكريمهم بشكل خاص في المدارس ومؤسسات العمل، دعمًا لروح الإنجاز وتحفيزًا على الاستمرار.
وأوضحت بن يحمد أن التعامل مع آثار الفقر لا يعني الاستسلام له، بل يمكن للفرد أن يتأقلم مع مختلف الظروف، وأن يجعل منها جزءًا من عملية بناء الذات، بل وقد تتحول إلى فرصة للتحدي وإثبات الوجود بأبسط الإمكانيات.
وأكدت أن هذا الأمر يتطلب كفاحًا وإصرارًا، مشددة على أن الفقر ليس عيبًا، بل إن الاجتهاد هو سر النجاح، وأن الفقر، رغم سلبيته، قد يشكل دافعًا وحافزًا نحو الأفضل، وقد كان في بعض الأسر تحديًا كبيرًا ساهم في تربية الأطفال على الصبر، والعفة، وعزة النفس، وحسن إدارة شؤون البيت.
ومن جهة أخرى، أكدت أن الفقر ليس بالضرورة سببًا في تدمير الأسر، بل قد يكون عاملًا في تعزيز قوة التماسك والتأقلم، لافتة إلى أن الحاجة لا تلغي الاحترام.
وعند الحديث عن المرأة الليبية من ذوات الدخل المحدود، أشارت إلى أنها غالبًا ما تقدم أفضل ما لديها من أجل رسم السعادة لأفراد أسرتها، بأبسط الإمكانيات، موضحة أن الكثير من النساء ذوات الدخل المحدود نادرًا ما يلجأن إلى مدّ اليد وطلب المساعدة، بل يتميزن بالإبداع في احتواء الأبناء، وتوفير بيئة أسرية دافئة تشبه ما تحلم به أي أم.
وقالت إنه من الملاحظ في المدارس أن الطلاب من ذوي الدخل المحدود غالبًا ما يكونون أكثر ذكاءً ونباهة من غيرهم، ويتمتعون بروح التحدي والإصرار على النجاح، حيث يظهرون مستويات تعليمية مرتفعة وتحصيلًا علميًا متميزًا، مع رفضهم في كثير من الأحيان تلقي المساعدات، نتيجة تربيتهم على عزة النفس، وهو النموذج الذي يجب أن يطمح إليه المجتمع.
آثار نفسية
من جهتها، قالت الاختصاصية النفسية الدكتورة سعاد المجبري إن للفقر تأثيرًا مباشرًا وعميقًا على تكوين السلوك الاجتماعي للأفراد، موضحة أن طبيعة المجتمعات العربية، ومن بينها المجتمع الليبي، تختلف من حيث الخصائص الاجتماعية والاقتصادية، ولكل مجتمع سماته الخاصة وإطاره العائلي الذي ينعكس على سلوك أفراده.
وأشارت المجبري في تصريحات لـ”سبوتنيك”، إلى أن زيادة معدلات الفقر قد ترتبط بظهور سلوكيات إجرامية، لا سيما في ظل عدم قدرة ربّ الأسرة على تلبية الاحتياجات الأساسية لأفرادها، مثل الغذاء والملبس والتعليم.
وأوضحت أن انخفاض مستوى توفير هذه المتطلبات قد يولّد لدى الفرد شعورًا بالدونية والنقص، ما يؤدي إلى اختلال في الشخصية، وقد يفضي في بعض الحالات إلى الانحراف السلوكي وظهور السلوك الإجرامي، خصوصًا عند فئات عمرية معينة، مع غياب الرقابة الأسرية وضعف التوجيه.
وأضافت أن هذا السلوك قد يكون شعوريًا أو لا شعوريًا، وقد لا يتمكن الفرد من التحكم فيه، خاصة في ظل اتساع رقعة الفقر وغياب أبسط مقومات الحياة.
وأكدت أن الحرمان من الاحتياجات الأساسية قد يدفع بعض الأفراد إلى البحث عن بدائل خاطئة، مثل الانخراط في الجريمة أو الانتماء إلى جماعات وعصابات إجرامية، باعتبارها وسيلة لتعويض النقص أو الشعور بالانتماء.
وشددت المجبري على أهمية تقوية العلاقات داخل الأسرة، معتبرة أن الأسرة المتماسكة تلعب دورًا محوريًا في حماية أبنائها من الانحراف، مشيرة إلى وجود العديد من الأسر التي، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، تحافظ على تربية أبنائها وتوفر لهم احتياجاتهم الأساسية، ويكون مستوى تعليمهم جيدًا، وهو ما يُعرف بـ”التأثير العكسي” للفقر.
وأكدت أن الفقر والسلوك الإجرامي يرتبطان ببعضهما ارتباطًا وثيقًا، حيث يؤثر الفقر بشكل كبير على الحالة النفسية للأفراد، خاصة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية في المجتمع، إلا أن بعض العائلات تمتلك وعيًا وقناعة تمكنها من التكيف مع هذه الظروف والحفاظ على التوازن الأسري بعيدًا عن الانحرافات السلوكية.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا عبر موقع أفريقيا برس





