المخزوم: لا استقرار في ليبيا دون دستور

42
المخزوم: لا استقرار في ليبيا دون دستور
المخزوم: لا استقرار في ليبيا دون دستور

عبد الرحمن البكوش

أفريقيا برس – ليبيا. أوضح صالح محمد المخزوم، أستاذ القانون الدستوري بجامعة طرابلس في حوار خاص أجرته معه أفريقيا برس، أن الأزمة في ليبيا ليست في الأشخاص بل في غياب الإطار الدستوري الذي يحدد شكل الدولة وصلاحيات الجميع.

ونوه إلى أن الصراع على السلطة وانعدام الثقة بين الأطراف انعكس على المسار الدستوري منذ البداية وشدد على أن التغيير الفعلي يبدأ بالدستور قبل الانتخابات. وأشار إلى أن الحل لا يمكن أن يكون عبر تكرار تجربة الأجسام القائمة أو تشكيل هيئة تأسيسية جديدة بلا ضمانات دستورية.

صالح محمد المخزوم هو أستاذ القانون الدستوري بجامعة طرابلس، وقد شغل منصب النائب الثاني لرئيس المؤتمر الوطني العام الليبي (البرلمان) في أول برلمان منتخب في 2012 بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي.

بعدها كان عضواً في فريق الحوار عن المؤتمر الوطني العام إبان المفاوضات مع مجلس النواب المنتخب في مطلع 2015 بعد انتهاء ولاية المؤتمر، وهي مفاوضات أشرفت عليها الأمم المتحدة وأدت إلى توقيع اتفاق الصخيرات بين البرلمان والمؤتمر في 17 ديسمبر 2015.

كما شغل المخزوم بعد هذا الاتفاق السياسي منصب نائب رئيس المجلس الأعلى للدولة المنبثق عن اتفاق الصخيرات، ثم سفيراً لليبيا لدى بولندا.

بين تعقيدات الداخل وضغوط الخارج، إلى أين يتجه المسار السياسي والدستوري في ليبيا؟

بعد تسلُّم حكومة الوحدة الوطنية السلطة بموجب اتفاق جنيف، كان الأمل أن تُنهي المرحلة الانتقالية بالذهاب إلى الانتخابات. لكن ما الذي حال دون ذلك؟ في تقديري، المسألة أعمق من مجرد أداء حكومة بعينها، فنحن أمام أزمة ثقة متراكمة بين الأطراف الليبية، وانقسام سياسي وصراع على السلطة غذّاه انقسام دولي واضح داخل مجلس الأمن. هذا الانقسام انعكس على أداء بعثة الأمم المتحدة، التي بدت عاجزة عن دفع المسار الدستوري والسياسي إلى الأمام.

النتيجة أن الحكومة في طرابلس وجدت نفسها طرفًا في الصراع بدل أن تكون جسراً نحو التوافق والانتخابات، واستفادت من هذا الواقع فكان التمترس والتصعيد في العلن، والتفاوض وتبادل المصالح مع طرف المنطقة الشرقية في السر، من أجل الاستمرار في حكم جزء من البلاد، كما حدث في تسليم إدارة مؤسسة النفط لطرف المنطقة الشرقية وتصدير النفط عن طريق شركة أركنو.

إذن، هل الأزمة اليوم في الحكومة أم في غياب قاعدة دستورية واضحة؟

الأزمة أزمة صراع على السلطة وانعدام ثقة بين الأطراف الليبية، فانعكس ذلك على المسار الدستوري منذ البداية. فقد عُقّد المسار الدستوري حين اشترط المجلس الوطني الانتقالي في الإعلان الدستوري أن يُعرض مشروع الدستور على الاستفتاء بعد صدوره من الهيئة التأسيسية المنتخبة، بينما في معظم دول العالم، عندما تكون الهيئة التأسيسية منتخبة فإن مشروعها يُعتمد مباشرة من قِبل السلطة التشريعية.

هذا التعقيد كان انعكاسًا لانعدام الثقة بين القوى السياسية آنذاك، وما زلنا ندفع ثمنه حتى اليوم.

رغم ذلك، من ناحية تأكيد الديمقراطية والمشاركة الشعبية فهو جيد، فالشعب ينتخب الهيئة ثم يُستفتى على المخرجات.

طرحت اللجنة الاستشارية مقترحات كان رابعها يدعو إلى حل الأجسام القائمة وتشكيل هيئة تأسيسية جديدة. هل يمكن أن يكون هذا حلاً؟

قد تبدو الفكرة جذابة للشارع الليبي الذي ضاق ذرعًا بالأجسام القائمة، لكنها تفتقر إلى الضمانات. أي حل لا يقوم على قاعدة دستورية متفق عليها سيفتح الباب أمام مرحلة انتقالية جديدة بلا ضمانات، مما يعني أننا نكرر المأساة نفسها.

لكن هناك من يرى أن حل كل الأجسام والبدء من جديد هو المخرج الحقيقي. هل يمكن تحقيق ذلك؟

صحيح أن المزاج الشعبي يميل إلى هذا الطرح، لكن الخطر يكمن في التطبيق، فغياب التوافق قد يقود إلى فراغ سياسي وصدام جديد. لابد من الاعتماد على مسار دستوري واضح وشرعية انتخابية للمضي قدماً.

لعل بعثة الأمم المتحدة تحاول الجمع بين رغبة الشعب في التغيير وبين المحافظة على الشرعية الانتخابية والمسار الدستوري المؤقت رغم ضعفه، لأن حدوث أي تعيينات لجنة حوار ثم هيئة تأسيسية جديدة بعيدًا عن الأجسام المنتخبة سيكون تدخل صارخ من قبل البعثة. الحل يكمن في إذابة الأطراف المنتخبة (مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة) داخل حوار سياسي ليبي مع إضافة قوى سياسية أخرى ممثلة في الأحزاب والمكونات وشخصيات.

هنا يبرز دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي: كيف يمكن أن يُفعّل دون أن يتحول إلى تدخل في شؤون الدولة الليبية؟

المقارنة بين الماضي والحاضر توضح التباين. ففي عام 1951، كانت الأمم المتحدة جادة في مساعدة الليبيين فاعتمدت دستور الاستقلال الذي أنجزته هيئة مكونة من 60 شخصية.

اليوم لدينا مشروع دستور جاهز منذ 2017 وضعته هيئة منتخبة من الشعب، ومع ذلك لم تطرحه البعثة الأممية للنقاش أو الاستفتاء.

إذن، هل المشكلة في تشبث الحكومات بالسلطة أم في اعتراف الأمم المتحدة بالمخرجات؟

الأهم هو الاعتراف الدولي بما ينتج سواء عن المجلسين أو عن حوار ليبي-ليبي. اتفاق الصخيرات ثم اتفاق جنيف نجحا لأنهما حظيا بالاعتراف الدولي. ما لم يحدث هذا الاعتراف، فإن أي تسوية تبقى حبراً على ورق.

التجارب أثبتت أن تحريك المشهد نحو حكومة موحدة لم يحدث إلا تحت ضغط خارجي مباشر: في اتفاق الصخيرات 2015 كان تمدد داعش في سرت والتفجيرات عنصر الضغط.

وفي اتفاق جنيف 2021 كان التدخل العسكري الخارجي، حيث دعمت روسيا عبر فاغنر طرف الشرق، بينما تدخلت تركيا إلى جانب الغرب بموجب اتفاقية أمنية.

اليوم، السبب الضاغط هو الاعتداء على الدورة المستندية والمالية لتصدير النفط عبر شركة “أركنو”، مما أثار قلق الدول الكبرى.

وأخيرًا، هل الحل يبدأ بالدستور أم بالانتخابات؟

أصل الأزمة في ليبيا هو غياب الدستور الذي يوضح شكل الدولة ونظام الحكم.

هل نريد دولة واحدة بسيطة أم دولة اتحادية فدرالية؟ ونظام الحكم: برلماني، ملكي، جمهوري، رئاسي أو شبه رئاسي؟

تغيير الحكومات وتوحيد البلاد في حكومة واحدة ضروري وملح، لكنه ليس علاجًا جدريًا للأزمة، فالمشكلة ليست في الأشخاص بل في غياب الإطار الدستوري. الهيئة التأسيسية المنتخبة تعثرت لأسباب جهوية أكثر من كونها فنية، لكن مشروعها موجود. كان الأجدر بالبعثة الأممية أن تدفع باتجاه طرحه للنقاش أو الاستفتاء بدل الدخول في مراحل انتقالية لا تنتهي.

في الختام، المخزوم يختم الحوار باقتباس يلخص فلسفته في التحليل السياسي: “إنّ أصحاب العقول الصغيرة يتناقشون حول الأشخاص، وأصحاب العقول المتوسطة يتناقشون حول الأحداث، أمّا أصحاب العقول الكبيرة يتناقشون حول الأفكار.”

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here