حرية الصحافة في ليبيا بين التقييد الحكومي والسطوة العسكرية

8
حرية الصحافة في ليبيا بين التقييد الحكومي والسطوة العسكرية
حرية الصحافة في ليبيا بين التقييد الحكومي والسطوة العسكرية

أفريقيا برس – ليبيا. أكثر من عشر سنوات مرت منذ اندلاع ثورة السابع عشر من شباط/فبراير الليبية، الثورة التي وضع الليبيون عليها آمالا كبيرة لتكون بوابة لحرية لم يعشوها من قبل، ولتكون أداة إزالة لقيود فرضت على الأقلام وعلى الأصوات وعلى كافة أشكال التعبير.

إلا أن ما حدث كان عكس المنتظر، حيث سطوة السلاح فرضت نفسها وبقوة ومنعت ممارسة هذه الحرية إلا في إطار معين ودون المس بالشخصيات صاحبة الثقل المسلح كحفتر مثلا وكالكتائب المسلحة التابعة له أو لغيره.

وهكذا لم تعش الصحافة والتي تعتبر أداة التعبير الأولى حول العالم، حرية التعبير مطلقا منذ ستينات القرن الماضي، ففي فترة حكم نظام القذافي مورست قيود قاتلة عليها، منعت من خلالها الصحف والإذاعات الخاصة من الإنشاء والظهور، وقيدت الأقلام في الصحف العامة وامتلأت السجون بالصحافيين والكتاب.

وما يثبت الوضع السيء الذي وصلت له حرية التعبير في البلاد هو تواجد ليبيا في أواخر قائمة التصنيف العالمي لمؤشر حرية الصحافة التي تصدرها العديد من المنظمات الدولية، حيث أخذت هذه المنظمات عددا من المعايير في عين الاعتبار كالضمانات الدستورية والقانونية للصحافيين، والإصلاح الهيكلي للإعلام، وتزايد أعمال العنف والهجمات، والاعتداءات الجسيمة.

ففي العام الماضي جاءت ليبيا في المرتبة 162 عالميا في مجال حرية الصحافة، وفي عام 2020 جاءت ليبيا على المؤشر نفسه بالمرتبة 164 وفي عام 2018 في المركز 162 لأسباب أيضا تتعلق بالحالة الأمنية.

وما زاد الوضع سوءا في ليبيا هو غياب التشريعات والقوانين بل والدستور الحامي للصحافة رغم وجود مواد في مشروع الدستور كفلت حرية التعبير والنشر وحرية الصحافة والإعلام وإنشاء مجلس أعلى للإعلام والصحافة، من مهامه حماية الصحافي ومصادر معلوماته، إلا أن كل ذلك لم يتحقق بسبب الخلاف حول الاستفتاء على الدستور.

ومع تعقد الوضع الأمني في ليبيا تزايدت الانتهاكات ضد الصحافيين حيث وفي منتصف العام الجاري وثّقت المنظمة الليبية للإعلام المستقل، 14 انتهاكا ضد حرية الصحافة خلال الفترة من أيار/مايو 2021 إلى أيار/مايو 2022 منها عشرة اعتداءات ضد الصحافيين في خمس مدن ليبية.

إخفاء قسري واعتداء جسدي

وأشار التقرير إلى أن وتيرة الانتهاكات ضد حرية الصحافة خلال العام الأخير ظلت في نفس المستوى والسياق للأعوام الماضية، وتنوعت بين إخفاء قسري وقبض تعسفي واعتداء جسدي كاشفا على أن مدينة سرت تصدرت هذه الانتهاكات بنسبة 40 في المئة، ثم مدينتي طرابلس وبنغازي بنسبة 20 في المئة، ثم صرمان وأجدابيا بنسبة 10 في المئة.

وأشار إلى أن المرأة الصحافية في ليبيا لا تزال تتعرض للاعتداء، فقد شكلت النساء الصحافيات المعتدى عليهن نسبة 10 في المئة من إجمالي الانتهاكات ضد الصحافيين، موضحا أن دعاوى التشهير ونشر أخبار سرية وتأجيج الرأي العام وغيرها من الدعاوى الموجودة في مواد قانون العقوبات الليبي والمتعلقة بحرية الصحافة لا تزال تُرفع ضد الصحافيين بالرغم من الإدانات الدولية لهذه المواد وضرورة تعديلها، بحيث يقتصر أسلوب التعامل على الدعاوى المدنية في هذه القضايا، بعقوبات غير السجن أو الحبس، والاكتفاء بالغرامات المالية.

ووثقت المنظمة أربعة انتهاكات ضد حرية الصحافة في ليبيا (29 في المئة من إجمالي الانتهاكات) تمثلت في قرارات وإجراءات تعسفية قامت بها السلطات سواء التشريعية منها أو التنفيذية.

وعلى مدار سنوات لم يسلم الصحافيون من الاعتقال وتكميم الأفواه، ففي أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2014 حكم على الصحافي عمارة الخطابي بالسجن لمدة 5 سنوات، وتغريمه مبلغ 250 ألف دينار ليبي، ومنعه من ممارسة الصحافة خلال مدة حبسه، بتهمة التشهير وإهانة القضاء، لنشره قائمة تضم أسماء 84 قاضياً، قال إنهم متورطون في الفساد.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2019 اختطف رئيس المنظمة الليبية للإعلام المستقل رضا فحيل البوم، لدى عودته عبر مطار معيتيقة طرابلس، قادماً من تونس ليلاً، وتعرض للإخفاء القسري لمدة 5 أيام قبل تحويله للنيابة العامة التي أصدرت أمراً بنقله إلى سجن الجديدة.

المادة 188 من قانون العقوبات

وقد استخدمت سلطات الدولة المادة 188 من قانون العقوبات، المتعلقة بإذاعة أسرار التحقيقات، والمادة 439 من القانون ذاته بخصوص التشهير ضد الصحافيين كمبرر لاعتقالهم.

ورغم المطالبات المتكررة التي تطلقها المنظمات لكافة مؤسسات الدولة المختصة بتوفير الحماية للصحافيين والمؤسسات الإعلامية كترجمةً لالتزامها باحترام المواثيق ذات العلاقة، واحترام تطبيق المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتعزيزًا لحرية الصحافة إلا أن الدولة الليبية والحكومات على تعاقبها لم تستجب لتلك المطالبات .حيث ان الاستجابة لمطالبات الصحافيين تستلزم توفير غطاءٍ شرعي وحمايةٍ دستوريةٍ للعاملين في مجال الصحافة أثناء تغطية الأحداث اليومية حفاظًا على حياتهم وتوفير بيئة مواتية لوسائل الإعلام يمكنها من خلالها العمل بحرية، بدون تمييز، وبدون الخوف من الأعمال الانتقامية أو العقاب التعسفي.

الغطاء التشريعي يأتي حسب متتبعين في المرحلة الأولى لحماية الصحافيين من المعاملة كمجرمين ولتجريم محاكمة الصحافيين أمام المحاكم العسكرية وتعديل قانون مكافحة الإرهاب، حيث سجلت عدد من الانتهاكات في هذا الإطار شرق البلاد وحوكم عدد من الصحافيين بشكل تعسفي محاكمة عسكرية.

لم يحاكم الصحافيون فقط في محاكم عسكرية، بل سجل في شرق البلاد حالات انتهاكات واسعة شملت محاكمة المواطنين المدنيين أمام محاكم عسكرية في قضايا الرأي والتعبير والذي يمثل خرقا جسيما لالتزامات ليبيا الدولية لحماية حرية الرأي والتعبير ويخالف الإعلان الدستوري والمواثيق الدولية.

وقد لعبت وسائل الإعلام في ليبيا دورا سلبيا في الحروب والصراعات المسلحة التي اندلعت على مدار السنوات الماضية حيث تملك الأحزاب السياسية والقوى الكبرى معظم وسائل الإعلام الليبية التي تدعم كل منها توجهات ومصالح مختلفة ما أدى إلى تأجيج الصراع واستخدام القنوات الإعلامية كوسيلة للترويج للأفكار المتبناة من قبل هذه الأحزاب.

إفلات تام من العقاب

منظمة «مراسلون بلا حدود» أشارت خلال تقريرها السنوي الأخير إلى استغلال أطراف النزاع لوسائل الإعلام في سبيل خدمة مصالحها الخاصة، قائلة إنّ العنف ضد الصحافيين ووسائل الإعلام يقابله إفلات تام من العقاب على الفظائع المرتكبة، حيث أصبحت ليبيا بؤرة سوداء حقيقية على المستوى الإعلامي.

وقد حاولت بعض الأجسام في ليبيا أن تضع تشريعات وقوانين وأن تصدر قرارات لم تفعل شيئا إلا أنها فاقمت التضييق على وسائل الإعلام. ففي نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي أعلن الناطق الرسمي باسم مجلس النواب الليبي عبدالله بليحق إن مجلس النواب أقر بالأغلبية مشروع قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية.

القانون الذي صوت عليه مجلس النواب دار حوله جدل كبير جدا، بل اعتبر خطوة جديدة من قبل البرلمان لتكميم أفواه المواطنين ومنعهم من التصريح بآرائهم أو خوض النقاشات السياسية التي تتضمن رفضا لتصرفات البرلمان ومن يقوم البرلمان بدعمهم.

وقد تضمن القانون الذي أقره البرلمان والذي حمل مسمى «قانون مكافحة الجرائم الالكترونية» أن يعاقب بالحبس وغرامة لا تقل عن ألف دينار كل من قام بنشر معلومات تثير النعرات الجهوية والعنصرية.

كما جاء في نص القانون «يعاقب بالحبس كل من ركب أو زج بتصريح مكتوب أو صور أو صوت لأحد الأشخاص بقصد الإضرار بهم».

كما يعاقب القانون، حسب المادة (37) بالسجن لمدة قد تصل إلى 15 عامًا وغرامة مالية باهظة لا تقل عن عشرة آلاف دينار ليبي «كل من بث إشاعة أو نشر معلومات أو بيانات تهدد الأمن أو السلامة العامة في الدولة أو أي دولة أخرى». وُتحذّر المنظمات من خطورة استخدام هذه المادة لاستهداف ومعاقبة الصحافيين والصحافيات، والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وفي المادة (7) يبيح القانون للسلطات الليبية حق الرقابة الشاملة على كل ما ينشر على شبكات التواصل الاجتماعي و«أي نظام تقني آخر» بالإضافة إلى تمكين الهيئة الوطنية لسلامة وأمن المعلومات -وهي هيئة إدارية تقنية تابعة للحكومة- من حجب المواقع والمحتوى بدون أحكام قضائية. ونصت مادة أخرى من القانون أن «يعاقب بالحبس وغرامة لا تقل عن ألف دينار كل من أضر بالغير على وسائل الاتصال بقصد إشباع رغبته الجنسية».

وفي الواقع فقد تم التصويت على هذا القانون بسرعة؛ إذ تم اعتماد مشروع القانون المقترح بعد يوم واحد فقط من طرحه في أجندة المجلس، ومن دون التشاور مع المجتمع المدني الليبي، سواء جمعيات أو منظمات أو نشطاء في المجال الرقمي أو المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان.

الإشراف على قطاع الإعلام

حكومة الوحدة الوطنية ومنذ تعيينها هي الأخرى أصدرت عدة قرارات في ذات السياق ومن ضمن القرارات التي لاقت مدحا وترحيبا من قبل المتتبعين والصادرة من الحكومة، قرار إنشاء هيئة عامة لرصد المحتوى الإعلامي، وحسب نص القانون فتختص الهيئة برصد وتتبع الإخلالات المهنية في الخطاب الإعلامي وخاصة خطاب الكراهية بكافة أشكاله والأخبار الزائفة والمضللة في وسائل الإعلام التي تستهدف ليبيا بالداخل والخارج.

وحسب القرار، تصدر الهيئة تقاريرها بعد اعتمادها والتصويت عليها من مجلس للتقييم يتولى النظر وتقييم الإخلالات المهنية المرتكبة ويرأس مجلس التقييم قاض ويضم في عضويته ممثلين عن المجتمع المدني، والقضاء، والصحافيين، والعاملين بقطاع الإعلام ممن يشهد لهم بالكفاءة والنزاهة.

القرار الثاني لاقى انتقادا على عكس الأول والذي حمل تعديلا لمهام واختصاصات واسم إدارة الإعلام والتواصل الحكومي، حيث جاء في القرار أن تختص الإدارة بالإشراف على وسائل الإعلام المختلفة ومتابعة جودة المحتوى المنشور فضلا عن تنفيذ الإجراءات والتوصيات المتعلقة بدعم الصحافة وحماية جميع العاملين في المجال.

ففي وقت إصدار القرار دعت مجموعة من المنظمات حكومة الوحدة الوطنية إلى التراجع عن القرار الحكومي رقم 301 لسنة 2021 والذي من شأنه أن يزيد من تأثير الحكومة على المشهد الإعلامي بأكمله ويهدد حرية وسائل الإعلام والتعددية في البلاد.

وتابع البيان أن القرار رقم 301 لسنة 2021 المتعلق بتقرير بعض الأحكام في شأن إدارة الإعلام والاتصال يمثل خطراً حقيقياً على حرية واستقلالية الإعلام في ليبيا، حيث وقع إسناد سلطات واسعة جدا لهيئة إدارية تخضع لرئيس الحكومة للإشراف على قطاع الإعلام من دون أي مراعاة للمعايير الدولية.

وحث البيان الحكومة على تدارك هذه الخطوة الخاطئة من أجل ضمان إطار قانوني ملائم للإعلان الدستوري والمعايير الدولية بشأن حرية التعبير والحق في المعلومات داعيا إلى عدم اتخاذ أية قرارات ترتيبية مستقبلية إلا بعد القيام بالمشاورات الضرورية مع المنظمات المهنية والصحافيين/ات والأكاديميين والجهات الفاعلة الأخرى في المشهد الإعلامي.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا اليوم عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here