رمضان في عيون الغرباء.. شهادات الرحّالين عبر قرنين من الزمن

رمضان في عيون الغرباء.. شهادات الرحّالين عبر قرنين من الزمن
رمضان في عيون الغرباء.. شهادات الرحّالين عبر قرنين من الزمن

عبر القرون، مثّل هذا الشهر بقيمته الدينية العالية ومكانته في قلوب الليبيين، مناسبة سنوية محورية، نسج الليبيون حولها خيوط حكايتهم التي تمزج التمسك الديني والعادات الاجتماعية، وبالنسبة لأولئك الغرباء القادمين من بلاد بعيدة، كانت تفاصيل هذا الشهر مغرية للاكتشاف والتدوين، فقد رصدها العديد من الرحالة والمستشرقين الذين زاروا ليبيا عبر قرون مختلفة، هؤلاء الزوار، رغم اختلاف دوافعهم ومشاربهم، والجدل الذي يظل قائما حول مواقفهم وسياقات رحلاتهم وكتاباتهم، فقد سجلوا كثيرا من المعلومات المهمة حول ليبيا وتاريخها الاجتماعي، موثقين لحظات من التقوى والكرم والروحانية التي صمدت في وجه الزمن.

● محافظة الليبيين على الصوم

تروي لنا “ميس تولي”، وهي قريبة القنصل البريطاني في طرابلس “ريتشارد تولي”، تفاصيل دقيقة عن الحياة داخل المدينة والأسرة القرمانلية، حيث عاشت في ليبيا لعشر سنوات ونقلت مشاهداتها في رسائل شهيرة اتسمت بالتفصيل والتدقيق والوصف الأدبي الرفيع، سجلت ذكرياتها في عام 1783م قائلة:

“يحافظ المسلمون الأتقياء الورعون محافظة دقيقة على ملاحظة ومراعاة صوم شهر رمضان، لقد هبت قبل ثلاثة أيام مضت عاصفة رملية جعلت الجو حاراً ملتهباً يهدد بالاختناق، والرياح فيها شديدة الحرارة كاللهب المندلع من فوهة فرن، ورغم ذلك، لم يحدث مطلقاً أن شوهد شخص واحد قد كسر صيامه وفطر، بأن تجرع قطرات من الماء، مع أن البعض من الناس كان يرش الماء على الوجوه، لم يحاول شخص واحد أن يبلل شفتيه بقطرة واحدة من الماء”

كما سجلت مشاهداتها عن الشخصيات المرتبطة بالشهر الكريم، ومن أهمها “ساهر الليل” أو كما يعرف في بعض البلدان بالمسحراتي، والذي كان يتولى مهمة إيقاظ الناس للسحور قبل اختراع المنبهات الحديثة، وتكتب تولّي: “وقبيل أذان الفجر يتجول حرس خاص في كل أنحاء المدينة يوقظ النيام لإعداد السحور قبل طلوع الفجر، يحدث ذلك الحارس ضجيجا قويا عاليا إذ يحمل الصحون والعلب المصنوعة من التنك وفي داخلها قطع من الحديد المتحركة”

● متعصب في غدامس سنة 1845م

أما في عمق الصحراء، فيبرز جيمس ريتشاردسون، الرحالة الإنجليزي المعروف، الذي قضى شهر رمضان كاملا في مدينة غدامس سنة 1845م، ويمكن لمن قرأ مذكرات ريتشاردسون أن يلاحظ بوضوح بين كثير من أسطره وكلماته أثر التعصب الديني والعنصرية أحيانا، ولكنه -رغم ذلك- لم يُخف إعجابه بكثير من المشاهد الرمضانية للحاضرة الصحراوية، مثل تلاوة القرآن في المساء، والتكافل الاجتماعي، والسهرات الرمضانية، لكن أبرز نصوصه جاء حين خالط رجال قافلة منهكين من السفر وشاهد كيف يلتزمون بالتعاليم الدينية في أصعب الظروف حيث قال:

“ولا يفوتني هنا ذكر تلك الدقة الصارمة والمتناهية التي كان يؤدي بها أفراد القافلة صلواتهم طوال الطريق، فالقرآن يفرض الصلاة خمس مرات في اليوم، وكان معظمهم يؤديها وإن لم تكن دائمًا في وقت واحد، إذ كان بعضهم يختار وقته الخاص، وهي رخصة تُمنح للمسافرين.

لقد كان مشهدا يبعث على الراحة النفسية، وفي الوقت ذاته يثير الشجن، أن ترى الجمّالة الفقراء وهم يصلون بكل هذا الخشوع، واضعين جباههم العارية على الحجارة الحادة ورمال الصحراء.. هؤلاء القوم الذين لم ينالوا من نعم الحياة إلا النزر اليسير، وكثير منهم لا يجد ما يسد به رمقه، ومع ذلك، تجد هؤلاء الرجال الذين أهلكهم السفر و أضناهم الجوع يتضرعون إلى الله بتعبد عظيم وإخلاص صادق! يا له من درس بليغ للمسيحي المترف الذي أثقلته التخمة”

● مجلس الشيخ محمد كامل بن مصطفى

وكما هو معروف لدى المهتمين بدراسة كتب الرحلات والمذكرات، فإن اهتمامات الرحالة المسلمين مختلفة كثيرا عن تلك التي كتبها نظراؤهم الغربيون، وإن كان لكل منها أهميته التاريخية الخاصة، ونجد الرحالة التونسي محمد بن عثمان الحشائشي، الذي زار ليبيا بدوره، قد نقل شيئا من الجوانب العلمية والدروس الفقهية التي يزداد الإقبال عليها في شهر رمضان المعظم، ويتحدث في رحلته عن مجلس الشيخ محمد كامل بن مصطفى، العالم المعروف صاحب كتاب “الفتاوى الكاملية في الحوادث الطرابلسية” وغيره من المؤلفات، ويكتب الحشائشي في رحلته:

“وفي رمضان سنة 1313هجري (1895م ) دخلت جامع السوق… وهو جامع بهيج عليه رونق عظيم… وفي أحد أركان الجامع من الجهة القبلية وجدت العالم الفاضل النحرير المنعم الشيخ محمد بن مصطفى باشا مفتي السادة الحنفية يقري الحديث الشريف متن الشفا للقاضي عياض وعليه حلقة عظيمة من أعيان البلاد وغيرهم.. وقد تم درسه قبيل المغرب بساعة”.

● الصيام ومدمنو القهوة

وفي مطلع القرن العشرين، نجد الجغرافي والرحالة الألماني إيفالد بانزة، الذي أقام في ليبيا، وعرف باهتمامه بوصف العادات والبيئة والإنسان، يصف رمضان بأنه “الشهر المحبب للنفوس والمهاب أيضا” لكنه يرصد أيضا بعض المشاهد القديمة-الجديدة لمدمني القهوة والمنبهات، ممن يزداد توتره وعصبيته خاصة مع ساعات الصوم الأخيرة، كما يوثق بانزه “مدفع الإفطار” وهو الذي كان الوسيلة الأساسية لإعلام الناس بموعد الإفطار، قبل أن يتراجع دوره مع اختراع مكبرات الصوت وانتشار استخدامها في المساجد، ويسجل بانزه ملاحظاته قائلا:

“وفي وقت متأخر بعد العصر يشرع الناس بإعداد وجبة الإفطار الرئيسية، وقبل نصف ساعة من الغروب يصبح الجميع عصبيين، فثمة من يغلي القهوة ويهيئ سيجارة لفّها لتوه ووضع بجانبها عود الكبريت، أو يأخذ قطعة خبز في يد وفنجان القهوة المملوء في اليد الأخرى، بينما يترقب الجميع طلقة المدفع كي تعلن أن أسفل قرص الشمس قد لامس البحر وأن نهار الجوع والعطش قد انقضى، وخلال دقائق تسيطر على المدينة وحشة”

إن مثل هذه النصوص، رغم تباين خلفيات كاتبيها، وأزمنة تدوينها، تظل ذات أهمية بالغة في محاولتنا لرسم لوحة لرمضان في ليبيا في القرون الماضية، وتمكننا من رصد الثوابت والمتغيرات، وعراقة العادات وتجذر التمسك بالعبادات في هذا الشهر الكريم، وما يمثله في وجدان الليبيين وذاكرتهم وهويتهم.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here