السيد شبل
أفريقيا برس – ليبيا. ستضيف الاتفاقيات التي وقعتها ليبيا وتركيا مزيداً من القوة إلى الدور التركي، ولن يكون هذا الدور مقتصراً على الداخل الليبي، بل ستكتسب أنقرة أيضاً قدرات أكبر لأداء دور إقليمي ودولي أوسع.
مع توقيع رئيس الوزراء الليبي المقيم في طرابلس عبد الحميد الدبيبة اتفاقيتين مع وزير الدفاع التركي خلوصي آكار يوم الثلاثاء الماضي، تصاعد الحديث عن بزوغ متزايد للدور التركي في ليبيا، وخصوصاً أن الاتفاقيات ركزت على التعاون في المجالات الأمنية والعسكرية، ما يعني انغماساً أكبر للجيش التركي في الميدان الليبي، ولو من باب التدريب ونقل الخبرات.
وكانت حكومة الدبيبة، وهي واحدة من الحكومتين اللتين تتنازعان على إدارة البلاد، نشرت بياناً مقتضباً أوضحت فيه أن المستجدات التي تم التفاهم عليها في تركيا تضمنت آليات تنفيذ “الاتفاقية الأمنية” لعام 2019، وهي اتفاقية وقعتها حكومة فائز السراج التي أدارت الأمور في طرابلس بهذا التاريخ.
وقد أدى هذا التعاون بين طرابلس وأنقرة في حينه إلى صدّ الهجوم العنيف الذي شُنّ على العاصمة بواسطة الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، مدعوماً من روسيا والإمارات العربية المتحدة ومصر.
وما يؤكّد أن تفاهمات 2022 امتداد لاتفاق 2019 هو تركيزها على “الخبرات التركية في مجال الطيران الحربي”. ومن المعلوم أن تسليم طائرات تركية من دون طيار للقوات المتمركزة في طرابلس أثناء هجوم حفتر كان إحدى كلمات السر التي أدت إلى تغيير مسار المعركة وقتها، إضافة إلى المجموعات الإسلامية التي جلبتها أنقرة إلى بؤر القتال كنوع من الإمداد البشري.
وكان اتفاق 2019 قد شمل أيضاً مطالبة تركيا بمناطق كبيرة وغنية بالغاز في شرق البحر المتوسط، وهو الأمر الذي تسبب بغضب مصر واليونان وفرنسا والاتحاد الأوروبي وقتها. وقد ربطه مراقبون بالاتفاق الحديث الذي وقعه وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في طرابلس أوائل شهر تشرين الأول/أكتوبر 2022، الذي يسمح بالتنقيب عن النفط والغاز في مياه البحر الأبيض المتوسط الليبية، وهو الأمر الذي أثار استياء الأطراف ذاتها.
انعكاسات الاتفاقات على الدّور التركي داخل ليبيا وخارجها
تتميّز السياسة التركية بقدر عالٍ من المرونة يمكّنها من الانتقال بسهولة بين المعسكرات السياسية، ويجعلها قادرة على انتهاز أي فرصة قد تعزز مصالحها السياسية أو الاقتصادية.
وتنظر حكومة إردوغان إلى الساحة العربية باعتبارها النطاق الجغرافي الأقرب إلى تركيا والمهيأ لأن تؤدي فيه أدواراً سياسية واقتصادية واسعة، وأيديولوجية أيضاً، انطلاقاً من وحدة الدين وتداخل التاريخ، وهي النظرة التي أكسبت أنقرة خصوماً وأنصاراً من العرب معاً.
ولا تنفصل ليبيا عن السياق العام الذي تنظر فيه أنقرة إلى الوطن العربي. وقد رأت الحكومة التركية في أحداث 2019، وفي الضوء الأخضر الذي منحته إياها الولايات المتحدة، فرصة للتدخل المباشر في الشأن الليبي وفق الاتفاقيات التي جرت مع حكومة السراج حينها. وتأتي الاتفاقيات مع الدبيبة لتعزز الحضور التركي في هذا الملف، وستعمل أنقرة على الاستفادة من المكانة التي حظيت بها في غرب ليبيا عبر الآتي:
أولاً، ستربط أنقرة دورها العسكري في مناطق غرب ليبيا بالملف الاقتصادي، لترفع من حجم وجودها في المناطق الغنية بالنفط والغاز في شرق البحر المتوسط، بما ينعكس إيجاباً على الوضع الاقتصادي المأزوم داخل تركيا.
ثانيا، ستسعى أنقرة لتوفير الشروط الملائمة لتمديد وجودها في ليبيا أكبر فترة زمنية ممكنة، وخصوصاً أن المساعدات التي تقدمها الحكومة التركية لطرابلس لا تتضمن منحاً مالية أو دعماً سلعياً فوق طاقتها، وأن الأمر يتركز في مجالات الدعم العسكري لميليشيات الغرب.
هذه المسائل توفرها تركيا عبر إعادة تدوير العناصر المتطرفة التي تقاتل في شمال سوريا، إذ يتم نقلهم عبر جسور جوية إلى غرب ليبيا. وكان المرصد السوري المعارض ذكر أن جهاتٍ تركيا قامت بنقل مقاتلين جدد من سوريا إلى ليبيا مطلع شهر تشرين الأول/أكتوبر الجاري.
ثالثاً، لا يجب إغفال أن ليبيا ذاتها دولة غنية بالنفط، وأن الجهة التي ترعى حكومتها وتحتضنها ستضمن لنفسها نصيباً من عائدات بيع هذه الثروة، وسيكون هذا النصيب في مقابل الحماية العسكرية والدعم السياسي.
رابعاً، ستستفيد تركيا من الوجود في ليبيا لتعزز دورها إقليمياً ودولياً، فمن المؤكّد أن الدور الخارجي لأي بلد يمنحها وزناً دولياً مضاعفاً، وخصوصاً أن الدور التركي في ليبيا لا يثير أي حساسية لدى الولايات المتحدة، وهي القوة العسكرية والاقتصادية الأقوى في العالم، ولن تفرّط أنقرة في وجودها في غرب ليبيا إلا إن كان المقابل مغرياً ويعوّض المكسب الليبي.
خيارات الأطراف الرافضة لاتفاقيات تركيا وحكومة الدبيبة
ما إن أتمّت حكومة الدبيبة توقيع اتفاقياتها مع الطرف التركي، سواء تلك المتصلة بالنواحي الأمنية أو المتعلقة بالتنقيب عن النفط والغاز، حتى توجّهت الأنظار إلى القاهرة، إذ إن مصر في خصومة سياسية مع أنقرة منذ أحداث حزيران/يونيو 2013.
ولم يقتصر الأمر طوال هذه السنوات على التلاسن الإعلامي الذي أعقب إزاحة الإخوان الموالين لتركيا عن الحكم، بل امتد إلى اشتباك عسكري وسياسي في عدد من البؤر الجغرافية كانت أبرزها ليبيا، وتحديداً خلال عام 2019، حين بدأت تركيا وحلفاؤها دفع قوات حفتر نحو الشرق. وقتها شعرت القاهرة بالتهديد، فأعلنت خطاً أحمر يمتد من سرت إلى الجفرة، وحذرت خصومها من تجاوزه.
في أوّل رد على اتفاقية “النفط والغاز”، أعلن الطرفان المصري واليوناني شكوكهما في توقيع حكومة الدبيبة اتفاقيات مع تركيا، واتفقت الدولتان على التنسيق بينهما للردّ على هذه التصرفات، وركزت تصريحات الخارجية المصرية على أن حكومة الدبيبة لا تملك شرعية الحكم، وأنَّ ولايتها في طرابلس انتهت، وبالتالي لا تملك صلاحية إبرام أي اتفاقات دولية أو مذكرات تفاهم. ويجمع مصر واليونان وقبرص موقف موحد رافض لتوسع دور تركيا في البحر المتوسط، لأسباب سياسية واقتصادية مجتمعة.
ومن المتوقع أن تتحرك كل من القاهرة وأثينا في 3 اتجاهات:
الأول، عبر منتدى غاز شرق المتوسط الذي يقع مقره في القاهرة لتثبيت التوافقات المقررة للعمل وحشد الدول الأعضاء في المنتدى لاتخاذ موقف موحّد ضد تركيا، علماً أن المنتدى يضم 7 دول، وقد يؤدي إجماعها على اتخاذ خطوات موحّدة إلى إصابة أنقرة بالارتباك.
الثاني، تعزيز التعاون مع حكومة شرق ليبيا المقربة من القاهرة، لتقوية حضورها في الداخل الليبي كجهة معارضة لخيارات عبد الحميد الدبيبة وتوجهاته.
الثالث، استغلال حاجة أنقرة لفتح علاقات جديدة مع عدد من الدول العربية، والدفع بالورقة الليبية لتكون على مائدة الحوار، أي أنَّ القاهرة قد تضغط خلال عملية التصالح، لتكون ليبيا القربان الذي يجب على رجب طيب إردوغان تقديمه لإزالة العقبات أمام التفاهمات التي تسعى جميع الأطراف نحوها، وخصوصاً أن الرئيس التركي لا يُفوّت فرصة للحديث عن علاقات بلاده الإقليمية من دون أن يشير إلى الجهود المبذولة لتعزيز التعاون بين أنقرة والقاهرة.
أما فرنسا، فقد عبرت بدورها عن رفض الاتفاقيات، واعتبرت الخارجية الفرنسية أنها “تمس بالحقوق السيادية لدول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، ولا تتوافق مع القانون الدولي للبحار”. وتشير بعض وسائل الإعلام المصرية إلى احتمال أن تشهد الساحة الدولية تنسيقاً أكبر بين كل من القاهرة وأثينا وباريس للوقوف أمام توسع دور تركيا في شرق المتوسط، والذي تراه العواصم الثلاث تهديداً لمصالحها.
الانقسام الليبي انعكاس لصراع المحاور الإقليمية والدولية
يرى مراقبو الشأن الليبي أن سعي عبد الحميد الدبيبة لتحصيل الدعم التركي، ورغبته في توقيع اتفاقيات جديدة مع أنقرة، ليس سوى تعبير عن حالة القلق التي تنتاب حكومته جراء المنافسة الشرسة على الشرعية التي تواجهها مع حكومة فتحي باشاغا التي تسيطر على شرق البلاد ووسطها منذ آذار/مارس 2022، وتحظى بدعم البرلمان الليبي المنعقد في طبرق.
وقد أضحت الساحة الليبية منذ تدخل حلف الناتو في عام 2011 ساحة لاشتباك العديد من المحاور الإقليمية والدولية، إذ تنقسم البلاد بين سلطة تدير الأمور في الشرق وتحظى بدعم إماراتي/مصري/روسي، في حين تحظى السلطات في غرب ليبيا بدعم تركي/قطري/أميركي، من دون أن نغفل التباينات والتداخلات التي تعتري هذه المحاور بين حين وآخر.
وكانت القوات الموالية لفتحي باشاغا قد كرَّرت محاولاتها السيطرة على طرابلس أكثر من مرة خلال صيف عام 2022، سعياً منها للمّ شمل البلاد مرة أخرى تحت سلطة حكومة واحدة تتمتع بدعم من قوات عسكرية منظمة (الجيش الوطني الليبي) وبرلمان قائم (برلمان طبرق).
وقد تسبب الأمر بحال من الاقتتال الدامي في شوارع العاصمة، وهو ما أثار حفيظة العديد من الأطراف الدولية، وتسبب في نهاية الأمر بابتعاد القوات المؤيدة لباشاغا وبقاء الانقسام قائماً، حيث يبحث كل طرف عن الدعم الخارجي الذي يمكنه من البقاء ممسكاً بأطراف السلطة.
الخلاصات الأخيرة
ستضيف الاتفاقيات التي وقعتها أنقرة وطرابلس مزيداً من القوة إلى الدور التركي، ولن يكون هذا الدور مقتصراً على الداخل الليبي، بل ستكتسب أنقرة أيضاً قدرات أكبر لأداء دور إقليمي ودولي أوسع، إلا أنَّ المهمة لن تكون يسيرة في حال استطاعت القاهرة دعم أنصارها في الشرق، ورفع مستوى الاعتراف الدولي بهم، واستغلال الأمر في نقض الاتفاقات التي أجرتها تركيا مع حكومة عبد الحميد الدبيبة، كما يمكن للقاهرة تعطيل المساعي التركية للتوسع في التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط عبر رفع معدل التنسيق مع اليونان وفرنسا ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي.
من زاوية أخرى، تبدو القاهرة منهكة كثيراً بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وهي ليست مهيأة على مستوى طموح إدارتها لأداء دور دولي واقليمي واسع يمتاز بالتحدي والمناكفة. وفي ظل تميّز السياسة التركية بالبراغماتية، وسعيها نحو التصالح مع المحور العربي المناهض لها، فقد ينتهي الأمر إلى تفاهمات يتم عبرها تهدئة مصر، سواء في ملف الغاز أو عبر ضمان بقاء شرق ليبيا تحت سلطة الموالين لها، من دون أن يؤثر ذلك كله في الوجود التركي في غرب ليبيا. وبهذا تضمن أنقرة مكاسبها السياسية والاقتصادية، ويتجه تأثيرها في الملف الليبي نحو مزيد من الرسوخ والاستقرار والعلانية.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا اليوم عبر موقع أفريقيا برس





