نُذُرُ حرب قد تندلع بين الدبيبة وباشاغا

7
نُذُرُ حرب قد تندلع بين الدبيبة وباشاغا
نُذُرُ حرب قد تندلع بين الدبيبة وباشاغا

رشيد خشانة

أفريقيا برس – ليبيا. ستكون جلسة الإحاطة التي يعقدها مجلس الأمن يوم الأربعاء 24 الجاري، حول الوضع في ليبيا صعبة، ليس فقط بسبب الخلاف العلني بين الدول الكبرى حول الخطوات العاجلة الواجب اتخاذها لمنع اندلاع مواجهات عسكرية، وإنما أيضا بالنظر لعدم الاتفاق على تسمية موفد خاص جديد للبعثة الأممية للدعم في ليبيا. واضطر مجلس الأمن لإقرار تمديد قصير الأجل للبعثة، لمدة ثلاثة أشهر تبدأ من الأول من آب/اغسطس حتى 31 تشرين الأول/اكتوبر المقبل، وذلك للمرة الخامسة بسبب الخلاف بين الولايات المتحدة وروسيا حول إدارة البعثة.

وأعرب العديد من أعضاء المجلس، منهم أمريكا وألبانيا والنرويج، عن دعمهم لتجديد ولاية البعثة لمدة عام واحد، فيما حضت روسيا الأمين العام على مضاعفة جهوده لتعيين ممثل خاص في ليبيا. تزامنت هذه التطورات مع الإعلان عن تنظيم اجتماع موسع، الخميس الماضي، ضم أركان الدولة الليبية، وفي مقدمهم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ونائبي المجلس عبد الله اللافي وموسى الكوني، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، ومحافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير، ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية سليمان الشنطي.

ولم يرشح شيء عن الفحوى الحقيقي للاجتماع، ولا عن حضور ممثل تركي من عدمه، لكن المُلاحظ أن عقيلة صالح نطق بجملة مهمة وخطرة لدى زيارته الأخيرة لتركيا، إذ شدد على «ضرورة السماح لحكومة الاستقرار الوطني الموازية، برئاسة فتحي باشاغا، بممارسة عملها وسلطاتها على كامل الأراضي الليبية». ويقود هذا الموقف، في ظل رفض الدبيبة القاطع تسليم السلطة، إلى مواجهة جديدة، قد تتطور إلى حرب أهلية رابعة.

كما أن لقاء كل من رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الرئاسي “العدو اللدود للدبيبة” خالد المشري، ورئيس الحكومة المُعينة من مجلس النواب باشاغا في تركيا، لا يدل فقط على انقلاب التحالفات، وإنما أيضا على رعاية تركيا هذا التغيير الجوهري في ملامح المشهد الليبي، والذي يُرجح أن يكون الدبيبة ضحيته الأولى.

ومما يُؤكد هذه القراءة تحذير قائد الاستخبارات في حكومة الوحدة الوطنية المقال اللواء أسامة الجويلي، من أن هذا الفريق قد يُضطر لاستخدام القوة مكرها، لتأمين عمل حكومة باشاغا الموازية من العاصمة طرابلس.

واعتبر الجويلي في تصريحات نقلتها قناة «ليبيا بانوراما» أن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الدبيبة، باتت فاقدة للشرعية منذ منح مجلس النواب الثقة لحكومة باشاغا، مُوجها لها إنذارًا لمغادرة السلطة، دافعًا بتعزيزات عسكرية إلى طرابلس.

أكثر من ذلك اجتمع الجويلي مع قادة تشكيلات مسلحة من طرابلس ومصراتة للاستفسار منهم عن سبب اعتراضهم على دخول باشاغا وأعضاء حكومته العاصمة.

وكان الدبيبة أقال اللواء الجويلي من منصبه كرئيس لجهاز الاستخبارات العسكرية، في أيار/مايو الماضي، بسبب دوره في إدخال باشاغا إلى طرابلس. وشغل الجويلي منصب وزير الدفاع في حكومة عبد الرحيم الكيب الانتقالية “2012” وأمكن لـ«ثوار كتيبة الزنتان» التي كان يقودها من أسر سيف الاسلام نجل القذافي، واحتفظ به سنوات في الأسر.

وأفيد أن الجويلي طلب مغادرة الدبيبة بشكل سلمي، «لتجنيب طرابلس الحرب والخسائر، بسبب انتهاء ولايته وفق القانون واتفاق جنيف». وحسب موقع «إرم نيوز» كانت أغلب الكتائب المسلحة «غير متشبثة ببقاء الدبيبة بشكل قوي».

ومن أجل فرض نفسه على رأس الحكومة، تحالف باشاغا، مع غريميه السابقين في الشرق عقيلة صالح وخليفة حفتر. أما في طرابلس، فأبرم باشاغا اتفاقًا مع الميليشيات، بما في ذلك كتيبة «النواصي» وهي جماعة مهمة في العاصمة. وخارجيًا، كان هذا التحالف المناهض للدبيبة مدعومًا من عدة دول من بينها فرنسا وروسيا ومصر والإمارات.

وعلى الجانب المقابل، يحظى الدبيبة، وهو أيضًا من مواليد مصراتة، بدعم من ميليشيات هذه المدينة، بالإضافة إلى جماعات طرابلس، وكذلك تركيا والجزائر وإيطاليا.

وتوقع مراقبون أن يؤدي فشل التحالف غير الطبيعي، الذي شكله باشاغا مع اللواء حفتر إلى نهاية طموحاته. غير أن الأخطر من ذلك، برأي خبراء عسكريين ومُحللين للشؤون الدفاعية، أن الأسلحة ستستمر بالتدفق على الفرقاء الليبيين في الشرق كما في الغرب. وسينتهي الأمر ببعض الأسلحة التي تستلمُها أوكرانيا، إلى أماكن غير متوقعة من بينها ليبيا، وفي أيدي جيوش وميليشيات أخرى، على المدى البعيد. من هنا تشكل الأسلحة الأوكرانية مصدر خطورة على أمن ليبيا ومنطقة الساحل عموما.

ويستدل الخبراء على ذلك بأن الأسلحة التي كانت موجودة في البلقان العام 2012 انتهى أمرها إلى بنغازي. وفي تقدير سياسيين ليبيين لا يمكن علاج هذه المشاكل الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، إلا بإنهاء المراحل الانتقالية وإجراء الانتخابات، وصولا إلى الاستقرار.

ومع نهاية مهمة مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة ستيفاني ويليامز يوم 31 الشهر الماضي، توقع البعض عودة ليبيا إلى الفوضى، إذ لم ينجح مجلس الأمن الدولي في الاتفاق على اسم ممثل خاص للأمين العام في ليبيا، بعد اعتراض أمريكا الصريح على ترشيح وزير الخارجية الجزائري السابق صبري بوقادوم، في إطار مواجهة أشمل بين واشنطن وموسكو.

وعلى الرغم من أن مجلس الأمن سيعقد جلسة الاحاطة الخاصة بالملف الليبي، يوم 24 الجاري، تليها مشاورات جديدة، من المستبعد أن تُسفر هذه الجلسة عن قرارات حاسمة، بالنظر لحدة الصراع في المجلس بين روسيا وأمريكا، وإن لوحظ أن البلدان الأفريقية تدفع بقوة لكي يكون الموفد الخاص الجديد إلى ليبيا من القارة الأفريقية.

ارتفاع أسعار المواد الغذائية

وعلى المستوى الشعبي زاد من تفاقم الاحتقان والقلق، تفجّر فضائح فساد بشكل يكاد يكون يوميا، في أجهزة الدولة، بالرغم من رصد مليارات الدينارات لإصلاح قطاع الصحة العمومي وصيانة محطات الكهرباء وبناء أخرى، إلى جانب دعم السلع الغذائية والوقود. وكانت آخر القضايا المثيرة للجدل، في هذا المضمار، توجيه النائب العام أمرا بحبس سفير ليبيا لدى إيطاليا، وهو ممثل لحكومة الوحدة الوطنية الموقنة برئاسة الدبيبة. وتجدر الاشارة هنا الى أن الغزو الروسي لأوكرانيا في منتصف شباط/فبراير الماضي، ساهم في تفاقم هذه الأزمات المُتراكبة، إذ أكد تقرير حديث للبنك الدولي، أن أسعار المواد الغذائية في ليبيا ارتفعت بشكل ملحوظ، وبخاصة أسعار الدقيق.

كما تجدر الاشارة أيضا إلى أن أكثر من نصف استهلاك الحبوب يأتي من أوكرانيا وروسيا، فليبيا تستورد 54 في المئة من قمحها و62 في المئة من شعيرها و69 في المئة من محاصيلها من الذرة من أوكرانيا وروسيا، وهي إحدى دول الشرق الأوسط، إلى جانب مصر ولبنان واليمن وتونس، التي تعتمد بشكل كبير على المُنتجات الغذائية الروسية والأوكرانية. وبحسب أحدث البيانات التي أصدرتها منظمة الأغذية والزراعة، تستورد ليبيا نصف استهلاكها السنوي من القمح المقدر بحوالي 1.3 مليون طن، من أوكرانيا وروسيا.

ويرى خبراء أن تعدد الأزمات في ليبيا، وتأثيرها في أكثرية القطاعات، يؤديان في الغالب إلى تهميش مسألة الأمن الغذائي، إذ تفاقمت أزمة القمح بسبب تداعيات الحرب الأهلية والجفاف والتصحر وجائحة كورونا. ولوحظ أن ليبيا بدأت، بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، في البحث عن أسواق بديلة لإمدادها بالقمح، لاسيما الولايات المتحدة وكندا والأرجنتين ويوروغواي، لكنهم يؤكدون أيضا أن مثل هذا الانعطاف يستغرق وقتا طويلا، وأن ارتفاع الأسعار لا مهرب منه، بسبب مسافات الشحن الطويلة وارتفاع أسعار الوقود.

والأرجح أن هذه الضغوط ستجعل سلاح الدبيبة، المتمثل بشراء الاستقرار الأمني والاجتماعي بإجراءات ذات صدى شعبي، سلاحا غير قابل للاستمرار فترة أطول، خاصة أن ليبيا لم تستطع الاستفادة من الارتفاع العالمي لأسعار النفط، بسبب غلق الحقول والموانئ النفطية، الذي استمر لمدة ثلاثة أشهر، اعتبارا من نيسان/ابريل الماضي.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن ليبيا حازت على الرتبة الأولى أفريقيا من حيث احتياطاتها الأجنبية، على مدار أكثر من نصف قرن، بحسب تصنيف جديد للبنك الدولي. ووفق التصنيف بلغ حجم احتياطات ليبيا أكثر من 84 مليار دولار، ما بوأها المركز الأول، بينما حلت جنوب أفريقيا في المرتبة الثانية وبلغت احتياطاتها 57 مليار دولار، وحلت الجزائر ثالثة باحتياطات قُدرت بأكثر من 56 مليار دولار.

من هذه الزاوية يُنظر إلى الصراع الدائر بوطيس حام بين الدبيبة وباشاغا، في معركة كسر عظم، تُشجعها وتُغذيها قوى خارجية، ومن أخطر نتائجها إرجاء الحل السياسي، والإبقاء على مصير البلد مُرتهنا بين أيدي الجماعات المسلحة، بالرغم من التراجع النسبي لنفوذها.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا اليوم عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here