اغتيال المنصوري.. هل تتقاطع ليبيا مع حرب السودان؟

اغتيال المنصوري.. هل تتقاطع ليبيا مع حرب السودان؟
اغتيال المنصوري.. هل تتقاطع ليبيا مع حرب السودان؟

أفريقيا برس – ليبيا. لم يكن مقتل اللواء فوزي المنصوري مساء الاثنين 10 أغسطس/آب في بنغازي مجرد حادث أمني يضاف إلى سجل الاغتيالات والصراعات التي عرفتها ليبيا خلال السنوات الماضية. فالرجل الذي قاد منطقة سبها العسكرية لسنوات قبل أن يتولى إدارة الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا، كان قد عمل في واحدة من أكثر المناطق حساسية في البلاد، حيث تتقاطع الحدود الليبية مع تشاد والسودان، وتتحرك عبر الصحراء شبكات للتهريب والهجرة والوقود والسلاح والمقاتلين.

ومن هنا تكتسب عملية اغتياله بعداً يتجاوز شخصه، خصوصاً أن الجنوب الليبي أصبح خلال السنوات الأخيرة جزءاً من البيئة اللوجستية للحرب في السودان، التي تحولت بدورها إلى صراع إقليمي تتداخل فيه خطوط الإمداد والتحالفات والمصالح الاقتصادية والأمنية.

لكن ذلك لا يعني أن المنصوري كان بالضرورة جزءاً من هذه الشبكات أو أن اغتياله نفذ بسبب دوره السابق في الجنوب. فلا توجد حتى الآن أدلة علنية مستقلة تثبت علاقة مباشرة بين الرجل وشبكات نقل السلاح أو الوقود إلى قوات الدعم السريع. وبالتالي، فإن السؤال الأكثر دقة ليس: هل اغتيل المنصوري بسبب حرب السودان؟ وإنما: هل تزامن اغتياله مع الصراع على طرق الإمداد والنفوذ في جنوب ليبيا يستحق التحقيق في هذا الاحتمال؟

الجنوب الليبي.. جبهة خلفية لحرب السودان

تكشف المعطيات الدولية خلال السنوات الماضية أن جنوب ليبيا لم يعد مجرد منطقة حدودية نائية، بل تحول إلى عقدة استراتيجية في شبكة الحركة بين ليبيا وتشاد والسودان.

وتشير تقارير أممية إلى استخدام طرق عبر جنوب ليبيا، ولا سيما منطقة الكفرة، في نقل الوقود والمركبات والمعدات، مع وجود شبكات تضم جماعات مسلحة ومجموعات مرتبطة بتهريب البشر والسلع والمقاتلين. كما رصدت تقارير أخرى مسارات تمتد من جنوب شرق ليبيا باتجاه الحدود التشادية والسودانية، بما يؤكد أن المنطقة أصبحت جزءاً من منظومة إمداد عابرة للحدود.

وتكتسب هذه الطرق أهمية خاصة بسبب طبيعتها الجغرافية. فالحدود الليبية مع تشاد والسودان تمتد عبر مساحات صحراوية شاسعة يصعب إخضاعها لرقابة مركزية دائمة، الأمر الذي يسمح بظهور طرق بديلة ومسارات غير رسمية بعيداً عن المعابر التقليدية.

وفي يونيو/حزيران 2026، عادت الاتهامات السودانية أمام مجلس الأمن لتسلط الضوء على مسارات تبدأ من الموانئ والمطارات في شرق ليبيا ثم تمتد براً عبر الكفرة باتجاه السودان. ورغم أن هذه الاتهامات تتضمن ادعاءات سياسية متنازعاً عليها بشأن الجهات الداعمة، فإنها تؤكد أهمية الأراضي الليبية في الحسابات اللوجستية للحرب السودانية.

من سبها إلى الاستخبارات

تكمن أهمية المنصوري في هذا السياق في مساره العسكري نفسه.

فقد برز الرجل في صفوف قوات خليفة حفتر منذ السنوات الأولى لعملية الكرامة، وتولى لاحقاً مواقع قيادية في محاور عسكرية مختلفة، قبل أن يصل إلى قيادة منطقة سبها العسكرية عام 2021.

وكانت سبها بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا أكثر من مجرد منطقة عسكرية؛ فهي بوابة الجنوب وأحد أهم مفاتيح السيطرة على طرق تمتد باتجاه تشاد والسودان.

وخلال وجوده في سبها، كان ملف الحدود الجنوبية والتهريب والحركة عبر الصحراء من بين الملفات التي تقع في نطاق البيئة الأمنية التي يعمل فيها أي قائد عسكري للمنطقة. ثم جاء تعيينه مديراً للاستخبارات العسكرية في مايو/أيار 2024 ليرفع مستوى حساسية موقعه، إذ انتقل من قيادة منطقة جغرافية إلى موقع يرتبط بجمع المعلومات ومتابعة الملفات الأمنية والعسكرية.

وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط إثارة في قضية اغتياله: هل حمل المنصوري معه إلى إدارة الاستخبارات معرفة متراكمة بالفاعلين وشبكات المصالح التي تنشط في الجنوب؟

لا توجد إجابة مؤكدة حتى الآن، لكن طبيعة مساره تجعل هذا السؤال مشروعاً، خصوصاً في ظل ارتفاع قيمة المعلومات المرتبطة بالطرق الصحراوية ومراكز العبور والتحركات العسكرية.

حرب السودان تعيد رسم قيمة الجغرافيا

الحرب السودانية لم تعد محصورة داخل الحدود السودانية.

فمع امتداد القتال، أصبحت دارفور ومثلث ليبيا-تشاد-السودان منطقة استراتيجية في معادلة الحرب. وتشير تقارير حديثة إلى أن قوات الدعم السريع حافظت على شبكات إمداد مرتبطة بمناطق حدودية، بينما حاول الجيش السوداني استهداف مواقع وخطوط إمداد على الحدود مع ليبيا وتشاد. وفي مارس/آذار 2026، تحدثت تقارير عن ضربات استهدفت مواقع إمداد تابعة للدعم السريع قرب الحدود، في مؤشر على أن خطوط الإمداد أصبحت نفسها جزءاً من ساحة المعركة.

كما خلصت تقييمات دولية إلى أن سيطرة الدعم السريع على أجزاء واسعة من دارفور عززت أهمية طرق الاتصال مع ليبيا وتشاد، فيما أصبحت حركة السلاح والوقود والمقاتلين عبر المنطقة عاملاً أساسياً في استمرار الحرب.

وبذلك، فإن السيطرة على الطريق الصحراوي لا تقل أهمية أحياناً عن السيطرة على مدينة؛ لأن الطريق يعني القدرة على إدخال الوقود والذخائر والمركبات والأفراد، أو منع الخصم من الحصول عليها.

اغتيال أم تصفية داخلية؟

مع ذلك، تبقى فرضية ارتباط اغتيال المنصوري بحرب السودان واحدة من عدة فرضيات.

فالطريقة التي نُفذت بها العملية، وفق المعطيات المتداولة، يمكن أن تتوافق أيضاً مع نمط الاغتيالات والصراعات الاستخباراتية التي عرفتها بنغازي ومناطق شرق ليبيا خلال مراحل مختلفة.

وقد يكون الدافع مرتبطاً بصراع داخلي على النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، أو بتنافس بين مراكز القوى، أو بمعلومات حساسة امتلكها الرجل بحكم موقعه السابق والحالي.

وهناك احتمال آخر يتمثل في أن تكون العملية مرتبطة بإعادة ترتيب موازين النفوذ حول ملفات الجنوب والحدود والموارد ومسارات التجارة غير الرسمية. وفي هذه الحالة، لا يشترط أن يكون المنصوري طرفاً مباشراً في أي شبكة تهريب؛ فقد تكون معرفته بالملف أو موقعه الأمني كافية لجعله هدفاً في صراع أكبر.

وهذه نقطة مهمة، لأن تصفية مسؤول أمني لا تعني بالضرورة أن الشخص كان يدير شبكة بعينها. ففي الصراعات غير النظامية، قد تصبح المعلومات التي يمتلكها المسؤول أكثر قيمة من الأفعال التي يقوم بها.

لماذا تأتي العملية في هذا التوقيت؟

التوقيت هو أحد أكثر عناصر القضية إثارة للتساؤل.

فاغتيال مسؤول أمني رفيع في شرق ليبيا يأتي في مرحلة تشهد فيها الحدود الجنوبية اهتماماً متزايداً بسبب الحرب السودانية، وتغير مسارات الإمداد، وتشدد الرقابة على بعض الطرق، وظهور مسارات جديدة تربط جنوب شرق ليبيا بتشاد والسودان. وقد أشارت تحليلات تعتمد على صور الأقمار الصناعية إلى نشاط مستمر على طرق جديدة أو غير رسمية في المنطقة خلال أواخر 2025 وبدايات 2026.

وفي الوقت نفسه، تشير معطيات أخرى إلى أن شبكات السلاح والمرتزقة في ليبيا وتشاد والسودان أصبحت أكثر ترابطاً، بحيث لم تعد الحدود السياسية تعكس بالضرورة حدود النشاط الفعلي للشبكات المسلحة.

لذلك، فإن أي تغيير في قيادة جهاز أمني أو استخباراتي مسؤول عن متابعة هذه الملفات يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز الداخل الليبي.

حلقة في شبكة أكبر؟

إذا أثبت التحقيق لاحقاً وجود علاقة بين المنصوري وملف الإمدادات المتجهة إلى السودان، فإن عملية اغتياله ستكتسب بعداً مختلفاً تماماً، وقد تعني محاولة استهداف حلقة معلوماتية أو أمنية داخل شبكة إقليمية معقدة.

لكن حتى في هذه الحالة، لن يعني اغتياله بالضرورة انهيار تلك الشبكات؛ فالشبكات التي تعمل عبر الصحراء لا تعتمد عادة على شخص واحد، وإنما على مجموعة من الوسطاء والمجموعات المسلحة والطرق والمراكز اللوجستية والروابط المالية.

أما إذا أثبت التحقيق أن العملية كانت نتيجة صراع داخلي في شرق ليبيا، فإن ارتباطها بحرب السودان سيكون مجرد تزامن جغرافي وسياسي، لا أكثر.

وهنا تكمن أهمية التحقيق المستقل: في تحديد الجهة التي خططت للعملية، وطبيعة المعلومات التي كان المنصوري يتابعها قبل مقتله، والملفات التي كانت بحوزته، والاتصالات التي أجراها في الأيام السابقة، ومن استفاد من غيابه.

سؤال أكبر من اغتيال شخص

تضع قضية المنصوري الضوء على حقيقة أوسع: حرب السودان أعادت تعريف القيمة الاستراتيجية لجنوب ليبيا.

فالمنطقة التي كانت تُنظر إليها طويلاً باعتبارها هامشاً صحراوياً بعيداً عن مراكز القرار أصبحت اليوم نقطة التقاء بين الحرب السودانية، وشبكات التهريب، وتحركات المرتزقة، وتجارة الوقود، والنفوذ الإقليمي.

ولهذا فإن اغتيال مسؤول عسكري كان قد أمضى سنوات في قيادة إحدى أهم بوابات الجنوب لا يمكن فصله عن هذه البيئة الأمنية عند صياغة الأسئلة، حتى وإن كان من المبكر جداً تقديم إجابات نهائية.

المؤكد أن حرب السودان لم تعد تُخاض في الخرطوم ودارفور وحدهما. فامتداداتها تمتد إلى تشاد وليبيا وممرات الصحراء، حيث يمكن لطريق مهجور أو قاعدة نائية أو شبكة نقل صغيرة أن تؤثر في ميزان قوة جيش أو مليشيا على بعد مئات الكيلومترات.

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي تفرضه وفاة المنصوري لا يتعلق فقط بمن قتله، وإنما بما كان يعرفه، ومن كان يمكن أن يتضرر من معرفته، وما إذا كانت المعركة على طرق الإمداد في الصحراء قد بدأت تنتقل من استهداف القوافل إلى استهداف من يعرف خريطة هذه الطرق وشبكاتها.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here