الجنوب الليبي: “خاصرة رخوة” أم ضحية تهميش متعمد؟

الجنوب الليبي:
الجنوب الليبي: "خاصرة رخوة" أم ضحية تهميش متعمد؟

المهدي هندي

أفريقيا برس – ليبيا. لطالما كان الجنوب الليبي في الخطاب الرسمي مجرد “فضاء جغرافي” واسع، لكن الحقيقة المُرة التي تتكشف يوماً بعد يوم هي أن هذا الفضاء بات يمثل التهديد الأكبر لاستقرار الدولة الليبية برمتها. إن أزمة ضعف مراقبة الحدود الجنوبية ليست مجرد “خلل فني” في أبراج المراقبة، بل هي تجسيد حي لفشل الدولة المركزية ونتيجة طبيعية لسنوات من التغافل الاستراتيجي.

جغرافيا قاسية.. وسياسة أشد قسوة

عندما نتحدث عن حدود تمتد لآلاف الكيلومترات مع تشاد والنيجر والسودان، فنحن لا نتحدث عن خطوط على الخريطة، بل عن مسارات مفتوحة في قلب الصحراء الكبرى، تتحرك فيها شبكات الجريمة المنظمة بمرونة تفوق مرونة الأجهزة الأمنية المشتتة. إن وعورة التضاريس في مناطق مثل “جبال تيبستي” أو أودية “مرزق” و”غات” ليست هي العائق الوحيد، بل إن الغياب الحقيقي للدولة هو ما جعل من هذه المناطق “ممرات آمنة” لكل ما هو غير قانوني، من البشر إلى السلاح.

الانقسام: حينما تصبح الحدود ضحية “لعبة الكراسي”

لا يمكننا تجميل الواقع؛ فالانقسام المؤسسي بين الشرق والغرب جعل من ملف تأمين الجنوب ورقة للمساومة السياسية أكثر منه واجباً وطنياً. تعدد الولاءات داخل الأجسام العسكرية الموجودة في الجنوب جعل من التنسيق الأمني ضرباً من الخيال. فبينما تتصارع الأطراف على الشرعية في طرابلس وبنغازي، تُركت الحدود الجنوبية لقمة سائغة لمجموعات مسلحة عابرة للحدود، وأحياناً لمرتزقة يجدون في الفوضى بيئة مثالية للنمو.

الجنوب ليس مجرد “بوابة”.. إنه إنسان يعاني

الخطأ الفادح الذي تقع فيه الحكومات المتعاقبة هو النظر للجنوب كمنطقة عسكرية فقط. الحقيقة أن “ابن الجنوب” الذي يرى مدينته تفتقر لأبسط مقومات الحياة، من وقود وكهرباء وسيولة، يجد نفسه أحياناً مضطراً لغض الطرف عن أنشطة التهريب، أو حتى الانخراط فيها لتأمين لقمة العيش. إن استمرار تهميش فزان اقتصادياً هو الثغرة الأكبر التي تتدفق منها التهديدات الأمنية. لا يمكن تأمين الحدود بجندي جائع أو بمواطن يشعر أنه سقط من حسابات الدولة.

الابتزاز الأوروبي والدور المفقود

من المثير للسخرية أن نرى الاتحاد الأوروبي يركز كل جهوده ودعمه على “قوارب الموت” في المتوسط، بينما يتجاهل “شاحنات الموت” التي تعبر حدودنا الجنوبية. إن المقاربة الدولية التي تحاول تحويل ليبيا إلى “شرطي مرور” لحماية السواحل الأوروبية، دون تقديم دعم حقيقي لتأمين الحدود البرية أو تنمية دول المصدر، هي مقاربة عرجاء وتفتقر للعدالة.

ما وراء الرصاص.. الحل يبدأ من الداخل

إن الحل في الجنوب لن يأتي عبر حملات عسكرية مؤقتة تنتهي بانتهاء ميزانيتها. نحن بحاجة إلى:

• إرادة سياسية موحدة: تضع تأمين الجنوب فوق المناكفات السياسية، وتوحد غرف العمليات تحت قيادة مهنية.

• تنمية حقيقية: لا أمن بلا تنمية. يجب أن يشعر المواطن في الجنوب أن الدولة موجودة عبر الخدمات والمشاريع، وليس فقط عبر نقاط التفتيش.

• دبلوماسية حازمة: مع دول الجوار والاتحاد الأوروبي، لضمان تقاسم أعباء التأمين والمسؤولية الإنسانية.

خاتمة:

إن استمرار نزيف الحدود في الجنوب هو إنذار أخير. فإما أن تستعيد الدولة هيبتها وسيطرتها على كامل ترابها برؤية وطنية شاملة، أو أننا سنظل نراقب سيادتنا وهي تُنتهك يومياً تحت وطأة الرمال وشبكات التهريب. الجنوب هو قلب ليبيا، وإذا استمر هذا القلب في المعاناة، فلن يستقيم جسد الدولة أبداً.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here