الزاوية أمام تصعيد أمني يهدد النفط واستقرار غرب ليبيا

الزاوية أمام تصعيد أمني يهدد النفط واستقرار غرب ليبيا
الزاوية أمام تصعيد أمني يهدد النفط واستقرار غرب ليبيا

نسرين سليمان

أفريقيا برس – ليبيا. دخلت مدينة الزاوية، غرب العاصمة الليبية طرابلس، خلال الأسبوع الجاري مرحلة جديدة من التصعيد الأمني، بعدما انتقلت تداعيات الاشتباكات المسلحة التي شهدتها المدينة ومحيطها مطلع آب/أغسطس من المواجهات المباشرة بين التشكيلات المحلية إلى سلسلة هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت نفطية وخدمية حساسة، بينها خزانات وقود ومحطة لتحلية المياه ومنشآت للكهرباء، في تطور أعاد المخاوف من اتساع الصراع في الساحل الغربي وتحوله إلى مواجهة تستخدم فيها أدوات أكثر خطورة وقدرة على إلحاق أضرار بالبنية التحتية للدولة.

وجاء التصعيد امتدادا لمواجهات شهدتها الزاوية ومدينة صرمان المجاورة في الرابع من آب/أغسطس، وتركز جانب منها على الطريق الساحلي وفي محيط منطقة الحرشة القريبة من مصفاة الزاوية، وسط تنافس بين تشكيلات مسلحة محلية، من أبرزها مجموعات يقودها محمد بحرون المعروف بـ«الفار»، وأخرى مرتبطة بالكتيبة 103 بقيادة عثمان اللهب المعروف بـ«السلعة».

وأسفرت المواجهات عن سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين والمسلحين، وإغلاق أجزاء من الطريق الساحلي، كما امتدت تداعياتها إلى صرمان حيث فر سجناء خلال الاضطرابات.

وبعد أيام من هدوء المواجهات المباشرة، بدأ مسار أكثر خطورة صباح السبت 8 آب/أغسطس، عندما أعلنت شركة الزاوية لتكرير النفط اصطدام طائرة مسيرة بالخزان رقم 1-7 المخصص لتخزين النافتا غير المعالجة، ما أدى إلى حدوث ثقبين وتسرب جزء من محتوياته، من دون اندلاع حريق أو تسجيل إصابات. وحذرت الشركة آنذاك من خطورة استخدام معدات عسكرية داخل محيط المصفاة لما يشكله ذلك من تهديد للأرواح والمنشآت والبيئة المحيطة.

لكن الهجوم الأول لم يكن سوى بداية لسلسلة استهدافات متلاحقة. فقد تعرضت محطة تحلية مياه الزاوية لإصابة مباشرة بطائرة مسيرة، قبل أن يستهدف هجوم آخر الخزان رقم T-402 التابع لشركة البريقة لتسويق النفط والمخصص لتخزين بنزين السيارات، وكان يحتوي على نحو 4.5 ملايين لتر من الوقود. وأدى الاستهداف إلى اندلاع حريق كبير استمر لساعات قبل انهيار الخزان بالكامل، بينما استهدفت مسيرة أخرى مصنع خلط وتعبئة الزيوت وسقطت بالقرب من خزان الزيوت الأساسي وشبكة الأنابيب المستخدمة في التصنيع.

وتصاعد الموقف الثلاثاء مع إعلان المؤسسة الوطنية للنفط وقوع خامس استهداف للمجمع النفطي بطائرة مسيرة، في وقت كانت فرق الإطفاء لا تزال تتعامل مع آثار الهجمات السابقة. وأعلنت المؤسسة لاحقا السيطرة على جميع الحرائق، فيما أفاد جهاز الإسعاف والطوارئ بإصابة 18 شخصا بحالات اختناق بسبب الدخان، مع إخلاء عدد من السكان القاطنين قرب المصفاة بصورة احترازية. ولم تسجل وفيات جراء حرائق المجمع.

واتسعت دائرة الاستهدافات إلى منشآت الكهرباء، ما زاد المخاوف من تحول الهجمات من محاولة إلحاق الضرر بمواقع نفطية مرتبطة بالصراع المحلي إلى تهديد أوسع للبنية الخدمية في المدينة. وأعلنت الشركة العامة للكهرباء تعرض منشآت بالزاوية لهجمات، بينما وجهت حكومة الوحدة الوطنية لاحقا بالإسراع في صيانة محطة التحويل المتضررة وتوفير الإمكانيات اللازمة لإعادتها إلى الخدمة.

ودفعت خطورة الهجمات المؤسسة الوطنية للنفط إلى إعلان حالة الطوارئ القصوى والتحذير من أنها قد تضطر إلى وقف العمل في مصفاة الزاوية كليا وإعلان القوة القاهرة إذا استمرت الاعتداءات. وتمثل المصفاة إحدى أهم المنشآت النفطية في غرب البلاد، بطاقة تكريرية تبلغ نحو 120 ألف برميل يوميا، كما ترتبط بمنظومة إمدادات حقل الشرارة. ورغم الحرائق، قالت الجهات النفطية إن عمليات التزويد بالوقود لم تتوقف كليا، واستأنفت شركة البريقة العمليات من مستودع الزاوية مع الاعتماد على مخزونات طرابلس وخطط تشغيل بديلة لضمان استمرار الإمدادات.

سياسيا وأمنيا، رفع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة سقف خطابه، واعتبر استهداف المنشآت النفطية والصناعية بالطائرات المسيرة «جريمة خطيرة وتصعيدا لن يمر دون رد»، مؤكدا أن التحقيقات مستمرة لتحديد مصدر الطائرات والجهة التي تقف خلفها. وحتى الآن لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجمات، كما لم تعلن السلطات نتائج تحقيق تحدد هوية المنفذين بصورة رسمية.

وجاء الموقف الأكثر حدة من وزارة الدفاع، التي قالت إن «صبرها بدأ ينفد»، وإن مرحلة التحذير لن تستمر في ظل تكرار الاعتداءات، متوعدة باتخاذ إجراءات «رادعة وحاسمة». واعتبرت الوزارة أن استهداف المنشآت الحيوية عمل عدائي ممنهج تقف وراءه أطراف تعمل بدعم وتحريض من جهات خارجية، من دون أن تسمي هذه الأطراف، كما دعت المكونات الاجتماعية والقبلية في الزاوية إلى عدم توفير غطاء للمتورطين.

وفي المقابل، تحركت الحكومة لمعالجة التداعيات الميدانية، وشكلت لجنة لحصر الأضرار التي لحقت بالمنشآت الحيوية وتقييم آثارها، فيما أجرى وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة ومجلس الوزراء محمد بن غلبون زيارة للمدينة. كما تفقد رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان خزانات الوقود المتضررة والتقى فرق الإطفاء والفنيين الذين تعاملوا مع الحرائق.

دوليا، حذرت بعثة الأمم المتحدة من استمرار العنف في الزاوية وصرمان، وطالبت بوقف المواجهات وإنشاء آلية منسقة لسحب الأسلحة الثقيلة ونقلها بعيدا عن المناطق السكنية، معتبرة أن القتال أوقع ضحايا وألحق أضرارا بالممتلكات والبنية التحتية الحيوية. كما أدانت الولايات المتحدة الهجمات على مصفاة الزاوية، ودعا كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس إلى تحقيقات شاملة ومحاسبة المسؤولين، معتبرا التطورات دليلا إضافيا على الحاجة إلى مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة ومهنية.

وتكشف تطورات الأسبوع عن تحول نوعي في طبيعة النزاع بالزاوية. فبدلا من المواجهات المعتادة بالأسلحة المتوسطة والثقيلة داخل مناطق النفوذ، أدخل استخدام المسيّرات القدرة على استهداف منشآت استراتيجية من مسافة ومن دون الدخول في مواجهة أرضية مباشرة، وهو ما يرفع تكلفة أي جولة جديدة ويجعل منشآت النفط والكهرباء والمياه جزءا من معادلة الضغط بين القوى المتنافسة. كما أن بقاء الجهة التي تطلق المسيّرات مجهولة رسميا يفتح الباب أمام تبادل الاتهامات ويصعب الوصول إلى تسوية أمنية مستقرة.

وتبدو احتمالات المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة حكومة الوحدة على تحويل تهديداتها إلى ترتيبات أمنية فعلية. فالسيناريو الأول يتمثل في احتواء التصعيد عبر تفاهمات محلية وإعادة توزيع القوات وتأمين المصفاة والمنشآت الحيوية، وهو ما قد يعيد هدوءا مؤقتا إلى الساحل الغربي. أما السيناريو الثاني، والأكثر خطورة، فيقوم على فشل هذه التفاهمات أو تنفيذ عملية عسكرية ضد أحد الأطراف، بما قد يعيد المواجهات الأرضية ويدفع إلى استخدام أوسع للمسيّرات.

وفي الحالتين، أظهرت أزمة الزاوية أن المشكلة تتجاوز خلافا بين مجموعات محلية؛ إذ كشفت هشاشة منظومة حماية المنشآت الاستراتيجية واستمرار تعدد مراكز القوة المسلحة رغم تبعيتها الاسمية لمؤسسات الدولة. ولذلك فإن الهدوء الحالي، ما لم يقترن بكشف منفذي الهجمات وإبعاد السلاح الثقيل والطائرات المسيرة عن المناطق السكنية والنفطية، قد يبقى مجرد هدنة بين جولتين، خصوصا مع استمرار الأسباب التي فجرت الصراع والتنافس على النفوذ والمواقع والموارد في واحدة من أكثر مناطق غرب ليبيا حساسية.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here