صلاح الدين الجورشي
أفريقيا برس – ليبيا. ارتبطت مصائر أسر في التاريخ بالصراع على السلطة، وذهب أبناؤها قرباناً لذلك. منها عائلة معمّر القذافي الذي اغتيل ابنه سيف الإسلام أخيراً، بعد مقتل والده يوم 20 أكتوبر/ تشرين الأول2011 بمعية ابن آخر له خلال تلك الانتفاضة المسلحة التي أنهت حكمه بعد 40 عاماً من التفرّد بالسلطة المطلقة.
في آخر زيارة قمت بها لـ”الجماهيرية” الليبية قبل سقوط النظام، حضرت جلسة كان ضيف الشرف فيها سيف الإسلام. كان في تلك الفترة مشغولاً بترويج مشروع سياسي تحت عنوان “ليبيا الغد”. وكان هذا المشروع مغايراً لفكر والده، إذ من بين ركائزه وضع دستورٍ لبلد بقي محكوماً بشعارات “الكتاب الأخضر”. كذلك دعا سيف إلى بناء “مجتمع مدني قوي”، وعمل على إدماج الشباب في نقاشٍ حرٍّ حول مستقبل ليبيا وبناء نظام اقتصادي مختلفٍ عما كان قائماً. وبتعبير آخر، كان سيف يسعى لبناء “دولة جديدة”، لكن اللقاء كشف عن شخصٍ مرهقٍ وضعيف، وغير قادرٍ على تحويل خطابه إلى سياسات قابلة للتنفيذ، بسبب معارضة الحرس القديم النظامَ، وبالأخص أن والده شجّعه على بناء علاقات إيجابية مع الغرب، لكنه لم يكن مستعداً لمراجعة أسلوبه في الحكم، فالقذافي لم يكن قادراً على أن يغير جلده ويصبح شخصاً آخر يلعب دوراً “ديمقراطياً”. لقد قرّر الأب المتعنّت أن يواصل السير بسرعة قصوى في طريق مسدود قاد البلاد نحو الانهيار والتمرّد الجماعي.
بعد انهيار النظام، تشتتت عائلة القذافي، ودخلت ليبيا مرحلة اتسمت بعدم الاستقرار، وانقسمت إدارياً وسياسياً بين شرق وغرب. واعتمد المتصارعون على السلطة على السلاح بدل الرأي العام والآليات الديمقراطية، ما أدّى إلى تعميق الانقسام وفقدان الثقة، والخضوع للابتزاز الخارجي من جهة ومصالح المليشيات في الداخل من جهة أخرى.
ظن سيف الإسلام أن السياق المحلي يسمح له باستعادة القيادة بعد فترة طويلة من الاعتقال، فأعلن الترشّح لخوض الانتخابات الرئاسية التي ستشهدها ليبيا قريبا، ولم يتخيّل أن الوحوش الضارية ستكون أسرع منه، وتضع حدّاً لحياته ولحلمه في حكم ليبيا، فهذا البلد الغني بنفطه وبموقعه الاستراتيجي محكوم عليه، إقليمياً ودولياً، بالبقاء في دوامة العنف والتبعية وصراع القبائل والمسلحين من كل حدب وصوب.
تكمن معضلة ليبيا في التراث الاستبدادي الذي خلفه حكم القذافي، فالأضرار التي تنتج من أي نظام مستبد لا تنتهي آثارها عند لحظة سقوطه، بل تستمر فترة طويلة، ما لم يقع بناء منظومة ديمقراطية صلبة ودائمة. إذ من صفات المستبد أنه لا يسمع غير الذي يريد، ولا ينظر إلى ما هو أبعد من أنفه، ولا يفكر في ما سيحدث له ولعائلته بعد خروجه من السلطة. هو حبيس اللحظة التي يعيشها وكأنها لحظة دائمة، ويتناسى أن الدولة ستستمر دونه، وإن هاجمه العجز بحث عن البديل من أبنائه لتوريثه “العرش”، مهما تكن طبيعة الحكم، ملكية أو جمهورية أو “ثورية”.
لم يخطر في بال معمّر القذافي أن يترك ليبيا ممزّقة وغير قادرة على أن تحكم نفسها بنفسها، وهو الذي سعي نحو توحيد أفريقيا وتغيير موازين القوى العالمية. وكانت نتيجة هذه الفانتازيا قتله هو وعدة أبناء له، وتحويل هذا البلد الثري والجميل إلى ملعب مفتوح، يلعب فيه الهواة، ويتسابق في زواياه النسور الكواسر، ويتقاسمه أصحاب النفوذ بمختلف أقنعتهم من دون رادع ولا رقيب.
من له مصلحة في اغتيال سيف الإسلام القذافي؟ في انتظار ما ستكشف عنه الجهات الأمنية والقضائية، يقال إن لهذا الرجل، رغم حجم أنصاره القليل، خصوم كثر في ليبيا وخارجها، لأسباب عديدة ومتشابكة. لكن الأهم من معرفة هوية القاتل، التساؤل عن تداعيات هذه الجريمة على الليبيين، فالاغتيال جرى في توقيت حرج، حيث تجري محاولات لتحقيق نوع من المصالحة قبل موعد الانتخابات، فمن له مصلحة في إفساد هذه المحاولة؟ حمى الله ليبيا مما هو أسوأ.





