نسرين سليمان
أفريقيا برس – ليبيا. أعادت الذكرى السادسة والثمانون لتأسيس الجيش الليبي ملف توحيد المؤسسة العسكرية إلى صدارة المشهد في البلاد، بعدما تحولت المناسبة إلى منصة لإطلاق مواقف متزامنة من قادة المؤسسات السياسية والعسكرية، اتفقت في الدعوة إلى إنهاء الانقسام وبناء جيش موحد، لكنها عكست في الوقت نفسه استمرار التباين بشأن شكل المؤسسة العسكرية وقيادتها وعلاقتها بالسلطة السياسية.
وجاء أبرز هذه المواقف على لسان رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، الذي قال إن توحيد المؤسسة العسكرية أصبح ضرورة «لا تحتمل التأجيل»، مؤكداً أن ليبيا تحتاج إلى «جيش قوي واحد مهني ومنضبط لا يتدخل في السياسة»، وأن دوره يجب أن يقتصر على حماية البلاد وسيادتها بدلاً من التحول إلى طرف في الصراع على الحكم.
وقال الدبيبة، خلال حفل تخريج دفعات جديدة من طلبة الأكاديميات والكليات العسكرية في جنزور، غرب طرابلس، إن المطلوب هو «جيش يحمي الحدود والسيادة ويواجه الأخطار التي تواجه الدولة، ويكون جزءاً من الدولة لا بديلاً عنها»، مضيفاً: «يحمي الحدود ولا يصنع الحكومات».
وشهد الحفل رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي وعضو المجلس عبد الله اللافي، إلى جانب الدبيبة ورئيس الأركان العامة ورؤساء الأركان النوعية وآمري المناطق العسكرية وعدد من القيادات والمسؤولين، فيما غاب عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني.
وشدد الدبيبة على أن مشروع توحيد المؤسسة العسكرية لا ينبغي أن يقتصر على الاسم أو المظهر، وإنما يشمل «توحيد القيادة والقرار والعقيدة العسكرية والتدريب والتأهيل، وصولاً إلى جيش واحد وقرار واحد»، مؤكداً أن العملية لا تقوم على إقصاء أي طرف، وأن لكل عسكري ملتزم بالقانون مكاناً في المؤسسة.
كما دعا إلى إنهاء مرحلة الحروب الداخلية، قائلاً إن «زمن الحرب يجب أن ينتهي»، وإن السلاح لا يمكن أن يكون وسيلة لحسم الخلاف السياسي، معتبراً أن الأموال التي استنزفتها الصراعات المسلحة ينبغي توجيهها إلى البناء والتنمية.
وجاء موقف الدبيبة متقاطعاً مع خطاب رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، الذي أكد المضي في الخطوات الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية، لكنه ركز بصورة خاصة على ضرورة خضوعها لقيادة مدنية موحدة وإبعادها عن الصراعات السياسية والجهوية والقبلية.
وقال المنفي إن المؤسسة العسكرية المنشودة «ليست مؤسسة لطرف في مواجهة طرف آخر»، وإنما مؤسسة وطنية تتولى حماية الحدود والسيادة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وحماية المواطنين، بعيداً عن استخدامها أداة في التنافس على السلطة.
وأضاف أن السلاح الذي تحمله مؤسسات الدولة «ليس امتيازاً على المواطنين، وإنما أمانة ومسؤولية لحمايتهم»، مشدداً على أن قوة العسكري لا تقاس بالسلاح وحده، بل بالانضباط والولاء للقانون والابتعاد عن التجاذبات السياسية.
واعتبر أن الوفاء لمؤسسي الجيش يقتضي استكمال مشروع «دولة واحدة، وسيادة واحدة، ومؤسسة عسكرية وطنية واحدة»، قائلاً إن الوقت حان لتوريث الأجيال القادمة دولة «يكون الجيش فيها حارساً للوطن، لا طرفاً في الخصومة».
وفي شرق ليبيا، حضرت الدعوة إلى وحدة المؤسسة العسكرية أيضاً في بيان لرئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، الذي قال إن المرحلة الحالية تتطلب «الابتعاد عن كل ما من شأنه إضعاف مؤسسات الدولة»، وإن بناء جيش وطني قوي ومؤهل وموحد يمثل ضرورة لحماية السيادة والحدود ومقدرات البلاد.
غير أن صالح وجه تهنئته بالمناسبة إلى اللواء المتقاعد خليفة حفتر ونجليه صدام وخالد حفتر، اللذين يتوليان منصبي نائب قائد «القيادة العامة» ورئيس أركان قواتها، مشيداً بما وصفها بالجهود المبذولة للارتقاء بالمؤسسة العسكرية وتعزيز جاهزيتها»، داعياً إلى وحدة الصف والعمل من أجل دولة قوية ومستقرة تكون فيها المؤسسة العسكرية مكلفة بحماية البلاد وسيادتها.
وفي الاتجاه نفسه، وصف رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد قوات «القيادة العامة» بأنها عنوان لسيادة البلاد ودرع لحماية أراضيها، ووجه تهنئته إلى حفتر وقياداته العسكرية، مؤكداً ضرورة دعم المؤسسة العسكرية وتعزيز دورها.
وتكشف المواقف الصادرة في الذكرى السنوية عن استمرار مفارقة رافقت ملف الجيش خلال السنوات الماضية، إذ تتفق الأطراف الرئيسية نظرياً على ضرورة وجود مؤسسة عسكرية موحدة، بينما لا تزال الخلافات قائمة بشأن بنيتها وقيادتها والمرجعية السياسية التي تخضع لها، فضلاً عن مصير التشكيلات المسلحة المنتشرة في مناطق مختلفة من البلاد.
ويأتي تجدد الحديث عن توحيد الجيش في وقت شهد فيه هذا الملف خلال الأشهر الأخيرة تحركات واتصالات داخلية وخارجية، وسط محاولات لإعادة تنشيط قنوات التواصل بين القيادات العسكرية في شرق البلاد وغربها.
وكانت تصريحات صدرت أخيراً عن قيادات عسكرية من الجانبين قد أعادت الحديث عن إمكانية تحقيق تقدم في هذا المسار، فيما رحب مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، بما وصفه بـ»التقدم المستمر» في جهود توحيد المؤسسة العسكرية، عقب زيارة وفد من الكونغرس الأمريكي إلى بنغازي وطرابلس ولقائه مسؤولين وقيادات من الطرفين.
ورغم الاتصالات التي جرت خلال السنوات الماضية، لم تنجح الجهود حتى الآن في الوصول إلى قيادة عسكرية واحدة، إذ لا تزال البلاد تعيش انقساماً فعلياً بين قوات وتشكيلات عسكرية وأمنية تعمل تحت سلطات مختلفة في الشرق والغرب.
وشكلت اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، التي تضم خمسة ضباط من كل طرف، أبرز إطار للحوار العسكري منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2020. ونجحت اللجنة في تثبيت وقف إطلاق النار ومعالجة عدد من الملفات الأمنية، إلا أن الهدف الأوسع المتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية ظل دون حسم، بالتوازي مع استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي.
وتزداد أهمية الملف مع استمرار وجود تشكيلات مسلحة متعددة خارج بنية عسكرية وطنية موحدة، خصوصاً في غرب البلاد، بينما تتركز القوة العسكرية في الشرق تحت سيطرة «القيادة العامة» بقيادة حفتر، ما يجعل أي عملية توحيد مرتبطة بتسوية أوسع تتناول القيادة والتراتبية العسكرية وعلاقة الجيش بالسلطة المدنية.
وجاءت ذكرى تأسيس الجيش هذا العام بعد أيام من توترات واشتباكات مسلحة شهدتها مدينتا صرمان والزاوية غرب البلاد، وأعادت بدورها إلى الواجهة مشكلة تعدد القوى المسلحة وغياب سلطة أمنية وعسكرية موحدة قادرة على فرض سيطرتها في أنحاء البلاد.
وتعود ذكرى التاسع من أغسطس/ آب إلى عام 1940، عندما تشكل ما عرف آنذاك بـ»الجيش السنوسي» من متطوعين ليبيين خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن تتطور المؤسسة العسكرية بعد استقلال البلاد.
وبعد 86 عاماً على تلك البداية، بدت خطابات الذكرى هذا العام مركزة بدرجة أقل على الاحتفال التاريخي وبدرجة أكبر على أزمة الحاضر، إذ تكررت في تصريحات المسؤولين عبارات «الجيش الواحد» و»القيادة الموحدة» وضرورة إبعاد المؤسسة العسكرية عن الصراع السياسي.
لكن تحويل هذه الدعوات إلى واقع يظل مرتبطاً بقدرة الأطراف الليبية على التوافق بشأن السؤال الأكثر تعقيداً في هذا الملف: شكل القيادة العسكرية الموحدة والسلطة المدنية التي ستخضع لها، وهي قضية ظلت طوال السنوات الماضية مرتبطة مباشرة بالصراع السياسي على السلطة وتعثر الوصول إلى مؤسسات تنفيذية موحدة وانتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة.





