آمنة جبران
أهم ما يجب معرفته
في حوار مع “أفريقيا برس”، أكد السياسي الليبي محمد بو خروبه أن الظروف الحالية في ليبيا مواتية لتوحيد المؤسسة العسكرية. وأشار إلى تذمر الشعب من الوضع الراهن، محذرًا من أن استمرار الأداء الحالي لمجلسي النواب والدولة قد يعيق إجراء انتخابات حقيقية. كما تناول تداعيات مقتل سيف الإسلام القذافي على المشهد السياسي.
أفريقيا برس – ليبيا. اعتبر السياسي الليبي محمد بوخروبه، في حواره مع “أفريقيا برس”، أن “المناخ مهيأ حاليًا في ليبيا لأجل توحيد المؤسسة العسكرية، وذلك بسبب الإرهاق الشعبي والتذمر الواسع من استمرار هذه المرحلة وظروف اجتماعية واقتصادية متفاقمة، وإدراك إقليمي بأن استقرار ليبيا مصلحة مشتركة وضرورة وحدة المواجهات العسكرية المباشرة.”
ولفت إلى أن “المواطن الليبي يدفع ثمن صراع سياسي طويل بينما تستمر المرحلة الانتقالية بلا سقف زمني واضح، وإذا استمر أداء مجلسي النواب والدولة بهذه الذهنية فلن تجرى انتخابات حقيقية بل سيبقى الملف ورقة ضغط متبادلة، أما إن توفرت إرادة صادقة فإن الاتفاق ممكن خلال فترة قصيرة.”
وفي معرض تعليقه على اغتيال سيف الإسلام القذافي في الآونة الأخيرة، رأى أن “غيابه من المشهد يطرح جملة من التساؤلات حول شكل الاصطفافات القادمة، وأن مقتله قد يؤدي إلى أحد هذين المسارين، إما تفكك التيار المؤيد له نتيجة غياب هذه الشخصية، أو تحوله إلى رمزية تعبئة تستثمر عاطفيًا دون قدرة فعلية على فرض واقع سياسي جديد”. وفق تقديره.
د. محمد سليمان بوخروبه هو أكاديمي وسياسي ليبي، وهو حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية.
ماهي تداعيات مقتل سيف الإسلام القذافي على المشهد الليبي، وفق تقديرك؟
في ظل تعقيدات المشهد الليبي وتعدد مراكزها السياسية والعسكرية، يظل اسم سيف الإسلام القذافي أحد العناوين المثيرة للجدل داخل معادلة التوازنات الداخلية. غيابه من المشهد يطرح جملة من التساؤلات حول شكل الاصطفافات القادمة، ومآلات مشروع الدولة الوطنية في ليبيا.
من الناحية الواقعية، يمثل سيف الإسلام رمزًا لشريحة من الليبيين، خاصة جزء من أنصار النظام السابق وبعض المكونات القبلية في الوسط والجنوب، غير أن حضوره ظل سياسيًا أكثر منه ميدانيًا، إذ لم يمتلك أدوات القوة الصلبة المؤثرة في توازنات الأرض، والتي تميل اليوم لصالح قوى منظمة. مقتل سيف الإسلام يؤدي إلى أحد هذين المسارين، إما تفكك التيار المؤيد له نتيجة غياب هذه الشخصية، أو تحوله إلى رمزية تعبئة تستثمر عاطفيًا دون قدرة فعلية على فرض واقع سياسي جديد. غير أن المعطى الأهم هو أن موازين القوى في ليبيا لم تعد تدار بالشعارات أو الرمزية، بل بمدى القدرة على فرض الأمن وبناء مؤسسات الدولة. ومن هنا، فإن أي فراغ داخل هذا التيار سيعيد توجيه جزء من قاعدته نحو الخيارات الأكثر تنظيمًا وانضباطًا، وفي مقدمتها مشروع المؤسسة العسكرية الوطنية. من زاوية المشروع الوطني الذي تتبناه القوات المسلحة الليبية، فإن غياب قطب سياسي كان يستقطب شريحة من المؤيدين قد يفتح المجال لإعادة تجميع هذا المكون داخل رؤية أوسع للدولة قائمة على احتكار السلاح بيد المؤسسة العسكرية وإنهاء الانقسام المؤسسي والذهاب نحو انتخابات تجرى في بيئة آمنة وخالية من سطوة السلاح غير النظامي.
مَن أكثر المستفيدين والمتضررين من غياب سيف الإسلام القذافي؟
برأيي، المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل المشاريع المتوازية، بل تتطلب مسارًا واضحًا نحو استعادة الدولة، وهو التحدي الحقيقي الذي سيحكم شكل ليبيا في السنوات القادمة.
كيف تقرأ المشهد الليبي بعد مرور 15 عامًا على اندلاع ثورة فبراير، أي نجاحات وإخفاقات؟
المشهد الليبي بعد 15 عامًا على اندلاع أحداث فبراير، أولها دخول البلاد في ازدواج سياسي وحكومي مع وجود سلطات متنافسة ومؤسسات موازية. انهيار المنظومة الأمنية حيث تحولت التشكيلات المسلحة إلى لاعب رئيسي في السياسة في غرب البلاد، ما أضعف سلطة الدولة وأعاق الاستقرار. الوضع الاقتصادي ازداد تفاقمًا رغم امتلاك ليبيا أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا. تراجعت الخدمات العامة وتفاقم الفساد، وتكررت أزمات الكهرباء والسيولة، بينما بقيت الثروة النفطية رهينة التجاذبات السياسية، وتحولت ليبيا إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي ما عمق الانقسام وأطال أمد الأزمة الليبية.
إذا كان معيار التقييم هو إسقاط النظام السابق، فقد نجحت ثورة فبراير في ذلك، أما إذا كان المعيار هو بناء دولة مستقرة وموحدة خلال فترة معقولة، فإن المسار تعثر بشكل واضح. بعد خمسة عشر عامًا، لم يعد الجدل في المشهد الليبي وما وصلنا إليه بقدر ما أصبح حول سؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن تحويل هذه التجربة بكل آلامها إلى نقطة انطلاق لبناء دولة مستقرة تنهي الانقسام، وتعيد القرار إلى مؤسسات منتخبة وتحتكر السلاح تحت راية واحدة.
ما مدى جدية الأطراف الليبية في الدفع نحو إجراء الانتخابات، أم أن هناك محاولات متعمدة من الداخل والخارج لإعاقة هذا المسار؟
على المستوى العلني، تعلن مختلف الأطراف دعمها للانتخابات باعتبارها المخرج الوحيد للانقسام. حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة تؤكد تمسكها بإجراء انتخابات، لكنها تتمسك بالبقاء كسلطة تنفيذية حتى إنجازها، وهو ما يثير الشكوك حول مدى استعدادها لتسليم السلطة في حال خسارة الاستحقاق. مجلس النواب يطالب بقاعدة دستورية واضحة وضمانات أمنية قبل أي اقتراع، ويرى أن الذهاب إلى انتخابات دون تفكيك نفوذ الميليشيات في غرب البلاد قد يعيد إنتاج الفوضى. مجلس الدولة لا يبدو رافضًا للانتخابات، لكنه ليس مستعدًا للمضي فيها بأي ثمن. في المحصلة، يبدو أن كل طرف يدعم الانتخابات من حيث المبدأ لكنه يسعى إلى ضمان شروط مسبقة تحمي موقعه في أي معادلة قادمة. أيضًا، المجتمع الدولي يعلن باستمرار دعمه للانتخابات بوصفها المسار الشرعي لإنهاء الانقسام، غير أن القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف الليبي تنظر أيضًا إلى مصالحها الاستراتيجية سواء في الطاقة أو النفوذ الجيوسياسي أو ملف الهجرة. بعض هذه القوى قد ترى في الاستقرار الانتخابي تهديدًا لنفوذها إن جاءت النتائج بسلطة لا تتقاطع مع مصالحها، ما يفتح الباب أمام فرض شروط غير مباشرة أو دعم أطراف بعينها.
هل ترى أن البعثة الأممية تعمل وفق مصالح دول كبرى أكثر من كونها وسيطًا محايدًا، وهل هي قادرة على تنظيم الاستحقاق الانتخابي القادم؟
البعثة الأممية تعمل ضمن منظومة دولية تحكمها المصالح، ولا يمكن فصل أدائها عن حسابات القوى الكبرى، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع فرض مسار لا يحظى بقبول داخلي. الاستحقاق الانتخابي في ليبيا لن يحسم في أروقة الأمم المتحدة بل في مدى استعداد الأطراف الليبية لتقديم تنازلات متبادلة. أما البعثة فتبقى عاملاً مساعدًا أو معرقلًا بحسب طبيعة التوافق الدولي والوطني المحيط بها، لكنها ليست الفاعل الحاسم الوحيد في المعادلة. ولكن أكون جازمًا إذا قلت يجب أن يكون الحل ليبي-ليبي.
كيف تقيّمون أداء مجلسي النواب والدولة في ظل التعثر المستمر للوصول إلى توافق سياسي؟
يمكن القول إن مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة لم ينجحا في مهمتهما الأساسية وهي إيصال البلاد إلى انتخابات تنهي المراحل الانتقالية. المشكلة لم تعد في نقص المبادرات أو الاجتماعات بل في غياب الإرادة السياسية الكاملة لتقديم تنازلات. كلا المجلسين يتحرك ضمن حسابات نفوذ وضمانات مستقبلية، ويخشى أن تنتج الانتخابات سلطة تعيد تشكيل موازين القوة على حسابه. بمعنى أكثر، مجلس النواب يميل إلى استخدام صلاحياته التشريعية للحسم عندما يتعثر التوافق، ومجلس الدولة يتمسك بشرط التوافق الكامل ما يمنحه عمليًا قدرة على التعطيل. والنتيجة أن المواطن الليبي يدفع ثمن صراع سياسي طويل بينما تستمر المرحلة الانتقالية بلا سقف زمني واضح. وإذا استمر الأداء بهذه الذهنية فلن تجرى انتخابات حقيقية بل سيبقى الملف ورقة ضغط متبادلة. أما إن توفرت إرادة صادقة فإن الاتفاق ممكن خلال فترة قصيرة، لذلك يجب تغليب الحسابات الضيقة على مصلحة الدولة، والمخرج لن يكون عبر مزيد من النصوص بل عبر قرار سياسي شجاع بإنهاء المرحلة الانتقالية فعلًا لا قولًا.
هل يمكن اليوم طي صفحة الماضي في ليبيا والمضي نحو تنظيم الانتخابات وتوحيد المؤسسة العسكرية وتجاوز الانقسام؟
السؤال لم يعد عاطفيًا بقدر ما أصبح سياسيًا عمليًا. هل تستطيع ليبيا طي صفحة الماضي والمضي نحو انتخابات شاملة وتوحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء الانقسام الذي طال أمده؟ منذ 2011، تراكمت ملفات ثقيلة، صراعات مسلحة واستقطاب إيديولوجي وانقسامات جغرافية. طي الصفحة يجب أن تدار آثاره عبر مصالحة وطنية حقيقية وعدالة انتقالية متدرجة وضمانات لعدم الإقصاء السياسي. الانتخابات ممكنة، ولكن نجاحها يتطلب قاعدة دستورية واضحة ومتوافق عليها من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وضمانات أمنية والتزام مسبق بقبول النتائج من جميع الأطراف.
أما ما يخص توحيد المؤسسة العسكرية، وهذا هو التحدي الأكبر، فقد شهدت السنوات الماضية جولات حوار عسكرية، أبرزها اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 التي ضمت ضباطًا من شرق البلاد وغربها، وهذه اللجنة نجحت في عدة ملفات. ولكن الواقع على الأرض يثبت بأن 75% من الجغرافيا الليبية تحت سيطرة القوات المسلحة العربية الليبية ببنية عسكرية أكثر تماسكا وتسلسل قيادي واضح وهيكل تنظيمي موحد. أعتقد أن المناخ الآن مهيأ. هناك ثلاثة عوامل إيجابية نسبيًا: إرهاق شعبي وتذمر واسع من استمرار هذه المرحلة وظروف اجتماعية واقتصادية متفاقمة، وإدراك إقليمي بأن استقرار ليبيا مصلحة مشتركة وضرورة وحدة المواجهات العسكرية المباشرة. ولكن في المقابل، هناك شبكات مصالح اقتصادية مستفيدة من الوضع القائم وقوى سياسية تخشى خسارة نفوذها عبر الانتخابات وتدخلات خارجية تحركها حسابات استراتيجية.
طي صفحة الماضي في ليبيا ممكن سياسيًا، الانتخابات يمكن تنظيمها خلال أشهر إذا توفرت الإرادة، وتوحيد المؤسسة العسكرية بدأ فعليًا عبر لجانها المشتركة، لكن تجاوز الانقسام يتطلب قرارًا وطنيًا جامعًا يضع بقاء الدولة فوق كل اعتبار. ليبيا اليوم ليست أمام معادلة مستحيلة بل أمام اختبار نضج سياسي، إما الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها أو استمرار الدوران في حلقة انتقالية مفتوحة. المفتاح ليس في الخارج فقط، بل في استعداد الليبيين قيادة ومؤسسات لتحمل كلفة التسوية من أجل استعادة الدولة.





