أحمد الخميسي
أفريقيا برس – ليبيا. كشفت نتائج مسح وطني حديث في ليبيا عن تفاوتات واضحة في مستويات المعيشة والوصول إلى الخدمات الأساسية بين الأسر الليبية، مع فجوات مرتبطة بالثروة والتعليم ومكان الإقامة، إلى جانب مؤشرات عن أوضاع الأطفال والنساء والصحة والنزوح الداخلي. وأصدرت مصلحة الإحصاء والتعداد الليبية، في 6 أغسطس/ آب 2026، التقرير الوطني الموسع لنتائج المسح العنقودي متعدد المؤشرات للفترة 2024 – 2025، بالتعاون الفني مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” وبتمويل من الاتحاد الأوروبي. ويهدف التقرير إلى توفير بيانات أسرية حديثة قابلة للمقارنة دولياً، ودعم التخطيط وصنع السياسات القائمة على الأدلة، وإتاحة قاعدة بيانات للجهات الحكومية والباحثين وشركاء التنمية تساعدهم على متابعة التفاوتات بين المناطق والفئات الاجتماعية.
وكانت مصلحة الإحصاء والتعداد قد أعلنت النتائج الرئيسية للمسح في طرابلس يوم 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، قبل نشر التقرير الوطني الموسع، وفق بيان صادر عن يونيسف. وشمل المسح عينة وطنية ممثلة للسكان بلغت 17 ألفاً و880 أسرة، بمعدل استجابة بلغ 99.1%، فيما غطت الدراسة المناطق الإدارية الـ22 في ليبيا، وصنفت النتائج وفقاً للجنس والعمر والمنطقة ومكان الإقامة في الحضر أو الريف، إلى جانب شرائح الثروة الخمس. وقاس المسح 142 مؤشراً قابلاً للمقارنة دولياً، بينها 29 مؤشراً مرتبطاً بأهداف التنمية المستدامة، ما يوفر قاعدة بيانات واسعة لرصد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للسكان، ومتابعة التفاوتات بين المناطق والفئات.
فجوة رقمية مرتبطة بالثروة
وتظهر النتائج أن الفوارق الاقتصادية لا تقتصر على مستوى الثروة، بل تمتد إلى القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا، التي أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بالتعليم والعمل والحصول على الخدمات. وتمتلك 96.7% من الأسر هاتفاً محمولاً، بينما تصل نسبة الأسر التي لديها اتصال بالإنترنت في المنزل إلى 91.8%، فيما لا تتجاوز نسبة الأسر التي تمتلك جهاز حاسوب 22.3%، وفق بيانات التقرير النهائي للمسح. وتتسع الفجوة أكثر عند مقارنة الأسر وفقاً لمستوى الثروة، إذ تبلغ نسبة امتلاك الحاسوب 52% لدى الأسر الأكثر ثراءً، مقابل 5% فقط لدى الأسر الأقل ثراءً. كذلك تظهر فجوة بين المناطق الحضرية والريفية، إذ تبلغ نسبة امتلاك الحاسوب 23% في المناطق الحضرية، مقابل 16% في المناطق الريفية، بينما تصل نسبة الاتصال بالإنترنت في المنزل إلى 92% في المدن، مقابل 89% في الريف.
وتظهر الفوارق كذلك بين النساء، إذ استخدمت 74.2% من النساء بين 15 و49 عاماً الإنترنت خلال الأشهر الثلاثة السابقة للمسح. وترتفع النسبة إلى 86% بين النساء المنتميات إلى الأسر الأكثر ثراءً، مقابل 56% بين نساء الأسر الأقل ثراءً، كذلك تصل إلى 75% في المناطق الحضرية، مقابل 66% في المناطق الريفية. وتشير هذه المؤشرات إلى انتشار واسع للهواتف المحمولة والاتصال بالإنترنت، مقابل تفاوت أكبر في امتلاك أجهزة الحاسوب والوصول إلى الأدوات الرقمية، ما يعكس أحد أوجه عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع الليبي.
التأمين الصحي محدود
ويكشف المسح أيضاً محدودية التغطية بالتأمين الصحي، إذ لا تتجاوز نسبة المشمولات به 3% بين النساء في الفئة العمرية من 15 إلى 49 عاماً، وتبلغ 3.1% بين الأطفال دون الخامسة، و2.8% بين الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 5 و17 عاماً. وتكتسب هذه النتائج أهمية اقتصادية واجتماعية، إذ تعني محدودية التغطية التأمينية أن الأسر قد تكون أكثر عرضة لتحمّل تكاليف الرعاية الصحية مباشرة، خصوصاً في الحالات التي تتطلب علاجاً مستمراً أو أدوية مرتفعة التكلفة. كذلك تزيد محدودية التأمين الصحي الاعتماد على منظومة الخدمات العامة، وتبرز الحاجة إلى تطوير أدوات الحماية الاجتماعية والصحية، بما يضمن وصول الفئات الأقل دخلاً إلى الخدمات الأساسية.
وأظهرت نتائج المسح أن 10.1% من الأسر التي شملتها الدراسة تضم فرداً واحداً على الأقل سبق أن تعرض للنزوح الداخلي، بعد اضطراره إلى ترك منزله أو تغيير مكان إقامته. واستندت أسئلة النزوح إلى تحديد ما إذا كان أي فرد من أفراد الأسرة قد أجبر، في أي وقت، على مغادرة منزله، ثم تحديد الأشخاص الذين تعرضوا للنزوح وتوقيته وأسبابه، وما إذا تمكنوا لاحقاً من العودة إلى منازلهم أو المناطق التي كانوا يقيمون فيها قبل النزوح. ويشير التقرير إلى أن النزوح الداخلي في ليبيا شهد زيادة ملحوظة منذ اندلاع النزاع عام 2011، مع تسجيل موجات نزوح أصغر في مراحل لاحقة نتيجة التوترات الأمنية في بعض المناطق والكوارث الطبيعية. وبحسب بيانات مركز رصد النزوح الداخلي، بلغ عدد النازحين داخلياً في ليبيا ذروته في منتصف العقد الماضي عند قرابة 500 ألف شخص، قبل أن يتراجع لاحقاً.
وقدر تقرير النزوح والحلول، الصادر عن مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة في مايو/أيار 2024، عدد الأشخاص الذين كانوا يعيشون في حالة نزوح داخلي حتى فبراير/ شباط من العام نفسه بنحو 147 ألف شخص، بينهم قرابة 107 آلاف بسبب النزاع، وأكثر من 40 ألفاً بسبب الكوارث الطبيعية، ارتبط معظمهم بتداعيات العاصفة دانيال. وتركز جزء كبير من النازحين داخلياً في المراكز الحضرية الرئيسية، بينها بنغازي بنحو 34 ألف شخص، ومصراتة بنحو 21 ألفاً، وطرابلس بنحو 10 آلاف، بينما تجاوز العدد التراكمي للعائدين، وهم الأشخاص الذين كانوا نازحين سابقاً وتمكنوا من العودة إلى مناطقهم الأصلية، 725 ألف شخص. ويحمل النزوح آثاراً اقتصادية تتجاوز فقدان السكن، إذ يمكن أن يؤدي إلى فقدان مصادر الدخل والعمل، وتعطيل تعليم الأطفال، وزيادة تكاليف المعيشة، وتغيير القدرة على الوصول إلى الخدمات الصحية والاجتماعية، فضلاً عن الأعباء المرتبطة بإعادة بناء المساكن واستعادة سبل العيش.





