أفريقيا برس – ليبيا. أثار تقدم الجهود الأمريكية على طريق توحيد المؤسسات في ليبيا تساؤلات حول مصير النفوذ الروسي في بلد يشهد انقساما حادّا.
وشهدت مدينة سرت الليبية اجتماعاً عسكرياً نادراً بين الجيش الوطني الليبي وقوات غرب البلاد.
ويبدو هذا الاجتماع امتدادا لمسار المبادرة التي يقودها مبعوث الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، الذي يسعى إلى إحداث اختراق في مسار الأزمة من خلال توحيد المؤسسات بما في ذلك المؤسسة الأمنيّة والعسكريّة.
محاولة للتكيف
منذ العام 2011، نجحت روسيا في ترسيخ نفوذ لها في ليبيا شأنها شأن قوى دولية أخرى مثل تركيا التي دعمت الحكومات التي تولّت السلطة في غرب البلاد.
وقال المحلل السياسي الليبي، خالد محمد الحجازي: “منذ سنوات، تمكنت موسكو من ترسيخ حضورها في ليبيا عبر شبكة من العلاقات السياسية والعسكرية، مستفيدة من حالة الانقسام المؤسسي والصراع على الشرعية”.
وأضاف: “منح ذلك روسيا موقعًا استراتيجيًا مهمًا على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، إضافة إلى موطئ قدم مؤثر في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، وهي مناطق تكتسب أهمية متزايدة في حسابات الأمن الدولي”.
وتابع الحجازي بالقول إنّ “في المقابل، تبدو الولايات المتحدة اليوم أكثر انخراطًا في الملف الليبي مقارنة بالسنوات الماضية، فالتحركات السياسية والأمنية الأخيرة توحي بأن واشنطن لم تعد تكتفي بإدارة الأزمة، بل تسعى إلى التأثير في مخرجاتها، خاصة في ما يتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية باعتبارها حجر الأساس لأي تسوية سياسية مستدامة”.
وأكد الحجازي: “إذا نجحت هذه الجهود في بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، فإن مساحة النفوذ الخارجي ستتقلص بطبيعة الحال، لأن وجود مؤسسة واحدة ذات قيادة موحدة يقلل من فرص استثمار الانقسامات الداخلية”.
وقال إن “هذا قد يحد من قدرة روسيا، كما غيرها من القوى الخارجية، على توظيف الواقع الليبي لخدمة مصالحها، لكن الاعتقاد بأن موسكو ستخرج من المشهد الليبي بسهولة قد يكون تقديرًا متسرعًا”.
وأوضح أن “روسيا تدرك أهمية ليبيا في استراتيجيتها الإقليمية، ومن غير المتوقع أن تتخلى عن نفوذ بنته على مدار سنوات”.
ورأى الحجازي أن “الأقرب إلى الواقع أن تعمل روسيا على التكيف مع أي معادلة جديدة، عبر تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي، والسعي إلى حماية مصالحها من داخل أي تسوية مقبلة، بدلًا من الاكتفاء بالأدوات العسكرية”.
ولفت إلى أنّ “الهدف الأمريكي، على الأرجح، ليس إقصاء روسيا بشكل كامل، بل منعها من امتلاك نفوذ مهيمن يغيّر موازين القوى في جنوب المتوسط”.
وبحسب الحجازي، فإن “هذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد منافسة أكثر هدوءًا، تعتمد على النفوذ السياسي والدبلوماسي أكثر من المواجهة المباشرة”.
نفوذ أكثر مرونة
من جانبه، يعتقد المحلل السياسي الليبي، حسام الفنيش، أنّ ما شهدته مدينة سرت لا يمكن اختزاله في اجتماع يخص توحيد المؤسسة العسكرية فقط، ويرى أنه مؤشر على انتقال الولايات المتحدة إلى مرحلة أكثر انخراطاً في إدارة الملف الليبي.
وقال: “واشنطن تبدو اليوم وكأنها تعمل على إعادة بناء مراكز القوة داخل الدولة الليبية وليس مجرد إدارة حالة الانقسام كما كان يحدث في السنوات الماضية”.
وأوضح الفنيش: “من هذا المنطلق فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل سيتراجع النفوذ الروسي؟ بل كيف ستعيد موسكو تموضعها إذا نجحت واشنطن في تنفيذ رؤيتها؟ لأن النفوذ الروسي في ليبيا لم ينشأ في فراغ وإنما تأسس على واقع الانقسام المؤسسي وغياب سلطة عسكرية، موحدة وكلما تقلصت هذه الفجوات تقلصت معها الحاجة إلى الأدوار الخارجية”.
وأضاف أنّ “الاستراتيجية الأمريكية كما تبدو من خلال تحركاتها الأخيرة أنها لا تقوم على مواجهة روسيا بشكل مباشر، وإنما على سحب البيئة التي سمحت لها بتعزيز نفوذها”.
وأشار الفنيش إلى أنه “بدلاً من الدخول في صراع مفتوح مع موسكو، تسعى واشنطن إلى بناء مؤسسات ليبية أكثر تماسكاً قادرة على احتكار القرار الأمني والعسكري وهو ما يؤدي تلقائياً إلى تقليص قدرة أي قوة خارجية على التأثير”.
واستدرك بالقول “في الوقت نفسه لا ينبغي المبالغة في الحديث عن نهاية الدور الروسي، فروسيا تنظر إلى ليبيا باعتبارها جزءاً من منظومة أمنها الاستراتيجي في البحر المتوسط وبوابة نحو أفريقيا ومن غير المرجح أن تتخلى عن هذا الموقع بسهولة”.
وقال: “لذلك قد نشهد انتقالاً من مرحلة النفوذ العسكري المباشر إلى مرحلة نفوذ أكثر مرونة يعتمد على العلاقات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية”.
وأبرز الحجازي أنّ “ما يحدث اليوم يعكس في جوهره انتقال ليبيا من ساحة لإدارة الصراع إلى ساحة لإعادة توزيع النفوذ”.
وأكد: “إذا استمرت الولايات المتحدة في هذا المسار ونجحت في ربط توحيد المؤسسة العسكرية بتسوية سياسية شاملة، فإن النفوذ الروسي قد يصبح أقل تأثيراً مما كان عليه خلال السنوات الأخيرة، ليس لأنه هُزم، بل لأن البيئة التي منحته مساحة الحركة بدأت تتغير”.





