الوضع البيئي في ليبيا

501

بقلم : إدريس إحميد

أفريقيا برسليبيا. يتنوع المجال البيئي في ليبيا على امتداد جغرافيا البلاد ، بساحله الطويل ما يقارب 1750 كيلومتر على امتداد البحر الأبيض المتوسط، ومساحة شاسعة في الصحراء الكبرى وكذلك مساحة جبلية شرقا وغربا وفي أقصي الجنوب. ويمثل التعداد السكاني في ليبيا ميزة بيئية يمكن الاستفادة منها في انجاز برامج التنمية المستدامة، ومن خلال نشر الوعي البيئي في اطار اكتمال المعادلة البيئة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

لقد حققت ليبيا في مجال البيئة انجازات واضحة منذ سنوات طويلة حيث تحصلت طرابلس في ستينات القرن الماضي على جائزة أنظف عاصمة على البحر المتوسط ، حيث كانت ليبيا ممثلة في ثلاث مدن هي طرابلس وبنغازي وسبها وساعد على ذلك قلة عدد السكان وارتفاع نسبة الوعي بين السكان.

ومع مرور السنوات شهدت ادارة البيئة عدم استقرار اداري، حيث قرارات الدمج مع قطاعات أخرى كالصحة والمرافق والحكم المحلي، أو ضمها لشركة النظافة العامة أو جهاز حماية البيئة ، حتى انشاء الهيئة العامة للبيئة رقم 263 لسنة 1999 ، واخيرا أصبحت وزارة للبيئة في حكومة الوحدة الوطنية.

وصدرت تشريعات وقوانين وتعريفات لقضايا البيئة، و تقارير تضمنت وصف الاشكاليات البيئية والاقتراحات لمعالجتها محليا، وتم التوقيع على الاتفاقيات العربية والاقليمية والدولية، وآخرها التوقيع على اتفاقية “باريس للمناخ” من طرف رئيس حكومة الوحدة الوطنية “عبدالحميد الدبيبة ” بتاريخ 6-6-2021 .

وقد أولت الدولة الليبية اهتماما خاصة بالجانب الأكاديمي وأنشأت المعهد العالي للتقنية البيئة سنة 1976 ببراك الشاطئ ، وخرجت العديد من الدفعات في مختلف تخصصات العلوم البيئة ، وأصبح بيت خبرة محليا و ودوليا بالإضافة للتخصصات العلمية المرتبطة بالبيئة في الكليات الاقسام العلمية.

لقد عانت ليبيا اشكاليات بيئية منذ سنوات وازدادت وتعقدت بعد 2011 في ظروف عدم الاستقرار، والحروب التي شهدتها عدة مناطق في البلاد وانتشار مخلفات الحروب وظاهرة الاعتداء على مرافق الصرف الصحي ومحطات الكهرباء وسرقة الأسلاك ومعدات تشغيل المحطات وغيرها كثير كلها تركت آثارها على سلامة البيئة في ليبيا.

ماذا يقول الخبراء؟

البروفيسور عبدالسلام محمد المتناني ، مدير المركز الليبي لدراسات وبحوث علوم وتكنولوجيا البيئة وعضو هيئة التدريس بقسم البيئة بكلية العلوم الهندسية في ليبيا

التقينا بمدير المركز الليبي لدراسات وبحوث علوم وتكنولوجيا البيئة وعضو هيئة التدريس بقسم البيئة بكلية العلوم الهندسية وأحد خبراء علوم البيئة في ليبيا البروفيسور عبدالسلام محمد المتناني وسألناه عن تقييمه للوضع الحالي للبيئة في ليبيا، فكان اعتقاده أن ” الوضع البيئي في ليبيا صعب جدا من كافة الجوانب لما تتعرض له كافة المصادر والخدمات الطبيعية ، والتي تمثل رأسمال مهم، والتي تشمل الهواء والماء والتربة، وغيرها من المصادر غير المتجددة مثل النفط والمعادن والخامات الأخرى، بسبب الاستغلال غير المرشد وغير المستدام ، مما أدى الى تدهور النظم البيئية وتلوث المحيط البيئي وتعرية التربة وهبوط في مستويات المياه الجوفية وزيادة معدلات التصحر.

وبناء على الإكراهات الموجودة وأهم الاولويات البيئية في المرحلة الحالية قال المتناني أن ” أهمها هو تقييم الوضع البيئي في ليبيا لمعرفة نقاط الضعف وبالتالي يمكن العمل على معالجتها، ويحتاج ذلك الى دراسات وبحوث من قبل المتخصصين”، لكنه استدرك بالقول أن العائق الأهم للوصول الى هذه المرحلة “هو ما تعانيه البلاد من ظروف عدم الاستقرار وعدم القدرة على الوفاء بالتزاماتها البيئية والدولية”.

وحول دور الليبيين في الحفاظ على سلامة البيئة قال الخبير البيئي أنه “على الرغم من كل الظروف التي يعيشها المجتمع الا أن دورهم أساسي في المساهمة ولو بالقليل في المحافظة على محيطهم البيئي والانخراط في البرامج التطوعية لخدمة البيئة وابراز مشاكلها للجهات ذات العلاقة.

ويختم مدير المركز الليبي لدراسات وبحوث علوم وتكنولوجيا البيئة في حديثه لـ “أفريقيا برس”، بالإشارة الى أن “صدور قرار من المجلس الرئاسي في ليبيا بإنشاء هذا المركز لا زال يحتاج الى الدعم لأداء المهام المناطة به ورغم ذلك فهو يقوم بإعداد وتهيئة الكادر البحثي التابع له ، وقد تعاون مع عدد من المؤسسات للقيام ببعض الدراسات والبحوث وآخرها مع الشركة الليبية للحديد والصلب، لتقييم الوضع البيئي للشركة”، كما تم ابرام اتفاقية مع وزارة البيئة وقد قام وزير البيئة الدكتور ابراهيم منير بزيارة للمركز في المدة الماضية ونتمنى ان يكون بداية للتعاون المثمر بين وزراة البيئة والمركز”.

البروفيسور محمد علي السعيدي، أستاذ التلوث والسموم في ليبيا

من جهته يرى أستاذ التلوث والسموم البروفيسور محمد علي السعيدي، أن “أغلب المشاكل البيئية أولوياتها هي التي تواجه المواطن بشكل مباشر، كالنفايات بنوعيها السائلة والصلبة ومخلفات الحروب ومخلفات البناء وأهمها القمامة، وجمع الكرتون والزجاج والمعادن 40% أو أكثر عبارة عن مواد عضوية، ننظر اليها كثروة يمكن استغلالها أو اعادة تدويرها”.

وأضاف في تصريح لـ “أفريقيا برس” أن ” النفايات السائلة ومن أهمها مياه الصرف الصحي والصرف الزراعي والمياه الصناعية، وهي تشكل عبئ كبير على البيئة لكن يمكن الاستفادة منها في مواجهة شح المياه ، بعد معالجتها بطريقة جيدة واعادة استغلالها في الزراعة والانشطة والصناعية.

وتابع السعيدي بالقول أن أهم أولويات البيئة في ليبيا التي يجب متابعتها بدقة ” معالجة مصادر الملوثات والتي تشكل مخاطر بيئية حقيقية، مثل الكسارات ومصانع الاسمنت التي تنتج كميات هائلة من الغبار، بالإضافة للمنشأة النفطية والدخان الصادرة عنها والتي تنتج مواد مؤكسدة تؤثر على الانسان وصحته ، ناهيك عن الصناعة والتي تتجاوز المعايير القانونية والدولية بدون حسيب أو رقيب ، وبحاجة لطرح هذه الاشكاليات على الجامعات والاقسام المختصة حيث توجد الدراسات في مختلف مجالات البيئة وهي في الادراج للأسف الشديد.


البيئة البحرية

الدكتور علي عكاشة ، الأكاديمي والباحث في البيئة البحرية بقسم علوم البيئة بالجامعة الأسمرية بزليتن

يتميز الساحل الليبي بأهمية اقتصادية واستراتيجية على البحر المتوسط وحلقة وصل بين أوروبا والدول الافريقية ، ويتنوع بإمكانياته التجارية حيث الموانئ المنتشرة وفي الصيد البحري والثروة السمكية والاعشاب…الخ. حاولنا التعرف على وضع البيئة البحرية فالتقينا الأكاديمي والباحث في البيئة البحرية بقسم علوم البيئة بالجامعة الأسمرية بزليتن الدكتور علي عكاشة الذي عبر لـ “أفريقيا برس” عن أسفه الشديد مما تعانيه البيئة البحرية من مشاكل أهمها:
– النشاطات المدنية لمياه الصرف الصحي والتي تفرغ في البحر بدون معالجة وهذا موجود في معظم المدن الساحلية .
– التلوث بالمخالفات الصلبة بأنواعها وقد شاهدنا تفريغ شاحنات في البحر وكأنه مكب، بالإضافة لما يتم القاءه على الشواطئ من طرف مرتاديها.
– القاء مخلفات البلاستيك التي تعتبر واحدة من أخطر على الكائنات البحرية حيث تتغذى عليها الاسماك باعتبارها طحالب وتؤدي الى نفوقها، وتعلق فيها الكائنات الحية كالسلاحف البحرية في بقايا الشباك وللأسف الشديد.
– استخدام بعض الصيادين بالمفرقعات بما يعرف “بالجلاطينة ” وهو جريمة في حق البيئة البحرية والتنوع الحيوي ويشكو منه الكثير من الصيادين.
– مخلفات الحرب والتي تحتاج لتجميع للتخلص منها بتفجيرها وهذا يمثل خطر كبير جدا وخاصة أن المكان الانسب هو استخدام السبخات لقدرتها لامتصاص الصدمة والكم الهائل من درجة الحرارة، وطبعا السبخات تحتاج لحماية طبيعية.

اشكاليات البيئة

الدكتور ميلاد أحمد شلوف ، عضو هيئة التدريس بكلية التقنية الطبية في مصراته ورئيس مجلس ادارة جمعية علوم وتقنية الأغذية والتغذية

يرى عضو هيئة التدريس بكلية التقنية الطبية في مصراته ورئيس مجلس ادارة جمعية علوم وتقنية الأغذية والتغذية الدكتور ميلاد أحمد شلوف في حديثه لـ “أفريقيا برس” أن البيئة في ليبيا مازالت تحتاج لكثير من الاهتمام سواء من الدولة أو من المواطن على حد سواء. واعتبر أن الاشكالية البيئية سواء في الاغذية أو غيرها لعدم وجود رقابة حقيقة وعدم وجود مراكز أبحاث متقدمة وأيضا عدم وجود معايير جيدة، وهذه تمنع من الوصول الى تقييم الاشكاليات الحقيقة للبيئة في ليبيا. واشار الى دراسة اُجريت عن تقييم دور فعال المعلبات بما يعرف “صبغات سودان ” وهي مادة مضافة لتبيث اللون في عديد المعلبات وأهمها الطماطم وتبين عدم وجود دراية كافية بهذه المادة وتأثيراتها لدى الجهات الرقابية في ليبيا.

وحول المخاطر التي تواجه البيئة من الآثار الناجمة عن الحروب، كشف الدكتور ميلاد أحمد شلوف لـ “أفريقيا برس” عن دراسة انجزت في 2012 حول العناصر المشعة في العديد من المواقع بمدينة مصراته وتبين ان نسبة الاشعاعات كانت في الحدود المسموح بها. لكن لم يستبعد وجود مخاطر بيئية من جراء الحروب خاصة في غياب دراسات شاملة لكل المناطق الليبية التي شهدت حروب واستعمال أنواع مختلفة من الأسلحة.

أبوعزوم علي بن اجديرية ، الباحث في مجال البيئة

الباحث في مجال البيئة الدكتور أبوعزوم علي بن اجديرية يعتبر أن البيئة الليبية تعاني من مشاكل أهمها ازالة الغابات وتحويلها لمراعي أو أراضي حضارية ، وغياب معالجة للمخلفات الصلبة والسائلة والمخلفات الطبية والتي تتطلب عناية خاصة ، وكذلك تلوث المياه وتلوث الهواء. وشدد في حديثه لـ “أفريقيا برس” على دور المجتمع في معالجة مشاكل البيئة واعتبر دوره أساسيا، مثل عدم رمي المخلفات الصلبة في الشوارع العامة ووضع القمامة في الأماكن المخصصة لها” ودعا “وسائل الاعلام الى ممارسة دورها في نشر الوعي البيئي بين أفراد المجتمع”.


منظمات المجتمع المدني

هدى مصطفى عمر الشبة، رئيسة المنظمة الليبية للبيئة والتنمية المستدامة

لمؤسسات المجتمع المدني دور فعال في التنمية المستدامة وحماية البيئة ونشر الثقافة البيئية. حول هذا الموضوع تواصلنا مع رئيسة المنظمة الليبية للبيئة والتنمية المستدامة الأستاذة هدى مصطفى عمر الشبة فأكدت أن “قضايا البيئة في ليبيا كبيرة ومعقد وتحتاج لتكاثف الجهود الجماعية لكي تصبح سهلة”. وأشارت الى أن “أهم المشاكل تتركز في تكدس القمامة في المدن ، وهذا دور البلديات والمجتمع المدني والإعلام لتوعية المواطن بمخاطرها الصحية.

وأضافت لـ “أفريقيا برس” أن شركات النظافة العامة تقوم بدورها ولكن لابد من دور أكبر للمواطن ومؤسسات المجتمع المدني لمساعدة هذه الجهات، ويجب ان تمارس القطاعات الأخرى لدورها كقطاع الزراعة والصحة وتفعيل للقوانين والتشريعات لكل قطاع.

وعن دور المنظمة التي ترأسها قالت الأستاذة هدى الشبة أن المنظمة قامت ببرامج توعية في المدارس وحملات تشجير في الشوارع العامة، وبرامج للمحافظة على الغابات لمواجهة التصحر والمحافظة على الغطاء النباتي وتسعى مع وزراة البيئة للتعاون مع بقية المنظمات والجمعيات البيئة من أجل خلق ترابط لبيئة مستدامة في ليبيا.


نحن والإعلام

لقد أصبح موضوع حماية البيئة مسؤولية تتطلب نشر الوعي من أجل الحفاظ عليها من خلال العديد من الوسائل والأدوات ولعل اهمها دور الاعلام من خلال وظائفه في التعليم والتربية والتثقيف والترفيه.وقد تناولت وسائل الاعلام الليبية منذ سنوات قضايا البيئة من خلال برامج اذاعية وتلفزيونية وصحف يومية ومجلات عامة ومتخصصة ، واقيمت المؤتمرات والندوات العلمية في الجامعات والمراكز العلمية والبحثية ، وفي الانشطة التطوعية في الحركة العامة للكشافة والمرشدات وجمعية الهلال الاحمر. واُنشئت تخصصات للإعلام البيئي بأقسام الاعلام وكليات الاعلام، وقدمت الكثير من بحوث التخرج في الليسانس والدراسات العليا والتي تناولت مختلف فروع ومجالات الاعلام البيئي.

وأصدرت مجلات علمية متخصصة في علوم البيئة نذكر مجلة “البيئة ” التي تصدر عن الهيئة العامة في ليبيا ، وقدمت برامج بيئة في القناة الليبية وفي الاذاعات المحلية والصحف المحلية المنتشرة في مختلف البلديات.
ومما لاشك فيه أن الاحداث التي شهدتها ليبيا بعد 2011 ، أثرت على برامج البيئة في كافة وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي ، واتجه الخطاب الاعلامي نحو خطابات انعكست سلبا على برامج التنمية في ليبيا، فقد توقفت البرامج التوعوية بسبب الانفلات والفوضى التي شهدها الاعلام ، وعلى الرغم من ذلك كانت هناك محاولات خجولة من بعض وسائل الاعلام التي تناولت قضايا البيئة في نشراتها وتقاريرها وكذلك دور بعض المنظمات وجمعيات البيئة التي تمارس دوراً توعويا.

لذا فإن برامج البيئة المستدامة تحتاج لدور كبير من جميع وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، من أجل تغيير خطاب الكراهية والعنف نحو خطاب التنمية والاستقرار وبناء الدولة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here