تحركات تركية وأمريكية لإعادة ترتيب المشهد الليبي

تشهد ليبيا تحركات سياسية ودبلوماسية متسارعة لإعادة ترتيب المشهد المنقسم بين شرق البلاد وغربها، مع توسيع تركيا اتصالاتها مع سلطات الشرق الليبي بالتوازي مع استمرار علاقاتها الوثيقة مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، فيما تواجه المبادرة الأمريكية التي يقودها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، عقبات أمام التوصل إلى صيغة لتوحيد السلطة التنفيذية، في وقت أعلنت فيه مجموعات احتجاجية في العاصمة إنهاء العصيان المدني وإعادة فتح المؤسسات الحكومية.

وأظهرت التحركات التركية الأخيرة توجهاً متزايداً نحو توسيع قنوات التواصل مع شرق ليبيا، بعدما ارتكز الحضور التركي خلال السنوات الماضية بصورة أساسية على العلاقة مع السلطات في طرابلس.

وجاء لقاء وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، مع نائب قائد قوات الشرق، صدام حفتر، ضمن سلسلة اتصالات شملت كذلك زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالين إلى بنغازي، فضلاً عن زيارات أجراها صدام حفتر إلى تركيا ولقاءاته مع مسؤولين أتراك.

وكانت تركيا استضافت، في أيار/ مايو الماضي، قوات عسكرية من شرق ليبيا وغربها للمشاركة في مناورات «أفس 2026»، في خطوة عكست اتساع التواصل العسكري التركي مع الطرفين، بالتزامن مع جهود أخرى محلية ودولية تستهدف توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وفي المقابل، حافظت أنقرة على علاقاتها مع حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، حيث أكد الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، استمرار التعاون بين الجانبين، في مؤشر على أن التحرك تجاه سلطات الشرق يأتي ضمن سياسة للتواصل مع القوى الليبية المختلفة وليس بديلاً عن العلاقات القائمة مع طرابلس.

ويكتسب التقارب التركي مع شرق ليبيا أهمية إضافية في ظل المصالح الاقتصادية لأنقرة، خصوصاً في قطاعات إعادة الإعمار والطاقة، إلى جانب ملف اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني عام 2019.

وكان مجلس النواب قد رفض الاتفاق عند توقيعه، إلا أن الأشهر الماضية شهدت مؤشرات إلى إعادة النظر في موقفه منه، وسط اتصالات متزايدة بين أنقرة وسلطات الشرق، وهو ما قد يفتح الباب أمام تحول جديد في أحد أكثر الملفات إثارة للخلاف في شرق البحر المتوسط.

وتأتي التحركات التركية في وقت تشهد فيه العلاقات بين أنقرة والقاهرة تحسناً ملحوظاً مقارنة بسنوات التوتر السابقة، حين دعمت الدولتان أطرافاً متنافسة في ليبيا، ما يوسع احتمالات التنسيق بينهما بشأن بعض ملفات الأزمة الليبية.

وبالتوازي، تواصل واشنطن تحركاتها للدفع نحو توحيد المؤسسات الليبية، إلا أن مساعيها تصطدم بتعقيدات داخلية تتعلق بتوزيع السلطة ومواقف القوى السياسية والعسكرية الرئيسية.

وتكثفت خلال الأسابيع الماضية تحركات مسعد بولس بين شرق ليبيا وغربها، في إطار مبادرة أمريكية تستهدف إعادة توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية، بعد سنوات من الانقسام.

وحسب تقارير غربية، يجري التداول بصيغة لتوحيد السلطة التنفيذية تتضمن استمرار عبد الحميد الدبيبة على رأس الحكومة مقابل انتقال رئاسة المجلس الرئاسي إلى صدام حفتر، بدلاً من الرئيس الحالي محمد المنفي.

غير أن هذه الصيغة تواجه اعتراضات من قوى في غرب ليبيا، ظهرت بصورة خاصة خلال التحركات التي رافقت زيارة بولس إلى مصراتة الشهر الماضي، حيث صدرت مواقف رافضة لأي ترتيبات من شأنها منح عائلة حفتر موقعاً جديداً في السلطة التنفيذية.

كما تواجه المبادرة خلافات داخل المعسكرين نفسيهما، في ظل ارتباط أي إعادة لترتيب المؤسسات والموازنة العامة بمصالح سياسية واقتصادية راكمتها القوى الموجودة في السلطة خلال سنوات الانقسام.

وتزامن ذلك مع استمرار واشنطن في الدفع بالمسار العسكري، حيث رحب بولس أخيراً بالاتصالات بين قادة عسكريين في شرق ليبيا وغربها، معتبراً إياها مؤشراً على تقدم جهود توحيد المؤسسة العسكرية، خصوصاً بعد تشكيل غرفة عمليات مشتركة في سرت.

لكن المسار السياسي لا يزال أكثر تعقيداً، إذ لم تتضح حتى الآن الصيغة النهائية للمبادرة الأمريكية ولا موقف مختلف الأطراف الليبية منها، بينما تواصل الأمم المتحدة الدفع باتجاه إجراء الانتخابات باعتبارها الطريق لإنهاء المراحل الانتقالية.

وكان المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة قد أعلنوا في حزيران/ يونيو الماضي اتفاقاً مبدئياً يستهدف إجراء الانتخابات بحلول 17 شباط/ فبراير 2027، إلا أن الخلافات بشأن القوانين الانتخابية وشروط الترشح والترتيبات المؤسسية لا تزال قائمة.

وفي الداخل، شهدت العاصمة طرابلس هدوءاً نسبياً بعد أيام من الاحتجاجات والإغلاقات، إذ أعلن حراك «أبناء سوق الجمعة»، فجر الأحد، إنهاء حالة العصيان المدني وإعادة فتح المؤسسات الحكومية التي أغلقها المحتجون خلال اليومين الماضيين.

وقال الحراك إن القرار جاء استجابة لمطالب المواطنين، في ظل ما ترتب على استمرار إغلاق المؤسسات من معاناة وتعطيل للمصالح، مشيراً إلى أن أزمة الكهرباء، التي كانت أحد الأسباب الرئيسية وراء الاحتجاجات، جرت معالجتها.

وكانت الاحتجاجات قد بدأت على خلفية الانقطاع المتكرر للكهرباء وتردي الخدمات والأوضاع المعيشية، قبل أن تتوسع مطالبها لتشمل الدعوة إلى رحيل الأجسام السياسية وإجراء انتخابات.

وشهدت طرابلس خلال الاحتجاجات إغلاق عدد من المؤسسات والمقار الحكومية، بعضها باستخدام اللحام المعدني، فيما أكد الحراك أن تحركاته سلمية، وأن هدفها الضغط لتحسين الخدمات ومحاسبة المسؤولين.

وشدد «أبناء سوق الجمعة» على أن إنهاء العصيان لا يمثل تراجعاً عن المطالب التي رفعها المحتجون، وإنما جاء لتجنب زيادة معاناة المواطنين.

كما نفى الحراك صحة ما تداولته صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن إغلاق منزل الدبيبة باللحام، موضحاً أن المشاهد المتداولة تعود إلى مقر محفظة ليبيا إفريقيا للاستثمار وليس منزل رئيس الحكومة.

وبينما أنهى الحراك جولة الاحتجاجات الحالية، تبقى أسبابها المرتبطة بالخدمات والأوضاع الاقتصادية والانقسام السياسي قائمة، بالتزامن مع تحركات خارجية متزايدة لمحاولة إعادة توحيد مؤسسات البلاد.

وتضع التطورات الأخيرة المشهد الليبي أمام مسارات متوازية؛ إذ تسعى تركيا إلى تعزيز حضورها عبر التواصل مع الشرق والغرب، فيما تحاول الولايات المتحدة الوصول إلى تفاهم بين القوى الرئيسية بشأن السلطة والمؤسسات، بينما تتمسك الأمم المتحدة بالمسار الانتخابي، وسط شارع أظهر خلال الأيام الماضية استعداده للعودة إلى الاحتجاج والضغط على القوى الحاكمة مع استمرار الأزمات المعيشية والسياسية.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here