تواجه الجهود الرامية إلى إعادة توحيد مؤسسات ليبيا سواء السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية تحديات متزايدة، في ظل استمرار تنافس مراكز القوى المحلية المدعومة من أطراف خارجية، وسط مخاوف من أن تؤدي التسويات المطروحة إلى إعادة توزيع السلطة بين النخب المتنفذة بدلاً من بناء مؤسسات وطنية موحدة.
وبحسب تحقيق لمنصة (Dark Box) الاستخبارية، تبرز دولة الإمارات بوصفها أحد أبرز الفاعلين الخارجيين في المشهد الليبي، نظراً لعلاقاتها الممتدة مع قائد قوات شرق ليبيا المشير خليفة حفتر، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مدى توافق سياستها مع جهود إنشاء مؤسسات ليبية مدنية وموحدة وخاضعة للمساءلة.
وأشار التحقيق إلى أن ليبيا لا تزال تعيش حالة انقسام منذ عام 2014، حيث يسيطر حفتر وحلفاؤه على شرق البلاد، فيما تدير الحكومة المعترف بها دولياً برئاسة عبد الحميد الدبيبة السلطة في غرب ليبيا، ورغم استمرار وقف إطلاق النار منذ عام 2020، فإن البلاد لا تزال تعاني من وجود حكومتين متنافستين وقيادات عسكرية ومؤسسات سيادية منقسمة.
وأوضح التحقيق أن المبعوث الأمريكي مسعد بولس طرح مبادرة تهدف إلى توحيد المؤسسات الليبية، إلا أن المبادرة أثارت تحفظات واعتراضات داخل الأوساط السياسية والعسكرية الليبية.
ووفقاً للتحقيق، يتمثل أكثر عناصر المبادرة إثارة للجدل في مقترح يقضي بتولي صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، رئاسة المجلس الرئاسي الليبي، وهو ما يمنحه، بحسب التقرير، شرعية وطنية لفصيل يسيطر بالفعل على شرق البلاد بالقوة العسكرية.
وأضاف التحقيق أن المقترح يتزامن مع تقارير تفيد بإمكانية استمرار عبد الحميد الدبيبة في رئاسة الحكومة بطرابلس، معتبراً أن هذا الترتيب قد يؤدي إلى تكريس نفوذ العائلتين الأكثر تأثيراً في المشهد الليبي داخل إطار سياسي موحد شكلياً، بدلاً من إنهاء الانقسام القائم.
وأكد التحقيق أنه لا توجد أدلة مباشرة تثبت أن الإمارات صاغت أو تدير المبادرة الأمريكية، إلا أنه اعتبر أن أي ترقية سياسية لصدام حفتر ستصب في مصلحة أبرز حلفاء أبوظبي داخل ليبيا.
وأشار إلى أن تقارير دولية متعددة وتصنيفات خاصة بالنزاعات المسلحة سبق أن اعتبرت الإمارات، إلى جانب مصر وروسيا، من أبرز الداعمين الخارجيين لقوات حفتر، لافتة إلى أن السياسة الإماراتية تأثرت بمعارضتها للحركات الإسلامية وتفضيلها النظم الأمنية المركزية.
وأضاف التحقيق أن الدعم الخارجي الذي تلقته قوات حفتر خلال هجومها على طرابلس بين عامي 2019 و2020 عزز قدرتها العسكرية في مواجهة الحكومة المعترف بها دولياً، مشيراً إلى أن منظمة هيومن رايتس ووتش وثقت انتهاكات ارتكبتها قوات مرتبطة بطرفي النزاع، وذكرت الإمارات ضمن الدول الداعمة لحفتر.
ووفق التحقيق، فإن المؤسسة العسكرية التي يقودها حفتر تطورت إلى منظومة واسعة للسيطرة على الأراضي والمصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي، بينما يشغل أبناؤه مواقع عسكرية وسياسية واقتصادية متزايدة، وهو ما يصفه منتقدون ببناء هيكل سلطة عائلية.
وأضاف أن تقارير حديثة تشير إلى سيطرة عائلة حفتر على تشكيلات عسكرية رئيسية وأراضٍ واسعة ومنشآت نفطية ودوائر صنع القرار في شرق ليبيا، معتبراً أن الدعم الخارجي، ومنه الدعم الإماراتي، ساهم في استمرار هذا النموذج.
ورأى التحقيق أن تعيين صدام حفتر على رأس مجلس رئاسي موحد قد يحول النفوذ العسكري الذي تحقق خلال سنوات الصراع إلى سلطة سياسية معترف بها دولياً، بما يحافظ، بحسب التقرير، على النفوذ الإماراتي داخل ليبيا سواء بقي الانقسام أو تم الإعلان عن وحدة شكلية.
وأشار التحقيق إلى أن جوهر الجدل يتمثل في ما إذا كانت المبادرات الدولية تستهدف فعلاً إعادة بناء مؤسسات الدولة، أم أنها تعيد توزيع المناصب العليا بين القوى المسيطرة حالياً.
وأوضح أن إعادة التوحيد الحقيقية، تستلزم وجود حكومة مدنية واحدة، وإطار دستوري متفق عليه، وإدارة شفافة لعائدات النفط، وأجهزة أمنية خاضعة للمساءلة، ومساراً واضحاً لإجراء انتخابات وطنية.
وفي المقابل، اعتبر التحقيق أن أي اتفاق يبقي الدبيبة في رئاسة الحكومة مع منح صدام حفتر موقعاً سيادياً قد يسمح للطرفين بالاحتفاظ بالسلطة دون تفويض انتخابي.
ونقل التحقيق عن المحلل جليل حرشاوي قوله لموقع Middle East Eye إن مثل هذا الترتيب قد يمنح كلاً من صدام حفتر وعبد الحميد الدبيبة شرعية وطنية تتيح لهما البقاء في السلطة لعام إضافي على الأقل وربما لفترة أطول.
وأضاف أن هذا السيناريو واجه اعتراضات داخل مدينة مصراتة، حيث وصف متظاهرون المبادرة بأنها “صفقة مشبوهة”، معتبرين أن عائلة حفتر لا ينبغي أن تحصل على مناصب سيادية بعد الحرب التي شنتها قواتها على طرابلس.
وأشار التحقيق إلى أن اهتمام القوى الدولية بليبيا يرتبط بعوامل عدة، أبرزها النفط والهجرة والأمن ومواجهة النفوذ الروسي، لافتاً إلى أن واشنطن تشجع شركاتها على الاستثمار في قطاع الطاقة الليبي، وتسعى لتعزيز التنسيق بين القوات العسكرية في الشرق والغرب.
وأضاف أن هذه الأولويات قد تفسر تركيز بعض المبادرات الدولية على التفاهمات بين النخب السياسية بدلاً من الدفع أولاً نحو إجراء انتخابات.
وأوضح التحقيق أن الأمم المتحدة لا تزال تعتبر الانتخابات الوطنية وتشكيل حكومة موحدة هدفين رئيسيين، إلا أن الخلافات حول الأساس الدستوري والقانوني عطلت هذا المسار.
وأشار إلى أن مسعد بولس يرى أن توحيد المؤسسات يجب أن يسبق الانتخابات، بينما يخشى منتقدون من أن يؤدي تأجيل الانتخابات إلى منح السلطة الجديدة فرصة لتأجيل الاستحقاق الانتخابي إلى أجل غير محدد، خصوصاً إذا كانت تضم شخصيات تمتلك بالفعل نفوذاً عسكرياً ومالياً ودعماً خارجياً.
وخلص التحقيق إلى أن أي صيغة سياسية تعزز نفوذ عائلة حفتر ستصب في مصلحة حليف رئيسي لأبوظبي، وقد تؤدي إلى تكريس الانقسام الليبي ضمن مؤسسات موحدة شكلياً، من دون تحقيق انتقال فعلي نحو دولة مدنية موحدة أو شرعية ديمقراطية.
