مريم الصيد: التشكيل في ليبيا يحتاج إلى التجديد ونفتقد الفنان المثقف

1
مريم الصيد: التشكيل في ليبيا يحتاج إلى التجديد ونفتقد الفنان المثقف
مريم الصيد: التشكيل في ليبيا يحتاج إلى التجديد ونفتقد الفنان المثقف

أفريقيا برسليبيا.  خلود الفلاح – مريم الصيد، فنانة تشكيلية ليبية، عضو هيئة التدريس بكلية الفنون والإعلام بجامعة طرابلس. مرت تجربتها التشكيلية بعدة مراحل، البداية كانت بتجسيد الزخارف المستوحاة من الاكسسوارات التقليدية الليبية، ثم مرحلة الاهتمام بالتراث الليبي، إلى مرحلة تجسيد أشخاص بأجساد تعبيرية تجريدية.

تؤمن أن الفنون والآداب لها دور فعال وأساسي في بلورة مفاهيم المجتمعات نحو قيم الخير والجمال والتسامح. في هذا الحوار؛ تحدثت الفنانة مريم الصيد عن واقع الفن التشكيلي الليبي، وكيف أن جائحة “كورونا” وما صاحبها من حجر صحي وقلق، وخوف؛ أنتجت خلالها العديد من الأعمال الفنية، أما لوحاتها أثناء الحرب الأخيرة؛ فتعد نقلةً كبيرةً في مسيرتها التشكيلية. الحوار

ـ متى بدأت مسيرتك الفنية؟

– مسيرتي الفنية بدأت منذ الطفولة، والتي كانت في روسيا موطن ولادتي، فشغفي الفني لا حدود له، ولإبراز تلك الموهبة التي بداخلي؛ كنت أرسم كل شيء وفي كل مكان.

حبي لمادة الرسم كان كبير جدًا ويشغل تفكيري دائمًا كيفية خوض تلك التجربة واختيار الألوان المناسبة في كل المواضيع؛ فالرسم له تأثير كبير في حياتي، ينقلنا من قسوة الحياة التي نعيشها ومشاكلها ومتاعبها إلى شيء جميل مغروس في داخلنا منذ الصغر وهو ذلك الجمال المتكوّن في الفن والألوان وجماليتها كل ذلك جعلني أغوص في أحلام رسوماتي والانفصال الكلي عن الواقع فتلك الطفلة كانت تحاول التميز، لها طاقة لا حدود لها في ذلك العالم الفني الغريب سواءً في مشاركاتي في مسابقات الرسم حين كنت في المدرسة العراقية بموسكو كنت اشعر بالتميز دائما وحتى بعد انتقالي إلى ليبيا، لا أنكر أنها كانت نقلةً كبيرةً بالنسبة لي من ناحية الاختلاف الكبير بين الثقافتين، ربما هي صدمة داخلية واختزال داخلي وصراع كبير من أجل إبراز مخزون ثقافي عالٍ، التشكيل انعكاس لحياتنا اليومية والانطباع الذي يولد في داخلنا.

ـ المرأة في لوحاتك تبدو حزينة. لماذا؟

ـ الفنان يعيش مراحل عديدة مثل الحزن والألم والفراق والحب والفرح ويتأثر بمخزون تلك القصص، أيضًا الأشخاص الذين نلتقي بهم قد يعطوني إيحاء بفكرة اللوحة الجديدة، أحيانًا أبدأ في الرسم وأنا أعيش حالة حزن، وبالتالي ما أشعر به ينعكس على اللوحة، وقد يظهر في الألوان أو الخطوط والأشكال.

ـ من أين تستمد الفنانة مريم الصيد لوحاتها؟ ومتى ترسمين؟

ـ لا يمكن أن أحدد موقع الإحساس الذي أستمد منه لوحاتي، فالفن هو نتاج إبداعي لون من ألوان الثقافة الفنية الإبداعية فهو التعبير عن الذات، فعندما أبدأ في الرسم أو استحضار العمل الفني سواء كان الشكل واللون أو الخطوط المبدئية؛ فلابد من وجود ذلك الانسجام الكامل مع ذاتي ولوحاتي، حالة انسجام تتجسد في اللون وغيرها من تلك الأشياء التي يصعب شرحها ربما هي ردة فعل حيث يخرج ما بداخلي في لحظة من صراع ناشئ من ألم أو معاناة تنبثق تلك الفكرة لتساهم في إيجاد تلك الرؤية الفنية التي تبدأ في التبلور شيئًا فشيئًا ويتأثر تنفيذ العمل النهائي طبعًا بالحالة المزاجية، والتي لها دور كبير في ذلك، حين أرسم وأنا حزينة تخرج اللوحة وهي متأثرة بعمق ذلك الحزن، أما إذا كنت سعيدة فستكون بها الألوان والخطوط المبهجة.

– كيف تنظرين إلى واقع الفن التشكيلي الليبي؟

ـ الفن التشكيلي الليبي مازال في طور النمو ويحتاج إلى الكثير من أجل تحقيقه وتقديمه بشكل صحيح، نحن نفتقد الفنان المثقف الثري بالجماليات الفنية والتاريخية، الفنان الليبي، للأسف، غير مثقف.

في رأيي الثقافة مهمة جدًا للفنان وتنعكس على الحركة الفنية التشكيلية الليبية، فواقع الفن التشكيلي في ليبيا يحتاج إلى التجديد ونقلة جديدة في عالم الفن العالمي، نفتقد الثقافة العميقة بين الفنانين والنقد الفني البناء الذي يهدف إلى الارتقاء بالمستوى الفني.

أصبح لزامًا على الفنان مواكبة العلم وتعلم كيفية إحياء الأعمال القديمة برؤية معاصرة لجذب المتلقي وإبهاره من حيث الرؤية الجمالية والإبداع الممزوج داخل العمل الفني.

كأستاذة جامعية في كلية الفنون؛ أقول إن واقع حركة الفن التشكيلي الليبي ضعيفة، فكثير من المواهب لا نراها رغم أنها موجودة، ولكن لماذا لا نراها؟ هل يتم طردهم أم استثنائهم؟ أم النقد الهدام من بعض الفنانين يجعلهم يبتعدون؟

ـ ما المتعة التي توفرها لك الألوان؟

ـ متعة الألوان متعة غريبة، حين أبدأ في الرسم وخلط الألوان تأخذني إلى عالم داخلي عالم روحانيات داخلية صعب وصفها، تلك الألوان تمتزج بأصابعي لتكون موضوع مختزل أو مغروس منذ الصغر أو منذ لحظات لأنه أحيانًا وليد اللحظة، فالألوان والرسم هي المتعة في حياتي.

ـ من يتابع أعمالك الفنية يرى شخوصك غارقين في الحلم والانتشاء، كيف يمكن للمتلقي أن يفهم هذه الرسالة التعبيرية؟

ـ أعتبر نفسى المرأة الحالمة كما كان يسميني والدى رحمة الله عليه، لأنني كنت دائمًا بعيدة بمخيلتي وفكري وانشغالي، ففي مرحلة المراهقة كنت أصمم الأزياء وأرسمها بطريقة احترافية من مجلات البوردة وأفضل البترون وأحور فيه وأغيره لا أحب النقل طبقا الأصل، ودائمًا عندي الجديد؛ كوني خيالية وأحب الخروج عن المألوف أغوص أكثر في تلك الأحلام وأنتج عملاً من خلال الفن التجريدي التعبيري، ربما تلك اللوحات التعبيرية وفساتينها الجميلة المزخرفة تداخلت مع فني ورسمي وتصميمي، فكلاهما مجرد من تلك العناصر والخطوط والأشكال متعمقة بالألوان.

لا أحب الرسم الواقعي بكونِ خيالية فهنا الإحساس يفرض نفسه ويمكن قراءته حسب كل متلقي والغوص في أعماق اللوحة، في اعتقادي اللوحة هنا يجب أن تعبر عن نفسها بشكل يشد المتلقي وتؤثر فيه عاطفيًا، وأن يتحقق الإبداع بالاعتماد على العمل نفسه، عادةً؛ لا أحب أن أشرح تفاصيله وإنما أترك للمتلقي أن يتأملها كتجربة جمالية ويغوص في أعماقها، فاللوحة يجب أن تعبر عن شيء كما ذكر في سؤالك (شخوص غارقين في الحلم والانتشاء) هو ذلك الغموض المهم الذي يجسد الفكر والروح معًا فنرى تلك اللوحات كرسالة تعبيرية تصل لكل متلقي.

ـ كيف يحضر المكان والبيئة في صياغة أفكارك ومن ثم منجزك البصري كما في لوحة “كورونا والحجر الصحي”؟

ـ المكان والبيئة لهما دور كبير في صياغة أفكارنا ومنجزنا البصري، نحن كفنانين؛ أجبرتنا جائحة كورونا أن نعيد التفكير في كثير من الأمور بعيدًا عن الحياة الاجتماعية وتلك الفوضى التي تجتاح دواخلنا، قد انعزلنا في الحجر الصحي وأصبح التفكير العميق هو محور كبير في داخلي، لقد كنت دائمًا موقنة بأن الفنون بجميع أشكالها وأنواعها الألوان والأبداع والجمال والإيمان بقدرة الفن ودوره سيكون له الدور الأساسي والفعّال في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها العالم برمته.

تجربتي الفنية فترة الحجر الصحي أنتجت لوحة الحجر الصحي الأولى، التي بينت مدى الخوف والقلق والضيق من هذا الوباء، ولكن هناك دائمًا بصيص أمل يرفرف في الأفق البعيد وهو الحب والسلام؛ ففي تلك اللوحة هناك الهلع والخوف من المجهول، كانت أيام الحظر وعدم الخروج مخيفة جداً فعبرت عنها بامرأة داخل قضبان من الحديد وكأنه سجن، أما لوحة “ثورة كورونا”؛ توضح ثورة عارمة ضد الوباء والوقاية منه رسمت بدوائر لونية مختلطة بلون الأخضر والأزرق، تجسدت في ظل شخص بكمامة تغمره كمية من الخوف والرعب والقلق الذى سيطر علينا في ذلك الحجر الصحي وأثّر على نفسيتنا حيث مصير لا نعرف نهايته.

ـ ما تأثير الحرب على نتاجك الفني؟

ـ تأثير الحرب على نتاجي الفني تمثل في ألم يصعب وصفه، ربما أخذ شكل الموت والرحيل والهجرة هذا التفكير الذي راود الجميع في فترة الحرب المؤلمة، أنتجت في تلك الفترة لوحة التآلف، وازدحام، قصدت بها رحيل الكثير من الأسر فترة الحرب.

رسمت الكثير من اللوحات في حياتي، وكنت دائمًا أرى أن الفنان هو ذلك الشخص الذى يترجم واقعنا من ألم وقلق وفرح من خلال ريشته وتقنياته المتناثرة، مرت تجربتي الفنية بعدة مراحل مستوحاة من حياتي ونتاج أحاسيس مختلطة مرتبطة بالطفولة في موسكو وطرابلس واختلاف الثقافات بينهما، قرأت الكثير للفنانين الروسين وتأثرت بأعمالهم الفنية المبدعة، وأيضًا رسمت الكثير من التراث الليبي، وهكذا كانت تلك الفوضى العارمة التي بداخلي، فهي نتاج بيئة مختلفة عن الأخرى ومجتمع مختلف عن الآخر فكنت أرى الأشياء من خلال أحداث يومية مكتظة بالأشخاص وكثرة الكلام وفوضى المشاعر، ويعتبر الجسد والمرأة هو المحور الأساسي في معظم أعمالي، أما نتاج الحرب فكان نقلةً كبيرةً، ربما هو الهروب من أمر الواقع والحالة النفسية الكبيرة التي مررنا بها.

ـ حدثيني عن طقوسك الخاصة أثناء العمل؟

ـ طقوسي في الرسم خاصة جدًا، قبل البدء في الرسم أكون قد دخلت في عزلة كاملة إلى داخل لوحاتي. هي مرحلة اللاشعور لتبدأ رحلة التخيل والغوص والشغف العميق من أحاسيس ومشاعر تعكس الظروف والأوضاع التي نعيشها. فالبيئة لها دور كبير كما ذكرت سابقًا، هي انعكاس الشكل واللون والانسجام اللوني الروحي في اللوحات، هذا ما أسميه التشبع من جميع أنواع الفنون الجميلة وإخراج أجمل ما في الإنسان من خلال ريشته، الفن هو الوسيلة لإخراجه على شكل قيمة إبداعية، في حياة كلٍّ منّا نجد قصة يمكن أن نرويها من خلال لوحة فنية هي الرسالة العميقة الشيقة.

ـ إلى أي مدى يشغلك الإنسان في لوحاتك؟

ـ الإنسان في لوحاتي يشغل كل تفكيري فهو الرجل وهو المرأة وهو الطفل، دائمًا في مخيلتي تلك الحشود من البشر يمكن لأنها صورة مختزلة في ذاكرتي، وأنا طفلة عشنا حياة هادئة في موسكو ولكن عند انتقالنا إلى ليبيا؛ كانت هناك التجمعات العائلية والمناسبات ودائمًا هناك زحام، زخم من البشر كنت أحبه وأتأمله كثيرًا، وكنت أرى صور فتيات من الجنوب تعجبني فساتينهن وزركشاتها وألوانها، دائمًا؛ ما كنت أفكر كيف يمكن تحويلها إلى لوحة إبداعية جميلة كما في لوحة “هجرة هوى”.

ـ تطلقين على بعض لوحاتك أسماء مثل “انسجام”، “ألف قصة وحكايا”، “الحياء”، “ابتهاج الروح”، “عناق”، “والحلم” ما دلالة ذلك؟

– دلالة لوحة “انسجام” تنحصر بفوضى من خلال الدوائر اللونية المفعمة بالحياة والتي رسمت باللون الأزرق ودرجاته الجميلة فهي تدل على الانسجام والسلام الذى أريده ومحبة الآخرين بلا حقد أو حسد أو بغض، أما “ألف قصة وحكايا ” فتلك البيوت التي رسمتها جنب بعض تدل على أن هناك قصص في كل بيت وحكايا مؤثرة وجميلة، لوحة “الحياء”؛ هذه اللوحة أحبها جدًا، هي الحشمة والسكينة.

الوصول لعالمي الفني ليس بالعرى والحرية اللامتناهية التي أقرأها أحيانًا أو رسومات لامرأة عارية لفنانين لا أظن أنه واقعنا العربي الإسلامي، أظن أنها مكنونات غريزية داخلية كما قال عنها العالم “فرويد”، فلا شك أن الفن معاناة فكل لوحة أو جملة أو كتابة أو حركة للجسد نستطيع من خلالها دراسة شخصية الفنان، في اعتقادي هي سيكولوجية عقل اللاوعي التي تملي على الفنان طريقة أو شكل عمله الفني.

لوحة “ابتهاج الروح” مصطلح يستخدم للدلالة على حالات السعادة المصاحبة للشعور بالرضا، لوحة “عناق” دلالتها واضحةٌ، كمية المحبة والصداقة هناك عناق طويل أو الاحتضان نحتاجه دائمًا دون أي كلمات.

أما لوحة “الحلم”؛ فتعبّر عني، هو ذلك الحلم أو التخيلات التي تحدث أثناء النوم أو صورة حدث أو موقف حدث بالفعل أو شيء تتمنى حدوثه، كما في دراسة الأحلام، وجدت لها آثار على الألواح الحجرية التي ترجع إلى حضارة السومرية، واعتقدت بعض الشعوب أن الأحلام عمومًا هبةٌ من الآلهة لكشف معلومات البشر.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here