تطورات فنزويلا تثير تساؤلات حول مستقبل أسعار النفط الليبي

تطورات فنزويلا تثير تساؤلات حول مستقبل أسعار النفط الليبي
تطورات فنزويلا تثير تساؤلات حول مستقبل أسعار النفط الليبي

ماهر الشاعري

أفريقيا برس – ليبيا. في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها سوق الطاقة العالمي، عاد ملف أسعار النفط إلى الواجهة مجددًا، خاصة بعد المستجدات الأخيرة في فنزويلا، إحدى الدول المنتجة للنفط.

وتثير هذه التطورات تساؤلات حول انعكاساتها المحتملة على الدول التي تعتمد بشكل شبه كلي على النفط كمصدر رئيسي للدخل، وعلى رأسها ليبيا، التي لا يزال اقتصادها هشًا ومتأثرًا بالتقلبات السياسية والأمنية.

وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول مدى تأثر أسعار النفط الليبي بهذه المتغيرات الدولية، وما إذا كانت ليبيا قادرة على امتصاص أي صدمات محتملة في سوق النفط العالمي.

تطورات خطيرة

من جانبه، قال المستشار في قطاع النفط عبد الجليل معيوف: إن “الحرب الأمريكية ضد فنزويلا وتأثيرها المحتمل على أسعار النفط عالميًا تمثل تطورًا خطيرًا له تبعات كبرى على أسواق الطاقة، موضحًا أن هناك عدة آثار محتملة على أسعار النفط يمكن توقعها استنادًا إلى تحليلات أسواق الطاقة والمخاطر الجيوسياسية الراهنة”.

وأوضح معيوف في حديثه ، أن أولى هذه الآثار تتمثل في الارتفاع المحتمل لأسعار النفط عالميًا على المدى القصير، حيث يؤدي التوتر العسكري أو الصراع المباشر في مناطق إنتاج النفط عادة إلى زيادة ما يُعرف بعلاوة المخاطر على الأسعار، نتيجة توقع المتعاملين في الأسواق لاحتمالات حدوث نقص في الإمدادات.

وأشار إلى أن بيانات السوق الأخيرة أظهرت بالفعل ارتفاع أسعار خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط، بالتزامن مع تصاعد المخاوف المرتبطة بناقلات النفط الفنزويلية، لافتًا إلى أن التوترات الأمريكية الفنزويلية أعادت فرض ما يسمى بالعلاوة الجيوسياسية على أسعار النفط.

وأضاف أن محللين ومصادر حكومية توقعوا أن يؤدي هذا الصراع إلى ارتفاع أسعار النفط، وربما وصولها إلى مستويات أعلى، قد تبلغ نحو سبعين دولارًا للبرميل، في حال تعطل جزء كبير من الصادرات الفنزويلية نتيجة الضربات العسكرية.

وفي السياق ذاته، أكد معيوف أن من بين الآثار المحتملة أيضًا حدوث اضطرابات في الإمدادات، والتي قد تمارس ضغوطًا تصاعدية على الأسعار، مشيرًا إلى أنه في حال أدت الحرب إلى تعطل الإنتاج النفطي الفنزويلي أو شل صادراته، فإن نقص المعروض، ولو كان نسبيًا، قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع، خصوصًا أن الخامات الثقيلة التي تنتجها فنزويلا تُعد مهمة لعدد من المصافي المتخصصة.

وفي المقابل، أوضح المستشار في قطاع النفط أن بعض الخبراء يرون أن التأثير العالمي على أسعار النفط قد يكون محدودًا في بعض السيناريوهات، ولا يصل إلى حد إحداث صدمة سعرية كبيرة، وذلك في حال ظل المعروض العالمي قويًا، خاصة إذا تمكنت دول أخرى مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية من تعويض أي نقص في الإمدادات بسرعة.

ولفت إلى أنه في بعض جلسات التداول، لوحظ تراجع طفيف في الأسعار رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية، عندما تطغى العوامل الأساسية للسوق، مثل فائض المعروض أو ضعف الطلب.

وأشار معيوف كذلك إلى أن الصراع قد يؤدي إلى تقلبات سعرية حادة على المدى القريب، حيث يمكن أن تشهد الأسعار ارتفاعات مفاجئة مع صدور أخبار سلبية تتعلق بالإمدادات، يعقبها تراجع في حال ظهور تقارير تشير إلى تهدئة أو إلى توقعات بوجود فائض في العرض.

وأكد أن أسواق النفط في الوقت الراهن تتحرك بحساسية عالية تجاه أي تطور في العوامل الجيوسياسية مقارنة بالعوامل الأساسية للسوق.

وبيّن معيوف أن السيناريوهات المحتملة تتراوح بين ارتفاع قوي ومفاجئ في أسعار النفط في حال تعطل كبير لصادرات فنزويلا بسبب الحرب، أو ارتفاع محدود واستقرار نسبي للأسعار إذا جرى تعويض الفقد من خلال زيادة الإنتاج في دول أخرى، إلى جانب احتمالية حدوث تقلبات سعرية مرتفعة في حال التهدئة أو التصعيد في أزمات عالمية أخرى، مثل الأزمات في أوروبا أو روسيا.

كما أشار إلى أن تراجع الطلب العالمي، سواء لأسباب اقتصادية أو مؤقتة، قد يؤدي إلى ضغوط نزولية على الأسعار رغم استمرار التوترات الجيوسياسية.

وقال إن فنزويلا تمتلك أعلى احتياطيات نفط مؤكدة في العالم، إلا أن إنتاجها الفعلي لا يزال منخفضًا مقارنة بكبرى الدول المنتجة، ما يجعل التأثير الكمي محدودًا، في حين يبقى التأثير الرمزي والجيوسياسي أكبر.

وأضاف أن الأسواق تراقب باستمرار مؤشرات العرض والطلب العالمية، ومستويات المخزون، والسياسات النفطية المعتمدة من قبل دول تحالف أوبك+، باعتبارها عوامل حاسمة في تحديد مدى قوة تأثير أي صراع على أسعار النفط العالمية.

توقعات بعيدة

قال سليمان الشحومي، الخبير في الشأن الاقتصادي: إنه “بعد التطورات الأخيرة التي شهدتها فنزويلا، لم تُسجَّل حتى الآن أي ردود فعل واضحة من قبل الأسواق العالمية، معتبرًا أن تأثير هذه التطورات لا يزال غير واضح المعالم في الوقت الراهن”.

وأوضح الشحومي في حديثه لـ”سبوتنيك”، أنه ربما يكون هناك تأثير محتمل يتمثل في زيادة المعروض النفطي، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تواجه إشكالية تتعلق بإنتاج النفط الصخري، الذي يُعد غير ذي جدوى اقتصادية في بعض مراحله.

ولفت إلى أن هذا التأثير، في حال حدوثه، سيكون على المدى البعيد وليس في الأمد القريب، وقد ينعكس بشكل أكبر في المستقبل وليس في الوقت الحالي.

وأضاف أن النفط الليبي يتمتع بموقع جغرافي قريب جدًا من الأسواق الأوروبية، فضلًا عن كونه نفطًا عالي الجودة، في حين أن النفط الفنزويلي يُعد نفطًا ثقيلًا ويحتاج إلى برامج وتقنيات خاصة ومعقدة حتى يمكن تكريره والاستفادة منه، وهو ما يمثل تحديات فنية كبيرة تعاني منها فنزويلا. وأكد أن النفط الليبي يتميز بجودة أعلى بكثير مقارنة بالنفط الفنزويلي.

وأشار الشحومي إلى أنه لا يعتقد بوجود انعكاس مباشر لهذه التطورات على النفط الليبي في الأسواق العالمية، موضحًا أن التأثير المحتمل الوحيد قد يكون في حال حدوث انخفاض عام في أسعار النفط عالميًا، وهو ما سينعكس بدوره على الاقتصاد الليبي.

وبين أن تراجع أسعار النفط سيؤثر بشكل مباشر على الموازنة العامة للدولة، نظرًا لأن الاقتصاد الليبي يعتمد بشكل شبه كلي على الإيرادات النفطية، حيث تشكل إيرادات النفط والغاز نحو 98% من إجمالي إيرادات الدولة.

وتطرق الشحومي إلى الحديث عن رفع الإنتاج النفطي، قائلًا إن هناك تقديرات تشير إلى إمكانية رفع إنتاج النفط في ليبيا وربما تجاوزه حاجز المليوني برميل يوميًا، إلا أنه اعتبر هذا الطرح بعيدًا عن الواقع بشكل كبير في الظروف الحالية.

وأكد أن زيادة إنتاج النفط تتطلب استثمارات ضخمة، وبرامج واضحة ومعلنة، إضافة إلى تجهيزات كبيرة على المستويات الإدارية والفنية واللوجستية، لرفع الطاقة الإنتاجية والتصديرية، بما يشمل تهيئة الموانئ للتخزين، والتوسع في عمليات الاستكشاف الجديدة.
ولفت إلى أن كل ذلك يحتاج إلى بيئة مستقرة، وجهد كبير، ودرجة عالية من الشفافية في قطاع النفط.

وشدد الشحومي على أن تطوير قطاع النفط يتطلب مشروعًا طويل الأمد ومستدامًا يمتد من خمس إلى عشر سنوات، بعيدًا عن التأثيرات والاضطرابات الناتجة عن الأوضاع الاقتصادية الحالية، والتي تعتمد في جانب كبير منها على الإقراض، مؤكدًا ضرورة وجود برامج مستقرة يمكن البناء عليها لوضع استراتيجية حقيقية لتطوير الإنتاج النفطي.

وفيما يتعلق بمسألة تقليل الاعتماد على قطاع النفط في ليبيا، قال الشحومي إنه لا يعتقد أن ذلك سيتحقق في المستقبل القريب، مشيرًا إلى أن تطوير مصادر إيرادات بديلة يتطلب العمل على خطط طويلة الأمد قد تمتد لعشر أو عشرين سنة قادمة، تقوم على سياسات واضحة ومعلنة يتم الالتزام بها.

وأوضح أن من الضروري وضع رؤى واضحة للتطوير الاقتصادي على مدى السنوات المقبلة، مؤكدًا أن الحديث عن تنويع اقتصادي فوري خلال عام أو عامين يُعد أمرًا غير واقعي وغير وارد في الظروف الحالية.

وأكد أن تنويع الاقتصاد الليبي يحتاج إلى مشروع اقتصادي منظم ومهيكل ومؤطر بشكل صحيح، حتى يمكن تحقيق تنويع أوسع في المستقبل، مشيرًا إلى أن قطاع النفط نفسه قد يكون أحد أهم ركائز هذا التنويع، نظرًا لاعتماده على منتجات متعددة ومختلفة، وقدرته على تحريك صناعات أخرى، ما يجعله بوابة محتملة للتطوير الاقتصادي الشامل.

تأثيرات مؤقتة

في السياق ذاته، قال الخبير في الشأن الاقتصادي محمد درميش إن الحملة الأمريكية على فنزويلا لا يُتوقع أن يكون لها تأثير مباشر وفوري على أسعار النفط في الوقت الراهن، موضحًا أن أي زيادة محتملة في الإنتاج الفنزويلي تحتاج إلى فترة زمنية طويلة، نظرًا لطبيعة النفط الفنزويلي الذي يُعد من أثقل أنواع النفط الخام في العالم، ويتطلب تقنيات خاصة ومعقدة في عمليات الاستخراج، إضافة إلى متطلبات فنية خاصة في مراحل النقل والاستلام والتكرير، وذلك وفقًا لما يؤكده عدد من خبراء قطاع النفط.

وأضاف درميش في تصريحات لـ”سبوتنيك” أن النفط الليبي يتمتع بعدة مزايا تنافسية تميّزه عن نفوط بعض الدول الأخرى، أبرزها قربه الجغرافي من الأسواق العالمية ومراكز التكرير، فضلًا عن الموقع الاستراتيجي لليبيا في قلب العالم وقربها من أهم الممرات البحرية العالمية، ما يمنح النفط الليبي أفضلية لوجستية ويقلل من تكاليف النقل والتشغيل.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن ليبيا تمتلك قاعدة مالية قوية، حيث يتراوح حجم رأس المال العامل والاستثمارات بين مائة مليار وثلاثمائة مليار دولار، إلى جانب امتلاكها احتياطيات مهمة من الذهب والعملات الأجنبية، فضلًا عن مساهماتها ومشاركاتها في مؤسسات مالية واستثمارية دولية، إضافة إلى مؤسسات وصناديق سيادية ومحلية.

وأكد درميش أن الدولة الليبية، وفي حال حُسن إدارة الموارد المالية والاقتصادية، قادرة على خلق بدائل اقتصادية فعالة والتخفيف من حدة تأثرها بانخفاض أسعار النفط، مشددًا على أن الاقتصاد الليبي لا يعاني شحًا في الموارد، بل يتمتع بإمكانات كبيرة تضعه في مستوى متقدم من حيث المركز المالي للدولة، رغم التحديات والظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.

مؤكدًا في قوله إن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر الموارد، وإنما في ضرورة وجود إدارة كفؤة وفاعلة للموارد والأموال العامة، بما يضمن استدامة الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على مواجهة الصدمات الخارجية وتقلبات أسواق الطاقة العالمية.

وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمس السبت، أن الولايات المتحدة شنت هجومًا واسع النطاق على فنزويلا، وأن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس قد احتجزا ونُقلا خارج البلاد.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here