تنكيل بالأسرى والجثث من بنغازي حتى طرابلس

عثر مقاتلو الكتيبة 166 التابعة لقوات حكومة الوفاق الوطني الليبية على جثة رفيقهم عبد السلام أبو دبوس، أحد أفراد قوة مكافحة الإرهاب، في الثلاثين من إبريل/نيسان الماضي، داخل ثلاجة الموتى بمستشفى السبيعة، التي استعادوا السيطرة عليها عقب أيام من ظهور تسجيل صوتي لأبو دبوس، وهو يناشد زملاءه التدخل لإطلاق سراحه بعد وقوعه أسيرا في أيدي مقاتلي مليشيا غرفة عمليات أجدابيا بقيادة فوزي المنصوري آمر محور عين زارة، والمشارك في الهجوم على العاصمة الليبية، ضمن عدد من قوات اللواء خليفة حفتر منذ الرابع من إبريل/نيسان الماضي.

ما حدث مع أبو دبوس، تكرر مع حسين شطيبة أحد قادة قوة حماية غريان التابعة لحكومة الوفاق الوطني ورفيقه الأسير فاروق قزم اللذين ظهرا أواخر إبريل الماضي، في مقطع مصور بينما يتحدث أحد مقاتلي قوات حفتر عن “أخلاقهم في معاملة الأسرى، وأنه سيجري تحويل شطيبة ومن معه للقضاء للبت في أمرهم”.

إلا أنه وبعد أيام على التسجيل، عثرت قوات الوفاق على شطيبة قتيلا، وسط تسعة أسرى آخرين أعدمتهم قوات حفتر ودفنتهم في منطقة صحراوية بجندوبة.

قتل عمد لأسرى معارك طرابلس

إلى جانب الحالات العشر السابقة لأسرى قتلوا بعد استسلامهم لقوات حفتر، وثق معد التحقيق عبر تتبع سلسلة من المقاطع المصورة المنشورة على الإنترنت، حوادث قتل لأسرى قامت بها القوات، ومن بينهم محمد جبريل صالح وهو أحد مقاتلي الكتيبة 166 التابعة للمنطقة العسكرية الوسطى بقوات حكومة الوفاق الوطني والذي قتلته قوات حفتر بعد أسره ومثلت بجثته، على غرار ما فعلته في مدينة بنغازي كما يقول المقاتل إبراهيم الرهيط أحد رفاق صالح في الكتيبة 166، الذي تابع : “مقاتلو حفتر ألقوا جثة الشهيد على مقدمة سيارة عسكرية وتدافعوا لالتقاط صور معها، التسجيلات المصورة للتمثيل بجثة صالح وغيره من الأسرى تملأ الإنترنت منذ حرب حفتر على بنغازي وحتى محاولته السيطرة على طرابلس”.

ولا يتوقف الاستهداف على المقاتلين إذ أظهر مقطع فيديو آخر التقط بكاميرا هاتف جوال لأحد مقاتلي حفتر بينما يجلس داخل حاملة جنود تتحرك في أحد الطرق الفرعية في منطقة خلة الفرجان جنوب العاصمة طرابلس إطلاق زملائه وابلاً من الرصاص على موكب لسيارات مدنية كانت تهرع للخروج من منطقة الاشتباكات.

“وتعمل فرق عمل تضم قانونيين وحقوقيين على رصد وتوثيق انتهاكات قوات حفتر بأنواعها المختلفة”، بحسب ما قاله مصطفى المجعي الناطق باسم المركز الإعلامي لعملية بركان الغضب، والذي شدد على ملاحقة كل من ثبت أو يثبت تورطه في انتهاكات إنسانية، وهو ما أكده الناطق باسم حكومة الوفاق، مهند يونس، قائلا إن الطريقة التي تتعامل بها قوات حفتر مع الأسرى التابعين لقوات حكومته توضح أنها “ميلشيا”.

وأكد في بيان له أن تعامل “قوات حفتر”، مع الأسرى الذين وقعوا خلال الحرب على طرابلس ، يبرهن على “إجرام وانعدام للإنسانية لهذه القوات”. واتهم يونس، قوات حفتر بالتمثيل بجثث الضحايا، مؤكدا على أنها مخالفه صارخة لكل الأديان والقوانين.

تصفية جسدية ونبش للقبور في بنغازي

وثقت منظمة ضحايا لحقوق الإنسان (ليبية غير حكومية) 100 حالة إعدام وتصفية لأسرى قامت بها قوات حفتر، كما يقول ناصر الهواري رئيس المنظمة مضيفا: “عملية الكرامة التي أطلقها حفتر وانتهت بالسيطرة على مدينة بنغازى في يوليو/تموز من عام 2017 شهدت ارتكاب عدد من الجرائم والانتهاكات يُصنف البعض منها كجرائم حرب وفقاً لما نص عليه القانون الدولي الإنساني ومنها التصفيات الميدانية للمعتقلين والأسرى والتى قام بها عدد من عناصرها وعلى رأسهم محمود الورفلي”.

وأضاف الهواري أن “الورفلي ومجموعته المسماة بـ(الخميسن أو السرية الأولى صاعقة)، وكتيبة طارق بن زياد وبعض المجموعات السلفية المتشددة التابعة لحفتر متورطة في تصفيات ومجازر الأبيار والضمان الاجتماعي وشارع الزيت ويصل مجمل الحالات التي تمت تصفيتها دون محاكمة إلى 100 حالة”، ويضيف الهواري: “هناك جرائم أخرى كنبش القبور والتمثيل بالموتى وإهانة الجثث وحرقها”، لافتا إلى أن ما جرى توثيقه تم بعد تداول مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي في ظل سيطرة المسلحين على المدينة.

وأصدرت الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية ( المحكمة) أمرًا ثانيًا بالقبض على محمود مصطفى بوسيف الورفلي (الضابط بقوات خليفة حفتر)، لمسؤوليته المدَّعى بها عن ارتكاب جريمة الحرب المتمثلة في القتل العمد في سياق النزاع المسلح ذي الطابع غير الدولي الدائر في ليبيا في يوليو/تموز من العام الماضي.

وحسب المحكمة، خلصت الدائرة إلى أن الدعوى المقامة على الورفلي أمام المحكمة مقبولة نظرًا إلى عدم اتخاذ إجراءات للتحقيق في ليبيا، وذكرت المحكمة على موقعها الإلكتروني، أن الدائرة خلصت، في أمرها الثاني إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الورفلي ارتكب بنفسه جريمة الحرب المتمثلة في القتل العمد في سياق حادثة ثامنة جرت في 24 يناير/كانون الثاني 2018، حيث يُدَّعى بأنه أطلق النار على 10 أشخاص أمام مسجد بيت الرضوان في بنغازي بليبيا فأرداهم.

تشويه الجثث في درنة

وثق الناشط الليبي أحمد عياد (اسم مستعار لوجود عائلته في درنة)، عددا من الانتهاكات التي ارتكبتها قوات حفتر والتي حاصرت درنة لمدة عامين قبل أن تسقط في يونيو/حزيران من عام 2018، من بينها حادثة وقعت في يناير/كانون الثاني 2016 إذ اختطفت قوات حفتر بقيادة فرج بو الحنش أحد قادة كتيبة أولياء الدم ثلاثة عناصر من كتيبة علي حسن الجابر بقيادة العقيد محمد أغفير التي قاتلت ضد تنظيم داعش حتى أخرجته من المدينة، وبعد اختطافهم قاموا بقتلهم وحرقهم في سيارة في الطريق الواصل ما بين الحيلة جنوب درنة ودينة البيضاء.

وكشف عيّاد عن حادثة أخرى وقعت في منتصف يونيو/حزيران الماضي بعد اقتحام حى شيحا الشرقية، حين قام مسلحون تابعون لقوات حفتر بإطلاق النار بكثافة والتنكيل بجثماني الشيخين عبد السلام العوامي وبوزيد الشلوي، وفي ذات الشهر اعتقلوا مواطنا يعانى من اضطرابات نفسية وقاموا بنزع ملابسه وسحله ورميه من مبنى عال، وفي حي الساحل الشرقي في ذات الشهر أيضا قتلوا عبد السلام المنفي أحد عناصر قوة حماية درنة، وذلك بعدما طلب منه مسلحو حفتر أن يقوم بإسعافهم وبعد وصوله إليهم قتلوه ونكلوا به، وحتى بعد انتهاء الحرب في درنة وإعلان آخر مجموعة تسليم أنفسهم برعاية الهلال الأحمر، اقتادت قوات حفتر خمسة عناصر إلى سد وادي درنة وقامت بإعدامهم ووضع جثامينهم على مدرعة عسكرية وتجولت بهم داخل المدينة، كما يقول شاهد العيان عيّاد.

وتصنف الجرائم السابقة باعتبارها جرائم حرب كما أنها تدخل ضمن نطاق الجرائم ضد الإنسانية وفقا لقانون العقوبات الليبي ووفقا لما تنص عليه المادة الثامنة من اتفاقية روما واتفاقية جنيف الثالثة بشأن حماية الأسرى بحسب موسى القنيدي أستاذ القانون الدولي بجامعة مصراتة وممثل المرصد الأورو متوسطي لحقوق الإنسان (منظمة دولية تعنى بحقوق الإنسان ومقرها الرئيس في جنيف)، ويُضيف القنيدي: “هذه الانتهاكات لها مسار واضح ومتكرر يؤكد أنها سياسة ممنهجة وليست انتهاكات فردية، ونعمل مع أهالي الضحايا على توثيق ما حدث”.

إعدامات وانتهاكات ممنهجة في مرزق

في العشرين من فبراير/شباط الماضي وبعد إعلان قوات حفتر فرض سيطرتها على الجنوب الليبي، بدأت معاناة الأهالي من انتهاكات يتعرضون لها على أيدي هذه القوات وفق ما كشفه شهود عيان من قبائل التبو (مجموعة إثنية متركزة في الجنوب الليبي) في مدينة مرزق الواقعة في أقصى جنوب ليبيا إذ جرى شن حملة اعتقالات وتنكيل بالمدنيين، تخللتها إعدامات ميدانية وتصفية جسدية. ومن بينها ما جرى في الثاني والعشرين من الشهر ذاته، وبعد يومين من السيطرة على مرزق إذ اغتيل مدير مديرية أمن المدينة إبراهيم كرّي، المعيّن من حكومة الوفاق الوطني، ما دفع رئيس هيئة الإسكان والمرافق بالحكومة المؤقتة التابعة لحفتر المهندس علي كوصو أردي إلى تقديم استقالته.

ويقول كوصو أن استقالته جاءت على خلفية ما سماها “حملة عسكرية للتطهير العرقي باستخدام قوات من المرتزقة الأجانب وبتجنيد بعض القوات والعصابات القبلية المتشددة”، في إشارة إلى عملية السيطرة على الجنوب التي يقودها حفتر والتي تشير إليها أصابع الاتهام في اغتيال مدير مديرية الأمن، على حد قوله.

ويعلق المحلل السياسي الليبي عبد الله الكبير على الوقائع السابقة، قائلا: “القوات حفتر، لم تتلق أية تدريبات أو دورات نظامية حول طرق التعامل مع العدو أو الخصم في كل حالاته. سواء عند المواجهة أو إلقائه لسلاحه أو عند القبض عليه جريحا. كما أن تعليمات حفتر تحضهم على قتل خصومهم في المعركة”. ويحمّل الكبير المبعوث الأممي غسان سلامة مسؤولية توثيق تلك الجرائم ومخاطبة مجلس الأمن للتحرك بشأنها خصوصاً وأن طرق الإعدام التي نفّذها او أشرف عليها الورفلي لا تختلف عن أساليب داعش، قائلا إن: “الفارق الوحيد أن داعش يرى أن من يقتلهم مرتدون بينما كان الورفلي يعتبرهم خوارج”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here