أفريقيا برس – ليبيا. أطلق الحكم الصادر، مؤخراً، بفرض حراسة قضائية على إيرادات النفط الليبي من قبل إحدى محاكم المنطقة الشرقية، تساؤلات كثيرة حول مصير “اللجنة المالية العليا”، التي شكّلها ويترأسها محمد المنفي؛ بهدف تحديد أوجه الإنفاق العام، ومراقبة التوزيع العادل لإيرادات النفط.
وعلى الرغم من تباين الآراء حول مصير هذه اللجنة الرئاسية ما بين التفعيل والتهميش، خصوصاً إذا تمكنت الحكومة المكلفة من البرلمان، برئاسة أسامة حماد، من تطبيق الحكم القضائي، فقد اتفق سياسيون ونشطاء على أن أغلب الطروحات والخطوات، التي تموج بها الساحة الليبية مؤخراً، باتت تتمحور حول فكرة تقاسم السلطة والثروة بين القوى الفاعلة على الأرض وحلفائهم، دون أي اهتمام حقيقي بتحسين أوضاع الليبيين.
في هذا السياق، استبعد رئيس الهيئة التأسيسية لحزب “التجمع الوطني الليبي”، أسعد زهيو، تطبيق حكومة أسامة حماد الحكم القضائي الصادر لصالحها، و”إبقاؤه فقط ورقة ضغط يتم إشهارها، وتحريكها عند الحاجة إليها في وقت لاحق”.
وقال زهيو: “أعتقد أن الحكم سيبقى ورقة مهمة توظف من قبل القيادة العامة للجيش الليبي في مواجهة حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، إذا لم تتحصل من لجنة المجلس الرئاسي على ما تراه نصيباً عادلاً لمناطق نفوذها بشرق البلاد وجنوبها”.
وكانت محكمة إجدابيا الابتدائية بالشرق الليبي، قد قضت بأن ترشح الحكومة الليبية المكلفة من البرلمان حارساً قضائياً على إيرادات النفط، وكذلك أموال الدولة المحصلة والواردة إلى المصرف الليبي الخارجي، ومصرف ليبيا المركزي بطرابلس من تلك الإيرادات، وهو ما يعني منع حكومة الدبيبة من التصرف بكل تلك الأموال.
ويتفق زهيو مع ما طرحه كثير من المراقبين بأن الترحيب الدولي الواسع بقرار تشكيل المجلس الرئاسي لجنة الترتيبات المالية يعكس فكرة أنها جاءت “للإبقاء على حالة الاستقرار النسبي والهش القائم بين طرفي الصراع الرئيسيين بالبلاد”؛ أي حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة للجيش الوطني. وقال بهذا الخصوص إن المجتمع الدولي “ليس معنياً سوى بتفادي شبح الحرب وضمان تدفق النفط، ويتجاهل كلية حق الشعب في تقرير مصيره عبر الانتخابات، ورغبته في معالجة قضاياه الاقتصادية الخانقة، وبالتالي فمن المستبعد أن تؤدي هذه اللجنة، أو غيرها، كما تردد أغلب الأطراف المحلية والدولية، لحماية ثروات البلاد وتوزيعها بشكل عادل”.
وأضاف زهيو موضحاً أن “مئات المليارات أُنفقت في السنوات الماضية دون أن يصل لليبيين منها سوى أقل من القليل، وللأسف فالوضع مرشح للاستمرار في ظل افتقاد خطط وبرامج اقتصادية سليمة تستهدف إيقاف الفساد بمؤسسات الدولة، وتضمن معاقبة مرتكبيه، وتعمل على التحول من النظام الريعي الراهن”.
وكان قائد “الجيش الوطني”، خليفة حفتر، قد لوّح قبل أيام عدة بـ”اللجوء للتصعيد العسكري في حال عدم إيجاد لجنة عليا للترتيبات المالية، قادرة على إدارة المال العام بطريقة عادلة”، مؤكداً ضرورة “انتهاء تلك اللجنة من مهامها قبل نهاية أغسطس (آب) المقبل”. وقد جاءت تصريحات حفتر بعد شكاوى واتهامات وجهتها حكومة حماد لمنافستها حكومة الدبيبة “بصرف المليارات بشكل مبالغ فيه، وفي غير أوجه الصرف الضرورية”.
وتعد قضية توزيع إيرادات النفط أحد أهم محركات الصراع في ليبيا خلال السنوات الماضية، وتجددت مؤخراً جراء توتر الأجواء السياسية بين الحكومتين المتنازعتين على السلطة التنفيذية بالبلاد.
من جهتها، استبعدت الأكاديمية الليبية، فيروز النعاس، إمكانية تنفيذ الحكم القضائي، وأيضاً تفعيل لجنة المجلس الرئاسي للترتيبات المالية، واصفة ما يحدث بـ”المماحكات السياسية بين أفرقاء الأزمة، التي تقود البلاد للأسف للمزيد من الانقسام، وإهدار ثرواتها المعتمدة بشكل رئيسي على إيرادات النفط”.
وقالت “النعاس” إن الحكم الصادر مؤخراً هو حكم ابتدائي قابل للطعن عليه، متابعة: “من الصعوبة جداً تنفيذ حكم قضائي صادر عن محكمة قضائية بمنطقة الشرق الليبي على المصرف الخارجي، التابع للمصرف المركزي بطرابلس العاصمة، حيث تدار عائدات النفط”. ورأت أن قيادات الشرق الليبي “ترسل عبر هذا الحكم رسالة للدول الغربية بأنها لن تتجاوز الخط الأحمر، وتوقف النفط، بل تسعى لتجميد إيراداته فقط، والعمل في الوقت ذاته على التضييق على حكومة الدبيبة، التي ترفض أغلب الأطراف الدولية استبدال حكومة جديدة بها”.
وأضافت “النعاس” أن “المستهدف والمتضرر الحقيقي من هذا القرار، حال تنفيذه، سيكون الشعب الليبي، وذلك بحرمانه من التمتع بهامش من الإيرادات، التي يتحصل عليها عبر إقامة بعض المشاريع الصغيرة”.
أما بخصوص لجنة “الرئاسي”، فقد أكدت “النعاس” أنها لن تؤدي إلى إحداث أي تغيير إيجابي في وضعية المواطن حال تفعيلها. وقالت إن اللجنة “شُكلت بوصفها حلاً بديلاً عن إيجاد موازنة عامة للدولة، يتم اعتمادها من البرلمان الذي يتعامل مع الوحدة الوطنية بوصفها حكومة منتهية الصلاحية، ويرفض إقرار مشروع قانون ميزانيتها، وربما أيضاً لإيقاف قيادات الشرق عن التهديد بإيقاف النفط”، مشيرة إلى أن وجود عدد من وزراء حكومة الدبيبة في عضوية لجنة “الرئاسي”، وتشكيلهم ما يمكن وصفه بـ”الثلث المعطل” لقراراتها، يرشح استمرار الخلاف حول الإيرادات، خصوصاً في ظل ابتعاد اللجنة عن الآليات الاقتصادية السليمة، والتعامل مع مصطلح التوزيع العادل بكونه غنيمة توزع بين الأطراف الفاعلة.
وانتهت الأكاديمية الليبية منددة بمواقف الأطراف المتصارعة “التي يتنافس كل منها على الحديث باسم الشعب وحقوقه، ويطالب بصرف الأموال لعلاج أبنائه وتحسين معيشتهم، دون تفويض حقيقي من الشعب لهم، وكأنهم يتعاملون معه كحاضر غائب بالمشهد”.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا اليوم عبر موقع أفريقيا برس





