أفريقيا برس – ليبيا. لم تعد الاجتماعات المعنية بـ”المصالحة الوطنية” في ليبيا تحظى باهتمام ملحوظ من قبل المواطنين، وهو الأمر الذي أرجعه سياسيون إلى أن اهتمامات الليبيين باتت تنحصر في متابعة الصراع الراهن بين أفرقاء الأزمة وتداعياته على إجراء الانتخابات، والتركيز أكثر على أوضاعهم المعيشية.
ولخّص عضو “ملتقى الحوار السياسي”، أحمد الشركسي، رؤيته لأسباب تراجع الاهتمام بملف المصالحة، بالرغم من أهميته البالغة في التمهيد للانتخابات، والانتقال لمرحلة الاستقرار الدائم، في أنه “تحول من قضية وطنية إلى مجرد طقس واحتفال سياسي”. وقال الشركسي إن المصالحة في أي بلد “تتطلب مؤسسة تشريعية تحظى بمساندة شعبية قوية لتقر القوانين المتعلقة بها، كالعفو العام، أو تقديم التعويضات وجبر الضرر، ويتقبلها الجميع، كما تحتاج أيضا سلطة تنفيذية موحدة مدعومة شعبياً أيضا لتتمكن من تنفيذ تلك القوانين بعموم البلاد”، لكن ليبيا تفتقر لذلك “في ظل عرقلة الانتخابات”.
ورأى الشركسي أن “شكوك كثير من الليبيين تزايدت مؤخرا حول جدية وموضوعية ما يطرحه المجلس الرئاسي بشأن الملف، ولذلك باتوا يفضلون التركيز على أوضاعهم المعيشية، والاهتمام بدرجة أقل على إجراء الانتخابات، على أمل أن تؤدي إلى إزاحة الأجسام والشخصيات كافة المتصدرة للمشهد”.
وتساءل في السياق نفسه عن عدم قيام المجلس الرئاسي بتقديم كشف حساب لما أنجزه من جهود بملف المصالحة، منذ توليه للسلطة بالشهور الأولى لعام 2021، وحتى الآن، بالإضافة إلى حجم التكلفة المالية لذلك.
وشارك كل من رئيس الكونغو دنيس ساسو أنغيسو، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقي، وعضو المجلس الرئاسي الليبي عبد الله اللافي، في إطلاق فعاليات الاجتماع التحضيري، الذي جاء في إطار التمهيد لانعقاد المؤتمر الجامع للمصالحة الوطنية في أغسطس (آب) المقبل بالعاصمة طرابلس.
كما انتقد الشركسي ما سماه “إصرار الرئاسي على عقد مؤتمرات المصالحة بالعاصمة طرابلس، دون غيرها من المدن الليبية، ودون التفكير في إيجاد رمزية وزخم شعبي لها بعقدها في المدن، التي شهدت قدراً كبيراً من المعاناة كتاورغاء، التي عانى أهلها من التهجير منذ عام 2011، أو ترهونة التي شهدت انتهاكات مروعة قبل عدة سنوات، ولا تزال مقابرها الجماعية تكشف عن خباياها”.
ورأى الشركسي أن دعم بعض المنظمات الدولية والإقليمية لما يطرحه المجلس الرئاسي يجعلها شريكة له في المسؤولية، وقال بهذا الخصوص: “هم يدركون أن كل ما يجرى لن يؤدي لأي خطوات إيجابية”.
واستبعد الشركسي أن يكون مصير المؤتمر القادم على عكس مؤتمرات المصالحة السابقة، التي قال إنها “لم تترك أي تأثير حقيقي فيما يتعلق برفع المعاناة عن أصحاب المظالم، ولم تتطرق إلى قضايا جوهرية، مثل المظلومية الجهوية ما بين إقليمي برقة وفران من جهة، وطرابلس من جهة أخرى”، وفق قوله.
من جهته، رأى المحلل السياسي الليبي، محمد محفوظ، أن متابعة الليبيين لجولات الصراع على السلطة، ومؤخرا على النفط وإيراداته بين القوى الفعلية في شرق البلاد وغربها، “دفعهم للانصراف عن القضايا العامة، والانشغال بدرجة أكبر بهمومهم الخاصة مثل البحث عن وظائف، والدخل المادي الثابت لهم ولأبنائهم، أو طلب العلاج بالخارج”.
وقال محفوظ: “للأسف تحولت المصالحة من شأن عام إلى شأن خاص، يتعلق بالأفراد الذين تعرضوا للظلم، بغض النظر عن عدد هؤلاء وعن حجم الظلم الذي وقع عليهم”.
وانتقد المحلل السياسي ما تردد عن تركيز الاجتماع التحضيري بالكونغو على المصالحة بين أنصار النظام السابق وأنصار (ثورة فبراير)، بدلاً من مواكبة تطلعات الليبيين في إيجاد حلول لمعالجة الانقسام الراهن بين مختلف مؤسسات الدولة، أو على الأقل تبني رؤية للحد من تداعيات هذا الانقسام على المواطنين.
أما وزير الداخلية السابق، عاشور شوايل، فقد اعتبر أن الانتخابات صارت تتصدر أولويات الليبيين، كونها “قد تكون أداتهم وفرصتهم الوحيدة لإنهاء الصراعات، ووجود الأجسام السياسية التي يحملونها مسؤولية كل ما يمرون به اليوم من أزمات”.
وتحدث شوايل عن جهود المجلس الرئاسي في هذا الملف، بالإضافة إلى وجود حراك مستمر يعنى به، ولكن على مستوى النخب السياسية والمدنية. وقال إن تلك النخب “تحرص على عقد اجتماعاتها بمدن عدة داخل البلاد لا خارجها؛ كون أن الليبيين هم الأكثر دراية بطبيعة مجتمعهم مقارنة بأي طرف آخر، وتلك الاجتماعات تركز على العوامل، التي يمكن أن تدفع أفراد المجتمع لتقبل مفاهيم المصالحة والعدالة الانتقالية بشكل واقعي”.
وأضاف شوايل موضحاً أن طالعدالة الانتقالية” تتمحور حول تخيير أصحاب الحقوق من أولياء الدم، أو المتضررين ما بين تقديم الجناة للقضاء، أو القبول بجبر الضرر، دون يؤدي ذلك للمساس بحق القضاء وسيادة القانون.
وعلى الرغم من أنه يرى أن “ما بذل بهذا الملف منذ 2011 لا يزال قليلا”، فإن شوايل دعا إلى ضرورة “بذل مزيد من الجهود بملف المصالحة خلال المرحلة الراهنة، للتمهيد لإجراء الانتخابات، كون المصالحة الحقيقية لن تبدأ إلا بعد استقرار الدولة”.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن ليبيا اليوم عبر موقع أفريقيا برس





