تنسيقية الأحزاب الليبية تتحفظ على لقاءات مستشار ترامب

تنسيقية الأحزاب الليبية تتحفظ على لقاءات مستشار ترامب
تنسيقية الأحزاب الليبية تتحفظ على لقاءات مستشار ترامب

نسرين سليمان

أفريقيا برس – ليبيا. في تصعيد سياسي جديد يعكس اتساع دائرة الاعتراضات على المسارات الدولية الجارية بشأن ليبيا، أعلنت تنسيقية الأحزاب الليبية أنها تنظر «بريبة» إلى لقاءات مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والشرق أوسطية مسعد بولس، معتبرة أنها تُنظم بصورة انتقائية وتعيد إنتاج الوجوه نفسها، كما أدانت استمرار عقد لقاءات إقليمية حول ليبيا دون حضور ليبي جامع، محذرة من أن هذه المقاربات لا تصنع حلا بقدر ما تُعمق الانقسام وتُطيل أمد المرحلة الانتقالية.

وقالت التنسيقية في بيان إن الأجسام السياسية القائمة تتحمل مسؤولية الانسداد السياسي الراهن نتيجة تشبثها بالمواقع وتغليب المصالح الضيقة والشخصية، مؤكدة أن استمرار هذا الوضع لم يعد مقبولا سياسيا ولا أخلاقيا، وأنه يشكل تهديدا مباشرا لوحدة البلاد واستقرارها ومستقبلها، وسط حالة تآكل متواصل في ثقة الشارع بقدرة المؤسسات الحالية على إدارة الانتقال أو توفير شروط الاستقرار.

وربطت التنسيقية موقفها بسياق لقاءات يجري تقديمها تحت عناوين دولية أو أممية داخل ليبيا، معتبرة أن تكرار الاجتماعات بالشخصيات والخطابات نفسها يعيد إنتاج الأزمة بدل كسر حلقتها، وشددت على أن أي تحرك دولي لا ينطلق من الاعتراف بفشل الأجسام الحالية ولا يساند مسارا واضحا لإنهاء المرحلة الانتقالية ومعالجة أسباب الصراع، فهو تحرك يسهم في إطالة الأزمة لا حلها، في إشارة إلى مخاوف من تحوّل اللقاءات إلى إدارة للأزمة عبر تفاهمات جزئية لا تفتح الطريق أمام تغيير سياسي فعلي.

وفي موازاة ذلك، أدانت التنسيقية عقد لقاءات إقليمية حول الشأن الليبي دون حضور أو تمثيل ليبي جامع، معتبرة أن آخرها اجتماع بعض دول الجوار مصر وتونس والجزائر حول ليبيا دون مشاركة داخلية يعكس تجاوزا للسيادة الوطنية، ويكرس منطق التعامل مع ليبيا كملف إقليمي لا كدولة مستقلة، وهو موقف يعكس حساسية متزايدة تجاه المبادرات الخارجية حين تُدار بمعزل عن القوى المدنية والأحزاب ومؤسسات المجتمع.

وحذرت التنسيقية من أن تغييب الليبيين عن مناقشة مستقبل بلادهم يعد سابقة خطيرة، قد تفضي إلى تعميق الانقسام وفقدان الثقة في أي مخرجات سياسية، مطالبة دول الجوار بالتفاعل الإيجابي مع القوى الوطنية الليبية والابتعاد عن استغلال ضعف السلطات القائمة والتدخل في الشأن الداخلي بدواعي المصالح والأمن القومي والإقليمي، في وقت تتزايد فيه الشكوك لدى أطراف متعددة بشأن حدود أدوار الخارج وأثرها على معادلة الشرعية الداخلية.

وفي جانب آخر من بيانها، انتقدت التنسيقية تجاوز بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تنفيذ مقترحات اللجنة الاستشارية رفيعة المستوى والانتقال إلى آلية الحوار المهيكل، معتبرة أن ذلك يمثل تمطيطا لحالة الانغلاق السياسي، وجددت الدعوة إلى منح الليبيين فرصة استعادة دولتهم وتجديد شرعية مؤسساتهم عبر تطبيق المقترح الرابع للجنة الاستشارية، وهو ما يعكس تمسكا من الأحزاب بفكرة وجود مخرج محدد وواضح بدل تعدد المسارات وتدويرها دون الوصول إلى محطة نهائية.

وأكدت التنسيقية أنه لا شرعية لأي أجسام سياسية تواصل تعطيل الانتخابات وتطيل الأزمة ومعاناة المواطنين، ولا حل عبر تفاهمات خارجية أو صفقات جزئية تستثني القوى المدنية، مشددة على ضرورة الاستفتاء الشعبي على أي تسويات أو مخرجات لأي حوارات تتصل بمعالجة أسباب الصراع ورسم مسار الخروج من الأزمة، في رسالة تحمل بعدين أحدهما يتعلق بشرعية المؤسسات والآخر يرتبط بآليات صناعة القرار السياسي في المرحلة المقبلة.

ودعت التنسيقية الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني إلى الاصطفاف لفرض مسار ينهي ما وصفته بمرحلة العبث السياسي واستعادة القرار الليبي لليبيين والحد من هيمنة الدول المتدخلة وسلطات الأمر الواقع، مؤكدة أنها سبق أن ساهمت في تقديم مبادرات متعددة المسارات ومبادرة المؤتمر التأسيسي، بما يعكس محاولة لإبراز حضور القوى الحزبية في النقاش العام وعدم ترك المجال محصورا بين الأجسام الرسمية المتنازعة والوسطاء الدوليين.

وتأتي هذه المواقف في ظل حضور الملف الليبي ضمن جولة إقليمية لمسعد بولس شملت الجزائر وتونس بعد يومين من زيارة طرابلس وبنغازي، حيث عقد خلالها لقاءات مع أطراف من غرب البلاد وشرقها، بينما تزامنت الجولة مع حراك إقليمي لآلية التشاور الثلاثي بين مصر وتونس والجزائر التي أعادت التأكيد على أن حل الأزمة الليبية يجب أن يكون داخليا، في محاولة لتقديم إطار سياسي إقليمي داعم دون أن يتحول إلى منصة بديلة عن التوافق الليبي.

وسب ما يرصده مراقبون، فإن التحركات الأميركية الأخيرة تبدو أكثر اقترابا من مقاربة تربط المسار السياسي بالاقتصاد والطاقة، عبر حضور أميركي بارز في فعاليات اقتصادية شهدت توقيع تفاهمات في قطاع النفط ومشاركة شركات دولية، وهو ما يُفهم على أنه سعي لإعادة ترتيب الأولويات بحيث تصبح المصالح الاقتصادية عامل دفع لإعادة هندسة التوازنات، مقابل تراجع فعالية المسارات السياسية التقليدية التي تعثرت مرارا خلال السنوات الماضية.

ويشير مراقبون أيضا إلى أن توسع الحضور الأميركي في المشهد الليبي من بوابة الطاقة يوازيه اهتمام ببناء ترتيبات أمنية تساعد على توفير بيئة مستقرة لعمل الشركات والاستثمارات، عبر الحديث عن تعاون تدريبي وعسكري مشترك يضم قوات من شرق البلاد وغربها، وهي قراءة تضع التحركات ضمن إطار أوسع يتجاوز اللقاءات السياسية المباشرة إلى محاولة خلق مظلة مصالح مشتركة تمنع التصعيد وتحد من فرص العودة إلى المواجهات.

وفي هذا السياق، تبدو مخاوف تنسيقية الأحزاب متصلة بسؤال التمثيل السياسي الحقيقي داخل أي مبادرة خارجية، وبالخشية من أن تتحول اللقاءات الدولية أو الإقليمية إلى مسارات انتقائية تتعامل مع عدد محدود من اللاعبين وتستبعد القوى المدنية التي تطالب بدور مباشر في صياغة الحل، وهو ما يعيد إنتاج فجوة الثقة بين القوى السياسية من جهة والمؤسسات الرسمية والوسطاء الدوليين من جهة أخرى.

وتتزامن هذه التطورات مع استمرار بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في تيسير مسارات حوار مهيكل، ومع الحديث عن جهود لدفع خريطة طريق سياسية باتجاه إنهاء الانقسامات والوصول إلى انتخابات وطنية، إلا أن تباين التصورات بين الأطراف المحلية حول الأولويات والآليات ما زال يضعف فرص التقدم السريع، ويجعل أي حراك خارجي عرضة للتأويل بين من يراه فرصة لإنعاش العملية السياسية ومن يعتبره امتدادا لإدارة الأزمة وتدويرها.

ومع احتدام الجدل حول شكل المشاركة السياسية ومعايير التمثيل، تظل عقدة الانتخابات وتجديد الشرعية في صدارة مطالب القوى المدنية، بينما تتسع المطالب بإطار سياسي شفاف ومحدد زمنيا ينتهي إلى سلطة منتخبة بإرادة شعبية، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة بمدى قدرة الفاعلين المحليين والدوليين على صياغة مسار لا يستثني أحدا ولا يكرر أدوات المرحلة الانتقالية نفسها.

وفي ختام بيانها، شددت تنسيقية الأحزاب على أن ليبيا ليست ساحة نفوذ ولا ملفا للتفاوض الإقليمي بل دولة ذات سيادة، محذرة من أن تجاهل صوت الأحزاب والقوى السياسية الليبية قد يقود إلى انفجار سياسي تتحمل مسؤوليته الأطراف التي شاركت في تغييب الحل الحقيقي، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن أي تسوية لا تستند إلى توافق داخلي واسع واستفتاء شعبي ستكون معرضة للرفض والهشاشة وعدم الاستدامة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here