“حولها لدولة فاشلة”… حصيلة تدخل الناتو في الأزمة الليبية بعد 10 سنوات؟

7
"حولها لدولة فاشلة"... حصيلة تدخل الناتو في الأزمة الليبية بعد 10 سنوات؟

افريقيا برسليبيا. كل شعارات الديمقراطية والرفاه التي رفعت في 2011 لم تتحقق بعد، بل زاد الفقر والقتل والتهجير والدمار، هكذا تأتي الذكرى العاشرة لاحتجاجات ليبيا، لتكشف عما وصلت إليه الأمور في البلد العربي الممزق.

لم يصل المشهد في ليبيا إلى محطة يتفق عليها الجميع بشكل كلي حتى الآن، وبرغم تولي حكومة جديدة وتسلمها للسلطة منتصف مارس/ آذار 2021، بعد حصولها على ثقة البرلمان، تظل الكثير من القضايا محل ترقب في الداخل والخارج.

من الاحتجاجات إلى الحرب

في السابع من فبراير/شباط 2011، انطلقت الاحتجاجات في ليبيا مطالبة برحيل نظام معمر القذافي، لكن سرعان ما تحول المشهد إلى حرب في المدن والأحياء، تعالت معها الأصوات المطالبة بحماية المدنيين، وهو ما يراه بعضهم الذريعة التي تدخل على أساسها حلف شمال الأطلسي “الناتو” الذي تصف الأغلبية عملياته بـ”تدمير ليبيا”.

سيطرت الفصائل المسلحة على العاصمة طرابلس، في أغسطس/ آب من نفس العام، بمساعدة سلاح الجو الأطلسي، وذلك بعد مغادرة القذافي إلى سرت.

في 19 مارس/ آذار، قادت فرنسا هجوما على القوات المسلحة الليبية، بالتحالف مع عدد من الدول الأعضاء في الحلف، الذي بدا مهامه في 31 مارس 2011، واستمر لمدة 8 أشهر.

قتل القذافي في مدينة سرت (مسقط رأسه)، عن عمر ناهز 69 سنة في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2011، لكن المأساة لم تنته، فما نتج عن عمليات الناتو في ليبيا ما زال حتى الآن محل تباين، فريق يرى أنها دمرت ليبيا وكان الهدف منها نهب ثرواتها والتخلص من معمر القذافي، بأي ثمن، بينما يرى فريق آخر أنها خلصت البلاد من نظام القذافي للانتقال لمرحلة جديدة من الديمقراطية وتداول السلطة، غير أن السنوات العشر الماضية استمر فيها النزيف والتهجير والقتل.

الوضع في ليبيا الآن يلخصه آلاف القتلى، وانتشار الأمراض، وبنى تحتيه مدمرة وانتشار للفساد ومعه زيادة في نسب الفقر، وتهجير السكان. هكذا بات الوضع الآن في ليبيا، التي تعد الأكبر في قارة أفريقيا في احتياطات النفط، وتحتل المرتبة التاسعة بين عشر دول لديها أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة لبلدٍ في العالم، ما يعتبره بعضهم حصاد لتدخل الناتو في الأزمة الليبية، وهو ما يؤكده خبراء ورجال الدولة في النظام السابق.

ويرى الكاتب والمحلل الليبي ناصر سعيد، أن تدخل الناتو في ليبيا كان “أكبر كارثة حلت بليبيا”، مؤكدا في حديثه لـ”سبوتنيك” أن الناتو “جعل من ليبيا دولة فاشلة”.

وأشار إلى أن “التدخل الأجنبي الأطلسي العسكري في ليبيا من قبل الناتو يعد حرب كونية لم يشهد لها العالم مثيل، حيث شاركت أكثر من أربعين دولة دكت ليبيا بالصواريخ والقنابل برا وبحرا وجوا”. وقال إن “الناتو سلم ليبيا إلى التنظيمات الإرهابية والميليشيات والعصابات الإجرامية، في محاولة لإدارة البلد، إلا أنهم فشلوا”، حسب تعبيره.

تركوا ليبيا وحدها

“العالم أسقط القذافي وترك ليبيا تواجه مصيرها، دون المساعدة في بناء دولة”، هكذا يلخص النائب مصباح دومة عضو البرلمان الليبي، الوضع في ليبيا الآن، مضيفا في حديث مع “سبوتنيك”، أن “الصراع الدولي بدعم بعض الأطراف للسيطرة، أدى إلى تدمير البنية التحتية وإشعال حروب راح ضحيتها مئات الليبيين”.

وضع البرلماني الليبي شروطا لعودة ليبيا القوية، فيقول إن “”قيام دولة قوية غير ممكن دون المصالحة الوطنية الشاملة، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ووقف التدخلات الأجنبية السلبية”، مشددا في الوقت ذاته على ضرورة إخراج كل حاملي السلاح من الأجانب، وكبح تدخلات الدول واحترام السيادة الليبية.

وبحسب تقرير للأمم المتحدة صدر في فبراير العام الماضي، كشف أن ليبيا باتت أكبر مخزون في العالم من الأسلحة غير الخاضعة للرقابة، وأن هناك ما بين 150 و200 ألف طن من السلاح في جميع أنحاء البلاد، ما يعادل نحو 29 مليون قطعة سلاح.

القضاء الدولي

لا يستبعد دومة مقاضاة كل من ساهم في الوضع الحالي، سواء من الداخل أو الخارج، وخاصة من جلب السلاح والمرتزقة إلى ليبيا. كما تقدم دومة بطلب للنائب العام الليبي بالتحقيق مع أعضاء الحكومات السابقة في شبهات الفساد وإهدار المال العام.

الرأي ذاته يشير إليه أحمد قذاف الدم المبعوث الخاص للقذافي، إذ يقول إنهم “طلبوا من الأمين العام للأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالتحقيق المحايد في ما حدث”.

ويرى قذاف الدم أن الليبيين ندموا اليوم بعد عشر سنوات، بعد أن “اكتشفوا حجم المؤامرة وحجم الدمار الذي طال الدولة الليبية”. وأكد في حديثه لـ”سبوتنيك”، على تشكيل فريق من المحامين لرفع قضايا ضد من أجرموا في حق الدولة الليبية، وأن الآلاف من الليبيين والمحامين حول العالم انضموا للمطالبة بمحاكمة كل من أجرموا في حق الدولة الليبية.

على عكس هذا الرأي يرى الدكتور صالح الزوبيك الأكاديمي الليبي، أنه فيما يتعلق بالقضاء الدولي فالمؤشرات السابقة توضح ما يمكن أن ينتج على الأمر. ويستدل الزوبيك بما حدث من خلاف خلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مع محكمة الجنايات الدولية وغل يدها حيال ممارسات الجنود الأمريكيين في أفغانستان والعراق، يؤكد الموقف الذي يمكن أن ينتج عن المطالبة بمقاضاة الدول التي دمرت ليبيا.

ويؤكد أن “الأفضل هو الضغط من خلال المنظمات المعنية بحقوق الإنسان من أجل التعويض العادل للضحايا، جراء عمليات الناتو في ليبيا وتحميل المجتمع الدولي المسؤولية الأخلاقية عن سلوكه، تجاه ليبيا”.

تدمير مرافق الدولة

ويشير أحمد قذاف الدم إلى إن قرار مجلس الأمن الذي صدر بشأن التدخل في ليبيا في العام 2011، لم يكن يعبر عن القانون الدولي؛ خاصة أن ما حدث في ليبيا لم يهدد السلم العالمي، ما يعني عدم اختصاص مجلس الأمن.

ويوضح أن “مجلس الأمن لم يرسل لجنة تقصي حقائق، كما هو معمول به للاطلاع على ما يجري في ليبيا”. ويصف قذاف الدم ما حدث في العام 2011 بـ”الغزو العسكري”، وأنه لم يكن من أجل حماية الليبيين، حيث دمرت جميع مرافق وهيئات وقواعد الدولة الليبية، فضلا عن استهداف المدنيين.

ويؤكد قذاف الدم على وجود تصريحات موثقة بالصوت والصورة لرئيس وزراء إيطاليا (وقتها) سيلڤيو برلسكوني، يقول إن الرئيس الفرنسي (وقتها) نيكولا ساركوزي خدعنا من أجل مصلحة شخصية.

وفي 2018، نشر موقع “إنترسبت” الأمريكي تقريرا مفصلا، حوى تفاصيل من دفاتر الاجتماعات السرية التي دارت قبل الحرب على ليبيا، والتي كشفت “سبب خفي” وراء إصرار الرئيس الفرنسي حينها على توجيه ضربة عسكرية إلى ليبيا لإسقاط نظام القذافي.

وقال الموقع الأمريكي: “كان ساركوزي مؤيدا بصورة مبكرة للتدخل الغربي في ليبيا، وكان يمتلك حماسة حقيقية غير مفهومة لتغيير النظام، حتى قبل إعلان أمريكا وجامعة الدول العربية رغبتها في رحيل العقيد الليبي معمر القذافي عن سدة الحكم في البلاد”.

إرادة الدول المؤسسة للناتو

ويذهب الدكتور صالح الزوبيك، إلى أن الناتو لا يملك إرادة منفصلة عن الدول الأعضاء المؤسسة له، وأنه كان ولا زال الذراع العسكري للتحالف الأمريكي الأوروبي عبر الأطلسي.

وتابع أن “مجلس الأمن الدولي وبطلب من بريطانيا وفرنسا أصدر القرار رقم 1970 لسنة 2011، تحت الفصل السابع لفرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا، ومن ثم أسندت المهمة لحلف الناتو، الأمر الذي سهل المهمة أمام الناتو للبدء في عملياته العسكرية ضد ليبيا تحت شعار حماية المدنيين وفرض منطقة حظر طيران”.

وأوضح الأكاديمي الليبي، أنه “خلال العمليات التي قام بها الناتو استهدف البنية التحتية للجيش الليبي بهدف التدمير، فضلا عن استهداف المدنيين، إلا أن مجلس الأمن لم يوقف العمليات حينها”.

مسؤولية الجامعة العربية

وجانب آخر من المسؤولية يراه صالح الزوبيك يقع على عاتق الجانب العربي، وأن ما حدث لم يكن ليحدث دون طلب رسمي من جامعة الدول العربية، التي كان من الممكن أن تتخذ تدابير أخرى سواء لتقصي الحقائق، أو عرض مبادرة لمنع الانزلاق نحو الفوضى، وأن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الأمين العام للجامعة ذلك الوقت.

سفير ليبيا في الرياض في عهد القذافي محمد القشاط، قال إن “الذين استنجدوا بالناتو في العام 2011، جندتهم أجهزة المخابرات الأوروبية، وأنهم يعتبرون أن ما حدث هو نصرهم ودعمهم من قبل الناتو وأنهم لا يمكن أن يقاضوه”. وأوضح في حديثه لـ”سبوتنيك”، أن “الذين يقفون اليوم ضد جرائم الناتو هم من هجروا وسحقوا وتركوا البلاد إثر التدخلات وعمليات القتل”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here