أكدت الولايات المتحدة التزامها بأمن واستقرار موريتانيا والمنطقة، عقب زيارة وفد من الكونغرس الأمريكي إلى نواكشوط، في خطوة تعكس استمرار الاهتمام الأمريكي بالدور الذي تؤديه موريتانيا في محيط إقليمي مضطرب.
وقالت السفارة الأمريكية في نواكشوط إن زيارة الوفد إلى موريتانيا “تؤكد التزام الولايات المتحدة بأمن واستقرار موريتانيا والساحل”، مشيرة إلى أن الوفد ترأسه النائب أوستن سكوت، عن ولاية جورجيا، وهو عضو في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأمريكي.
وضم الوفد كذلك النائب جيمي بانيتا، عن ولاية كاليفورنيا، وهو عضو لجنة الطرق والوسائل، والنائب سالود كارباخال، عن الولاية نفسها، وعضو لجنة القوات المسلحة.
وبحسب السفارة، التقى الوفد وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك، حيث جرى التأكيد على متانة العلاقات بين الولايات المتحدة وموريتانيا، من دون أن تكشف السفارة عن تفاصيل الملفات التي بحثها الجانبان خلال الزيارة.
غير أن معطيات أخرى حول الزيارة تشير إلى أن الجانب الدفاعي كان حاضرا في لقاءات الوفد بنواكشوط؛ إذ أفادت وسائل إعلام موريتانية بأن وفدا من الكونغرس بحث مع وزير الدفاع الموريتاني حننا ولد سيدي سبل تعزيز التعاون بين البلدين في المجال الدفاعي، كما تناولت مباحثات سابقة بين وزير الدفاع الموريتاني والقائم بالأعمال الأمريكي المؤقت في نواكشوط سبل تطوير التعاون الدفاعي بين البلدين.
وتمنح هذه المعطيات زيارة الوفد بعدا يتجاوز التواصل البرلماني والسياسي، لتندرج في سياق اتصالات أمريكية موريتانية متواصلة بشأن التعاون الأمني والدفاعي، في وقت تزداد فيه أهمية موريتانيا في الحسابات المتعلقة بأمن الساحل وغرب أفريقيا.
موريتانيا.. شريك أمني في منطقة مضطربة
وتحظى موريتانيا بموقع جغرافي حساس على الأطراف الغربية لمنطقة الساحل، حيث تتقاطع تحديات الإرهاب والجريمة المنظمة وأمن الحدود مع تداعيات الأزمات السياسية والعسكرية التي شهدتها دول عدة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وفي مقابل الاضطرابات التي عرفتها أجزاء واسعة من الساحل، حافظت موريتانيا على مستوى من الاستقرار الأمني والسياسي جعلها تحظى باهتمام القوى الدولية، التي تبحث عن شركاء محليين قادرين على المساهمة في احتواء التهديدات الأمنية العابرة للحدود.
وتشير وزارة الخارجية الأمريكية، في إرشاداتها الأمنية الخاصة بموريتانيا، إلى استمرار مخاطر الإرهاب والجريمة، ولا سيما في المناطق القريبة من الحدود مع مالي، وهو ما يعكس طبيعة البيئة الأمنية التي تتحرك فيها نواكشوط، ويفسر جانبًا من أهمية التعاون الدفاعي والأمني مع شركائها الدوليين.
كما أن الموقع الجغرافي لموريتانيا يجعلها حلقة وصل بين شمال أفريقيا وغربها ومنطقة الساحل، وهو ما يمنحها أهمية في ملفات مراقبة الحدود ومكافحة الجماعات المسلحة والجريمة العابرة للحدود، فضلا عن قضايا الهجرة غير النظامية والاستقرار الإقليمي.
ومن هذا المنظور، فإن التأكيد الأمريكي على “أمن واستقرار موريتانيا والساحل” لا يبدو منفصلا عن التحولات التي تشهدها المنطقة، ولا عن مساعي واشنطن للحفاظ على علاقات أمنية وسياسية مع دول مستقرة نسبيًا في محيط إقليمي شديد الاضطراب.
واشنطن ونواكشوط.. تعاون دفاعي يتطور
وتأتي زيارة وفد الكونغرس في سياق من الاتصالات المتزايدة بين المسؤولين الموريتانيين والأمريكيين حول التعاون الدفاعي.
ففي يونيو/حزيران الماضي، استقبل وزير الدفاع الموريتاني القائم بالأعمال الأمريكي المؤقت في نواكشوط، حيث تركزت المباحثات، وفق الوكالة الموريتانية للأنباء، على سبل تعزيز علاقات التعاون القائمة بين البلدين، ولا سيما في مجال الدفاع.
وبعد ذلك بأسابيع، بحث وفد من مجلس النواب الأمريكي مع وزير الدفاع الموريتاني سبل تطوير التعاون الدفاعي بين البلدين، وفق ما أوردته وسائل إعلام موريتانية، في مؤشر على استمرار الاتصالات بين الجانبين في هذا المجال.
ولا تتوافر، حتى الآن، تفاصيل رسمية عن طبيعة الترتيبات أو المشاريع التي يمكن أن تكون موضع بحث بين واشنطن ونواكشوط، كما لم تعلن السفارة الأمريكية عن اتفاق دفاعي جديد أو التزامات عسكرية محددة نتجت عن زيارة وفد الكونغرس.
لكن تكرار اللقاءات ذات الطابع الدفاعي خلال الفترة الأخيرة يعكس، على الأقل، استمرار الرغبة في الحفاظ على قنوات التعاون الأمني والعسكري، في ظل بيئة إقليمية تتسم بتغير التحالفات وتبدل أولويات القوى الدولية.
الساحل يعيد رسم خريطة الشراكات
وتكتسب الزيارة أهمية أكبر إذا وضعت في سياق التحولات التي تشهدها منطقة الساحل، حيث شهدت السنوات الأخيرة تغييرات واسعة في علاقات دول المنطقة مع القوى الدولية، خصوصا في أعقاب الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول عدة، وما رافقها من تراجع نفوذ بعض الشركاء التقليديين.
وفي هذا المشهد، تبدو موريتانيا حالة مختلفة نسبيًا؛ فهي لم تشهد التحولات العسكرية والسياسية نفسها التي عرفتها بعض دول الساحل، وحافظت على علاقاتها مع عدد من القوى الدولية، ما جعلها طرفا أكثر قابلية للتعاون في ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي.
ومن شأن هذا الوضع أن يفسر جانبًا من الاهتمام الأمريكي بنواكشوط، خصوصا في ظل البحث عن مقاربات جديدة للتعامل مع التحديات الأمنية في منطقة الساحل، بعد التغيرات التي طالت الوجود العسكري والسياسي الغربي في عدد من دول المنطقة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن زيارة وفد الكونغرس تمثل تحولا استراتيجيا في السياسة الأمريكية تجاه موريتانيا، لكن توقيتها وتركيبة الوفد واللقاءات التي عقدها، إلى جانب تأكيد السفارة على أمن موريتانيا والساحل، كلها مؤشرات على استمرار الأهمية التي توليها واشنطن لنواكشوط ضمن حساباتها الإقليمية.
البعد الدفاعي ليس وحده في العلاقة
وعلى الرغم من بروز الملف الأمني والدفاعي في الاتصالات الأخيرة، فإن العلاقات الموريتانية الأمريكية لا تقتصر على هذا الجانب.
فقد شهدت الأشهر الماضية أيضا اتصالات أمريكية موريتانية تناولت مجالات اقتصادية، من بينها التعدين والصناعة والاستثمار، ما يعكس اتساع نطاق العلاقة الثنائية وتعدد الملفات المطروحة بين البلدين.
وتسعى نواكشوط إلى الاستفادة من موقعها الجغرافي ومن مستوى الاستقرار الذي تتمتع به في تعزيز شراكاتها الدولية، سواء في المجال الأمني أو الاقتصادي، في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات متشابكة لا يمكن فصل أبعادها الأمنية عن تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
أما بالنسبة إلى واشنطن، فإن الحفاظ على علاقة مستقرة مع موريتانيا يتيح لها التواصل مع دولة تقع في منطقة استراتيجية تتقاطع فيها ملفات الساحل وغرب أفريقيا والمجال المغاربي، فضلا عن قضايا الأمن البحري والهجرة ومكافحة الإرهاب.
رسالة سياسية في توقيت حساس
وتحمل زيارة وفد الكونغرس، في هذا السياق، رسالة سياسية وأمنية في آن واحد، خصوصا أن الوفد ضم أعضاء في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، في وقت تؤكد فيه واشنطن اهتمامها بأمن موريتانيا واستقرار منطقة الساحل.
ومع ذلك، فإن المعطيات المعلنة لا تكشف عن تفاصيل المباحثات التي جرت بين الوفد والمسؤولين الموريتانيين، ولا تقدم مؤشرات مؤكدة على اتفاقات جديدة أو ترتيبات أمنية محددة.
ولهذا، فإن الأبرز في الزيارة حتى الآن هو تأكيد واشنطن استمرار التزامها بأمن موريتانيا والساحل، بالتوازي مع استمرار الاتصالات الدفاعية بين البلدين.
وفي ظل إعادة تشكيل خريطة الشراكات في الساحل، تبدو نواكشوط حريصة على تثبيت موقعها بوصفها شريكا مستقرا للعديد من القوى الدولية، فيما تحاول واشنطن الحفاظ على موطئ قدم دبلوماسي وأمني في منطقة تتغير فيها موازين النفوذ بسرعة.
وبذلك، قد لا تكون زيارة وفد الكونغرس مجرد محطة بروتوكولية في العلاقات الثنائية، بل حلقة ضمن مسار أوسع من التواصل الأمريكي الموريتاني، عنوانه المعلن هو الأمن والاستقرار، فيما تظل تفاصيل التعاون المستقبلي بين البلدين رهنا بما ستكشف عنه الاتصالات المقبلة.





