أفريقيا برس – موريتانيا. في سعي البشرية الحثيث نحو مستقبل طاقة مستدام، تبرز معضلة فيزيائية قديمة تحول بيننا وبين طموحاتنا، وهي عدم قدرتنا على استغلال نصف الهدية التي ترسلها الشمس لنا يوميا.
يغمر ضوء الشمس كوكبنا، ويصل إلينا كطيف واسع ومتنوع حاملا طاقات وموجات مختلفة. ورغم نجاح التقنيات الحالية المتاحة في الأسواق في حصاد الضوء المرئي بكفاءة مقبولة، تظل كميات هائلة من الطاقة الحرارية غير المرئية تنسل من بين أيدينا دون استفادة.
وفي دراسة علمية حديثة نشرت في دورية “إي سي إس أبلايد ماتيريالز أند إنترفيسز” (ACS Applied Materials & Interfaces)، كشف فريق بحثي من جامعة كوريا عن ابتكار هندسي جديد يحمل في طياته إمكانية تغيير قواعد اللعبة كليا.
الابتكار الجديد عبارة عن هياكل كروية ذهبية دقيقة أطلق عليها الباحثون اسم “سوبرابولز” أو الكرات الخارقة لتعظيم الاستفادة من أشعة الشمس المهدرة.
يشرح الباحث في قسم هندسة الطاقة التكاملية بكلية الهندسة في جامعة كوريا سيونجوو لي، وهو الباحث المراسل في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: “من خلال التقاط النصف غير المرئي من ضوء الشمس بنجاح -والذي يصعب على المواد العادية امتصاصه- يمكننا الاستفادة من كامل الطيف الشمسي تقريبا. هذا يضاعف فعليا كمية الطاقة التي يمكننا استخلاصها”
طاقة شمسية منقوصة
يقول لي: “ضوء الشمس ليس مجرد ألوان قوس قزح المرئية؛ فما يقارب نصف طاقة الشمس التي تلامس الأرض تصل على شكل حرارة غير مرئية في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة. تشبه المواد الشمسية التقليدية جهاز راديو، إذ يلتقط محطات “إف إم” فقط مثلا ويتجاهل محطات أخرى. ولأنها (خلايانا الشمسية) لا تستقبل طيف الأشعة تحت الحمراء، فإنها تهدر حرفيا نصف طاقة الشمس المجانية”
هنا يبرز دور الكرات الفائقة كحل جذري ومغير لقواعد اللعبة، فهي تعمل كجهاز استقبال شامل يضبط تردداته لالتقاط المحطتين معا، الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء، مما يمكن من مضاعفة حصاد الطاقة من شعاع الشمس بشكل فعال، حيث نجحت في التقاط هذا النصف غير المرئي الذي يصعب عادة على المواد العادية امتصاصه.
يكمن سر هذا الابتكار في إعادة هندسة المادة بطريقة مبتكرة. إذ استخدم الفريق جزيئات الذهب النانوية لبناء الكرات الخارقة. ولتوضيح الفارق، تخيل الجزيء النانوي كدلو صغير موضوع في الخارج تحت المطر.
يستطيع هذا الدلو التقاط نوع معين من الماء (الضوء المرئي)، بينما يتناثر باقي المطر أو يمر حول الدلو دون استفادة.
يقول لي: “ما فعلناه هو تجميع ملايين “الدلاء” الذهبية الصغيرة بإحكام في كرة مجهرية (الكرات الخارقة). وبهذا، تتوقف عن العمل كدلاء منفردة وتصبح إسفنجة ثلاثية الأبعاد ضخمة وعالية الكثافة. تلتقط الطبقة الخارجية لهذه الإسفنجة الضوء المرئي، بينما يعمل اللب الداخلي فائق الكثافة على سحب واحتجاز قطرات المطر الثقيلة (الأشعة تحت الحمراء غير المرئية) التي عادة ما تمر عبر جزيء واحد. وبعملها الجماعي، يمتص الإسفنج أكثر من 90% من ضوء الشمس، بينما تلتقط الجزيئات التقليدية أقل من النصف”.
لمعان الطاقة
تتصرف البنية الداخلية للكرات الخارقة وفقا لمبدأ فيزيائي محدد، يشرحه لي: “الوسط الفعال ذو معامل الانكسار العالي يعني أننا ابتكرنا مادة اصطناعية تعمل كمتاهة كثيفة ومتعرجة للضوء. تخيل الضوء كريح عاصفة. عندما تصطدم بغابة متناثرة (جسيمات نانوية متناثرة)، يمر الضوء عبرها في الغالب. ولكن لأن جسيماتنا النانوية الذهبية متراصة بإحكام شديد مع فجوات متناهية الصغر (8 نانومترات فقط)، فإنها تشكل غابة فائقة الكثافة”.
عندما يدخل الضوء غير المرئي هذه الغابة الكثيفة، فإنها تجبره على الإبطاء بشكل كبير والدوران في أنماط دائرية معقدة، ليحاصر في هذه المتاهة حتى يفرغ كل طاقته وتتحول إلى حرارة. يضيف لي: “اخترنا هذا التصميم تحديدا [جزيئات ذهبية بحجم 50 نانومترا مشكلة على هيئة كرات قطرها 3 ميكرومترات] لأن محاكاة الحاسوب التي أجريناها أثبتت أن هذا هو التصميم الأمثل”.
يتبادر إلى الذهن سؤال بديهي حول التكلفة الاقتصادية لاستخدام معدن ثمين كالذهب في تطبيق كهذا. يجيب لي: “لا يتجاوز سمك طبقاتنا بضعة ميكرومترات، أي أرق بكثير من شعرة الإنسان”.
ويضيف: “الإنجاز الحقيقي لعملنا يكمن في طريقة التصنيع. تتطلب طبقات الطاقة الشمسية التقليدية عالية التقنية مصانع ضخمة ومكلفة مزودة بغرف حرارة وتفريغ شديدة الحرارة (مستهلكة للطاقة)”
لكن المادة الجديدة كأنها حبر سائل، يمكن ببساطة طباعتها أو صبها على الأسطح في درجة حرارة الغرفة. علاوة على ذلك، يقول لي: “الآن وبعد أن أثبتنا أن “مبدأ الكرة الخارقة” يعمل بشكل مثالي، يمكن تطبيق نفس التصميم المعماري على معادن أرخص وأكثر وفرة مثل النحاس أو الألومنيوم في المستقبل، مما يجعلها ميسورة التكلفة بوضوح للإنتاج الضخم”
إحلال أم إضافة؟
لتوضيح التطبيق العملي لهذه التقنية، يجب التمييز بوضوح بينها وبين الألواح الشمسية التقليدية. فالباحثون لا يهدفون لاستبدال ألواح السيليكون الشمسية الزرقاء التقليدية الموجودة على الأسطح، والتي تحول الضوء مباشرة إلى كهرباء، بل تقنيتهم مصممة لتعزيزها.
يقول لي: “في دراستنا، قمنا بتغطية مولد كهروحراري -وهو جهاز يحوّل الحرارة مباشرة إلى كهرباء- ورفعنا إنتاجه من الطاقة بمقدار 2.4 ضعف. قد يؤدي هذا إلى ألواح منزلية هجينة تستخلص الضوء (للحصول على الكهرباء الأساسية) والحرارة المتبقية (للحصول على طاقة إضافية) مستقبلا، أو تُستخدم في سخانات المياه الشمسية عالية الكفاءة وأنظمة تحلية المياه”
من الناحية البيئية، يحمل هذا الابتكار وعودا وتأثيرا إيجابيا للغاية بحسب الباحثين. فتوليد أكثر من ضعف الطاقة من نفس مساحة السطح يعني القدرة على بناء أجهزة أصغر وأكثر كفاءة. هذا يقلل بشكل كبير من استهلاك الأراضي والمواد الخام، ويخفض انبعاثات الكربون المطلوبة لتصنيع وتركيب الأنظمة الشمسية على مستوى العالم.





