أفريقيا برس – موريتانيا. في فصل جديد من السباق المحموم بين شركات التكنولوجيا الكبرى، قدمت شركة “سبيس إكس” -التي يديرها الميلياردير الأمريكي إيلون ماسك- طلبا رسميا إلى لجنة الاتصالات الفدرالية الأمريكية للحصول على موافقة لإطلاق كوكبة هائلة قد تصل إلى مليون قمر صناعي، ليس للاتصالات فقط، بل لتحويل المدار الأرضي المنخفض إلى مركز بيانات عملاق يعمل بالطاقة الشمسية ويخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
هذا الطموح يأتي في وقت يتصاعد فيه الطلب العالمي على القدرة الحاسوبية، إذ أصبحت مراكز البيانات العمود الفقري للذكاء الاصطناعي، لكنها في المقابل تستهلك كميات هائلة من الطاقة وتضغط على الشبكات الكهربائية والبيئة.
وترى “سبيس إكس” أن الحل قد يكون خارج كوكب الأرض، حيث الشمس شبه دائمة، والتبريد الطبيعي بالإشعاع، والمساحات المفتوحة بلا قيود عمرانية.
مراكز بيانات تدور حول الأرض
وفق الوثائق المقدّمة، تخطط “سبيس إكس” لنشر أقمار صناعية على ارتفاعات تتراوح بين 500 و2000 كيلومتر، في مدارات مائلة ومتزامنة مع الشمس، بما يضمن تعرّضا شبه مستمر لأشعة الشمس لأكثر من 99% من زمن التشغيل.
الفكرة تقوم على تشغيل معالجات حوسبة عالية الأداء في الفضاء، تتواصل فيما بينها عبر وصلات ليزر ضوئية فائقة السرعة، ثم تنقل النتائج إلى الأرض عبر شبكة الأقمار الاصطناعية “ستارلينك”.
ترى الشركة أن هذه المنظومة يمكن أن تحقق كفاءة طاقة غير مسبوقة، مع تقليل الأثر البيئي مقارنة بمراكز البيانات الأرضية، التي تتطلب بنية تحتية ضخمة، وكميات هائلة من المياه للتبريد، وانبعاثات كربونية متزايدة.
وتذهب “سبيس إكس” إلى أبعد من ذلك، معتبرة المشروع خطوة أولى نحو ما يُعرف حضاريا بـ”مستوى كارداشيف الثاني”، أي القدرة على استغلال طاقة الشمس على نطاق واسع.
ما مقياس كارداشيف؟
هو تصنيف نظري اقترحه عالم الفلك السوفياتي نيكولاي كارداشيف عام 1964، يهدف إلى قياس درجة تقدّم الحضارات التكنولوجية بناء على كمية الطاقة التي تستطيع السيطرة عليها واستغلالها. والفكرة بسيطة وهي أنه كلما زادت قدرتك على استخدام الطاقة، زادت قدرتك العلمية والتقنية.
أما المستوى الأول منه، أو ما يعرف بالحضارة من النوع الأول، فهي حضارة تستطيع استغلال كل الطاقة المتاحة على كوكبها الأم، مثل الطاقة الشمسية والرياح والمياه والحرارة الجوفية، وربما التحكم الكامل في المناخ والزلازل.
والبشرية اليوم لم تصل بعد إلى هذا المستوى، بل يُقدَر أننا عند نحو 0.7 على هذا المقياس، لأننا ما زلنا نعتمد جزئيا على الوقود الأحفوري ولا نتحكم بكل طاقة الأرض.
وللمقارنة السريعة لفهم السياق، فالمستوى الثاني هو حضارة قادرة على استغلال كامل طاقة نجمها، عادة عبر مفاهيم مثل “كرة دايسون” أو منشآت فضائية عملاقة تجمع الطاقة الشمسية في المدار.
وعندما تتحدث “سبيس إكس” عن مراكز بيانات تعمل بالطاقة الشمسية في الفضاء، فهي تربط مشروعها رمزيا بخطوة أولى نحو التفكير بمستوى كارداشيف الثاني، حتى لو كان ذلك ما يزال بعيدا جدا عمليا.
من ستارلينك إلى الذكاء الاصطناعي المداري
ليست هذه القفزة مفاجئة تماما في سياق تاريخ سبيس إكس، فمنذ تأسيسها عام 2002 على يد إيلون ماسك، وضعت الشركة هدف خفض كلفة الوصول إلى الفضاء، وهو ما حققته جزئيا عبر الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، ثم عبر مشروع “ستارلينك”، الذي غيّر مفهوم الإنترنت الفضائي.
واليوم، يحاول ماسك توظيف هذه الخبرة لبناء بنية تحتية حاسوبية كونية، تدعم طموحاته في سباق الذكاء الاصطناعي، خاصة بين شركته “إكس إيه آي” (xAI)، ومنافسيها العمالقة مثل “غوغل” و”ميتا” و”أوبن إيه آي”.
يعتمد هذا المشروع بشكل أساسي على صاروخ “ستارشيب” الذي تراهن عليه “سبيس إكس” لخفض تكلفة الإطلاق إلى مستويات غير مسبوقة. ورغم أن الصاروخ لا يزال في مرحلة الاختبارات، ترى الشركة أن تشغيله الكامل سيجعل إرسال كتل ضخمة من العتاد الحاسوبي إلى المدار أمرا اقتصاديا في غضون سنوات قليلة.
سباق الكوكبات العملاقة ومخاوف الفضاء
يأتي طلب “سبيس إكس” في سياق دولي أوسع، إذ تقدمت الصين مؤخرا بخطط لنشر نحو 200 ألف قمر صناعي، كما سجّلت دول أخرى طلبات ضخمة لدى الاتحاد الدولي للاتصالات. لكن مليون قمر صناعي تبقى رقما صادما، يفوق بأضعاف كل ما هو موجود حاليا في المدار.
وهنا تبرز الأسئلة الصعبة، فحتى لو لم تُطلق “سبيس إكس” هذا العدد كاملا، فإن مجرد السعي إليه يثير مخاوف جدية بشأن ازدحام المدارات وخطر الحطام الفضائي، واحتمال تزايد التصادمات التي قد تهدد الأقمار العاملة، بل وحتى الرحلات الفضائية المأهولة مستقبلا.
كما يحذّر علماء الفلك من أن تضاعف أعداد الأقمار سيغير شكل السماء ليلا، ويشوّش الرصد الفلكي الأرضي، ويترك خطوطا ضوئية غير مرغوب فيها على صور التلسكوبات، مما يهدد أبحاثا تعتمد على الظلام الطبيعي للسماء.
هل تحصل سبيس إكس على الضوء الأخضر؟
حتى الآن لا يوجد ضمان بأن لجنة الاتصالات الفدرالية ستمنح هذا الإذن، فالطلب “الطموح” يفتقر إلى تفاصيل تقنية كثيرة، ويحتاج إلى مراجعات بيئية وتنظيمية معقدة، في ظل ضغط متزايد من المجتمع العلمي ومنظمات حماية الفضاء.
ومع ذلك فإن مجرد طرح الفكرة يكشف عن تحوّل عميق في نظرة الشركات الكبرى إلى الفضاء، ليس فقط بصفته مجالا للاستكشاف، بل لكونه مؤهلا لأن يصبح بنية تحتية اقتصادية وحاسوبية لمستقبل الأرض.
وبين الحلم التكنولوجي والمخاطر الكونية، يقف مشروع “سبيس إكس” عند مفترق طرق تاريخي، فإما أن يفتح بابا جديدا لكفاءة الطاقة والحوسبة، أو أن يسرّع من تلوث الفضاء، ويحوّل سماء الليل من مصدر إلهام علمي إلى شبكة مزدحمة من الأضواء الاصطناعية.





