احتجاجات تجار موريتانيا وتحذيرات من «ثورات الضرائب»

2
احتجاجات تجار موريتانيا وتحذيرات من «ثورات الضرائب»
احتجاجات تجار موريتانيا وتحذيرات من «ثورات الضرائب»

أفريقيا برس – موريتانيا. في بلدٍ اعتاد أن تمرّ فيه القرارات الإدارية بهدوء نسبي، نجح قرار واحد في أن يوقظ نقاشاً واسعاً يمتد من الأسواق الشعبية إلى قاعات السياسة.

إنه قرار جمركة الهواتف الذكية في موريتانيا الذي تجاوز كونه مسألة تقنية تتعلق بالضرائب أو بتنظيم الواردات، ليتحوّل حاليا إلى قضية رأي عام: تجار يحتجون في الأسواق، ومستخدمون يتساءلون عن كلفة امتلاك أبسط أدوات العصر الرقمي، وأصوات سياسية تحذر من اتساع ما تسميه «ثورات الضرائب».

وبين تبريرات الحكومة الساعية إلى تنظيم السوق وتعزيز الموارد، ومخاوف الفاعلين الاقتصاديين من انعكاسات القرار على التجارة والأسعار، تأتي الهواتف الذكية التي صارت في متناول أغلب الموريتانيين، لتتصدر قلب معادلة اقتصادية واجتماعية حساسة.

فهل يتعلق الأمر بإجراء إداري عابر، أم ببداية اختبار جديد لعلاقة الدولة بالضرائب في بلدٍ شديد الحساسية تجاه أعبائها؟

الذي يتضح من خلال الأحداث هو أن قرار السلطات الموريتانية المتعلق بفرض إجراءات جمركية جديدة على الهواتف الذكية يثير جدلاً واسعاً في البلاد، بعدما تحوّل من إجراء مالي تقني إلى قضية سياسية واجتماعية تشغل الرأي العام، في ظل احتجاجات باعة الهواتف وانتقادات من سياسيين ومفكرين حذر بعضهم من تداعيات قد تتجاوز الجانب الاقتصادي.

ففي أسواق الهواتف بنواكشوط وعدد من المدن، خرج تجار وباعة في وقفات احتجاجية رفضاً لما وصفوه بالرسوم المرتفعة المفروضة على الأجهزة، معتبرين أن القرار يهدد مصدر رزق آلاف الشباب العاملين في هذا القطاع، وقد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الهواتف التي أصبحت وسيلة أساسية للتواصل والعمل.

ويعد قطاع بيع وصيانة الهواتف الذكية من أكثر الأنشطة التجارية انتشاراً بين الشباب في المدن الموريتانية، ما يجعل أي تغيير في تنظيمه أو فرض رسوم إضافية عليه ذا أثر اجتماعي واسع.

الحكومة: لا تنمية دون احترام القانون

في المقابل، دافع رئيس الوزراء المختار ولد اجاي عن التوجه الحكومي، معتبراً أن بناء دولة حديثة وعادلة يمر عبر احترام القانون وتحصيل موارد الدولة.

وقال ولد اجاي في منشور عبر صفحته على فيسبوك إنه «لا طريق لبناء دولة وطنية مدنية، نامية وعادلة، إلا بالنظام واحترام القانون وتحصيل موارد الدولة والحفاظ عليها من الفساد والتبذير، وجعل مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات الخاصة والضيقة».

وأضاف أن هذا المسار قد يكون صعباً في بعض الأحيان ويتطلب تغييراً في العقليات، لكنه شدد على أنه الطريق الوحيد لتحقيق التنمية والعدالة، مؤكداً أن «البلد يستحق كل التضحيات» وأن بناءه مسؤولية جماعية للنخب الوطنية.

انتقادات: سوء تقدير لمزاج الشارع

لكن هذا التبرير لم يوقف موجة الانتقادات التي صدرت عن شخصيات سياسية وفكرية هامة رأت أن الحكومة أخطأت في قراءة المزاج الاجتماعي.

فقد كتب وزير الخارجية الأسبق محمد فال بلال، أن الحكومة الحالية تبدو حريصة على إبراز حضورها بوصفها حكومة «استثنائية وفعالة»، غير أن هذا السعي، حسب منتقديها، جاء على حساب التدرج والهدوء في اتخاذ القرارات، خصوصاً في ما يتعلق بالإجراءات الضريبية التي أثارت غضب الشارع.

ويرى بلال أن الخطأ الأساسي للحكومة يتمثل في سوء تشخيص واقع المواطنين، مستحضراً قصة رمزية عن امرأة قصدت مستوصفاً وهي تعاني ألماً في ركبتها، لكن الممرض طلب منها فتح فمها لفحص حلقها، لترد عليه بقولها: «ما تلمسه بعيد مما يؤلمني».

وحسبه يشعر كثير من الموريتانيين اليوم بأنهم في الوضع نفسه، في ظل البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما كانوا ينتظرون إدارة أفضل لثروات البلاد من الغاز والنفط والذهب والحديد والزراعة والصيد بما يخفف عنهم أعباء الحياة.

تحذيرات من «ثورات الضرائب»

وفي سياق الجدل نفسه، حذر الإعلامي والكاتب الموريتاني البارز محمد فال ولد سيدي ميله من خطورة ما وصفه بـ»الضرائب الغريبة» التي قد تتحول في بعض الأحيان إلى شرارة لاضطرابات سياسية واجتماعية.

وفي رسالة مطولة وجهها إلى رئيس الوزراء، قارن ولد سيدي ميله بين الجدل الحالي حول «ضريبة الهواتف» وتجارب تاريخية لضرائب أثارت غضب الشعوب، مثل ضريبة اللحية التي فرضها القيصر الروسي بطرس الأكبر، وضريبة الملح التي كانت أحد العوامل التي غذت الثورة الفرنسية، كما ألهمت حركة العصيان المدني التي قادها المهاتما غاندي في الهند.

كما استحضر الكاتب تجربة «الضريبة على الرأس» التي فرضتها إنكلترا في القرن الرابع عشر وأدت إلى ثورة الفلاحين عام 1381، إضافة إلى تجربة الضريبة المشابهة التي فرضتها رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر في أواخر القرن العشرين، والتي أدت إلى احتجاجات واسعة ساهمت في سقوطها السياسي.

ويرى ولد سيدي ميله أن بعض الضرائب قد تتحول من إجراءات مالية إلى رموز للاحتقان الشعبي عندما يشعر المواطنون بأنها تستهدف حياتهم اليومية مباشرة، محذراً من أن تجاهل الرسائل القادمة من الشارع قد يقود إلى تصعيد اجتماعي غير محسوب.

مواقف الأحزاب: بين الدعم والرفض

سياسياً، تباينت مواقف الأحزاب الموريتانية بشأن القرار؛ فقد دعا حزب الفضيلة إلى فتح حوار جاد مع الفاعلين في قطاع الهواتف والمتضررين من القرار للوصول إلى صيغة متوازنة تحقق مصلحة الخزينة العامة دون الإضرار بصغار العاملين في القطاع.

أما حزب العمران فاعتبر أن القرار يعزز شعوراً متنامياً لدى المواطنين بأن الدولة لا تظهر لهم إلا عندما تريد اقتطاع الأموال من جيوبهم، محذراً كذلك من مخاطر تتعلق بالخصوصية الرقمية في حال ربط الأجهزة بقواعد بيانات تتبع الأرقام التسلسلية دون ضمانات قانونية كافية.

كما طالب الحزب بتجميد الإجراءات التي قد تؤدي إلى قطع خدمة الهواتف الخاصة بالمواطنين، ومعالجة أصل المشكلة عبر إصلاح منظومة الرقابة الحدودية ومحاسبة المهربين.

وأكد حزب الوحدة والتنمية أن المواطن هو المتضرر الأكبر من القرار بصيغته الحالية، داعياً إلى مراجعته بما يحقق التوازن بين متطلبات الخزينة العامة وحماية القدرة الشرائية.

وفي موقف آخر، رأى حزب التحالف الوطني الديمقراطي أن بعض الانتقادات الموجهة للإجراء مبالغ فيها، معتبراً أن تصوير القرار وكأنه أكثر تأثيراً على حياة المواطنين من الرسوم المفروضة على المواد الأساسية يبتعد عن النقاش الموضوعي.

أما حزب الإنصاف الحاكم فاختار موقفاً وسطاً، داعياً الحكومة إلى مواصلة الحوار مع الفاعلين في القطاع، خصوصاً الشباب العاملين في الأسواق، من أجل تطبيق الإصلاحات بطريقة تدريجية ومتوازنة تراعي الأوضاع المعيشية.

جدل اقتصادي يتجاوز الهواتف

ويرى مراقبون أن الجدل الحالي يتجاوز قضية تنظيم سوق الهواتف الذكية، ليعكس نقاشاً أعمق حول حدود الإصلاحات الجبائية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

فبين دفاع رسمي عن ضرورة تحديث المنظومة الجمركية وتعزيز موارد الدولة، ومخاوف اجتماعية من تأثير القرار على حياة المواطنين، تبدو موريتانيا اليوم أمام اختبار دقيق في كيفية الموازنة بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وحساسية الواقع الاجتماعي.

وفي بلد يشكل الشباب غالبية سكانه، قد تتحول قرارات تبدو تقنية في ظاهرها إلى قضايا سياسية واجتماعية واسعة التأثير عندما تمس مباشرة مصادر الرزق أو مستلزمات الحياة اليومية.