خلفيات أزمة الاتحاد الأوروبي مع المغرب وتداعياتها

27
خلفيات أزمة الاتحاد الأوروبي مع المغرب وتداعياتها
خلفيات أزمة الاتحاد الأوروبي مع المغرب وتداعياتها

مصطفى واعراب

أفريقيا برس – المغرب. إلى حدود زمن تحرير هذا التقرير، لم يؤكد بعد القضاء البلجيكي ولم ينفِ إصداره لمذكرات توقيف دولية، بحق مسؤولين مغاربة كبارا يُفترض تورطهم في فضيحة الفساد التي تهز البرلمان الأوروبي منذ شهرين. وذلك ردا على زعم الإعلام الفرنسي بأن المدعي العام البلجيكي وجه “مذكرات اعتقال” إلى السلطات الفرنسية لاعتقال مسؤولين مغاربة، يشتبه في تورطهم في “فضيحة قطرغيت”. ويأتي هذا التصعيد في إطار الأزمة المفتوحة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، التي بدأت بمزاعم تجسس المغاربة على مسؤولي دول أوروبية قبل أكثر من عام، جرى توظيفها سياسيا لابتزاز المغرب، قبل أن تذهب الاتهامات في اتجاهات أخرى..

فما هي جذور هذه الأزمة غير المسبوقة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب؟ وما هي أبعادها؟ وما علاقتها بالأزمة غير مسبوقة، هي الأخرى، بين باريس والرباط التي تأبى الطَّيّ؟ وهل من شأن التطورات المتلاحقة البالغة الخطورة، التي تصدر عن الجانب الأوروبي، أن تضر بالشراكة الاستراتيجية التي تربط الاتحاد الأوروبي بالمغرب؟

أزمة سياسية غير مسبوقة

الواقع أن أكثر من سبب ومبرر يقف وراء الأزمة الحالية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، بينها على الخصوص اتهام بروكسل للرباط بالتورط في فضيحة إرشاء نواب أوروبيين، وتجسس المخابرات المغربية على مسؤولين ومنظمات أوروبية.

ففي شأن “فضيحة الرشاوى”، تحقق السلطات البلجيكية منذ أسابيع في تورط عدد من النواب الأوروبيين، حول المزاعم المتعلقة بقيام الدوحة بتقديم أموال وهدايا إلى بعض النواب في البرلمان الأوربي، بغرض التأثير على صنع القرار في بروكسل. ويفترض في إطارها أن قطر والمغرب (ودولا أخرى بينها موريتانيا) قامتا من خلالها بتحويل أموال عبر منظمات غير حكومية، للتأثير على قرارات للبرلمان الأوروبي لفائدتهما. وأعلنت الشرطة في وقت سابق، أنه تم اكتشاف ما يقرب من 158 ألف دولار داخل منزل النائبة اليونانية إيفا كايلي، المتهمة بتلقي رشاوي من قطر.

كما تم الأسبوع الماضي اعتقال النائب عن الحزب الاشتراكي والديمقراطي مارك تارابيلا، على خلفية مزاعم الفساد هذه. ويشتبه المدعون البلجيكيون في أن تارابيلا أخذ ما يصل إلى 140 ألف يورو نقدا من أنطونيو بانزيري، الذي كان يشغل منصب رئيس اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان بالبرلمان الأوروبي، للتأثير على عمل الاتحاد الأوروبي لصالح قطر.

وفي حين نفت الدوحة أي ضلوع لها في هذه القضية، يؤكد المغرب أنه ضحية “هجمات إعلامية” غير مبررة على خلفية مزاعم الفساد.

أما بصدد قضية التجسس، فقد سبق للبرلمان الأوروبي أن أنشأ لجنة للتحقيق في مزاعم تعرض دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي للتجسس ضمنها رؤساء دول وحكومات، من قبيل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز. لكن الغريب أنه على الرغم من اقتناء عدد من الحكومات والدول عبر العالم لنفس برنامج “بيغاسوس”، إلا أن التركيز يتم فقط على المغرب رغم نفي الرباط المتكرر لاقتناء البرنامج. وهكذا سبق للبرلمان الأوروبي أن خصص جلسات لـ “بحث” تداعيات الاستعمال المفترض لهذا البرنامج من قبل المغرب، واستمع إلى شهادات متضررين مفترضين وجهوا إليه اتهامات بالتجسس عليهم.

منذ اندلاع أزمة بيغاسوس، لم يتوقف المغرب عن نفي اقتناء البرنامج الإسرائيلي. واتهم صحف عالمية كـ “ذي غارديان” والـ “واشنطن بوست” و”لوموند”، وكذلك مؤسسات حقوقية مثل “العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش”، باستهدافه لأسباب سياسية. وكرد فعل، لجأت الرباط في البداية إلى القضاء الفرنسي ضد جرائد مثل لوموند وميديابارت، حيث طالبتها بتقديم أدلة مقنعة لتأكيد الاتهامات التي توجهها للسلطات المغربية. لكن القضاء الفرنسي رفض الدعوى خلال السنة الماضية. ثم لجأت الى القضاء الإسباني ضد الصحفي إغناسيو سيمبريرو المعروف بتحامله على المغرب وقضاياه، حيث ينتظر أن يُصدر حكمه في القضية في غضون الأسابيع القليلة القادمة.

وكان وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة دعا خلال مؤتمر صحفي، على هامش زيارة منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يومي 5 و6 يناير/كانون الأول الماضي، إلى حماية الشراكة التي تربط بلاده مع الاتحاد الأوروبي من “هجوم ومضايقات قضائية وإعلامية مستمرة داخل مؤسسات أوروبية خاصة البرلمان الأوروبي”. واعتبر وزير الخارجية المغربي حينها أن بلاده تتعرض “لمضايقات قضائية وإعلامية مستمرة، وهجومات داخل مؤسسات أوروبية، خاصة البرلمان الأوروبي، عبر أسئلة تستهدف المغرب لتصفية الحسابات والضرر بالشراكة المتميزة التي تربطه بالاتحاد الأوروبي”.

بينما اتهم الناطق باسم الحكومة المغربية مصطفى بايتاس، جهات بالاتحاد الأوروبي (لم يُسمّها) باستهداف بلاده، واصفا إياها بأنها “أقلية”، وذلك على خلفية انتقادات تعرض لها المغرب “في محاولة مبيتة من قبل بعض اللوبيات الغاضبة من حجم الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، لإقحام الرباط في قضية تتعلق بدفع أموال في البرلمان الأوروبي للتأثير على السياسات الأوروبية والتي تورطت فيها قطر”.

فرنسا تجر خيوط الأزمة

تلك إذن هي المسببات “الرسمية على الأقل” للأزمة غير المسبوقة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب. لكن ثمة علامات استفهام كثيرة تلفها، منها مثلا موضوع “التجسس”. فالاتهامات بالتجسس عن طريق برنامج “بيغاسوس”، التي توجهها فرنسا للمغرب بالتجسس على الرئيس ماكرون وبعض سامي الشخصيات الفرنسية الأخرى، سبق أن وجهها الإعلام الإسباني أيضا للمخابرات المغربية بالتجسس على كبار المسؤولين في بلاده، على رأسهم رئيس الحكومة بيدرو سانشيز ووزيرة الدفاع ووزيرة الخارجية السابقة. لكن في حين جعلت فرنسا من هذه التهمة مبررا لأزمة كبرى غير مسبوقة مع الرباط، نجد المسؤولين الإسبان تجاهلوا مزاعم إعلام بلادهم، واكتفوا —وفي مقدمتهم رئيس الحكومة الإسبانية سانشيز—بالقول إنه لا توجد حجج على تجسس المغرب على هاتفه وهواتف زملائه الحكوميين. فهل معنى ذلك أن المسؤولين الإسبان “رضخوا لابتزاز المغرب”، كما اتهمهم إعلام بلادهم؟ أم إن نظراءهم الفرنسيون وجدوا في موضوع “التجسس” ضالتهم، لتصفية حسابات أخرى مع الرباط؟

لقد حمل البيان المشترك الذي أصدره البرلمان المغربي بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين)، يوم الإثنين 23 يناير/كانون الثاني الماضي، إشارات إلى وقوف باريس وراء ما اعتبرته المؤسسة التشريعية المغربية “استهدافا” و”ابتزازا” للمملكة. وجاء البيان في ختام جلسة مشتركة كان موضوعها الرئيسي الرد على المواقف الأخيرة للبرلمان الأوروبي، بشأن حرية التعبير وحرية الإعلام في المملكة.

وشدد البيان المشترك الذي أصدره البرلمان المغربي، على “خيبة الأمل إزاء الموقف السلبي والدور غير البنّاء الذي لعبته، خلال المناقشات في البرلمان الأوروبي والمشاورات بشأن مشروع التوصية المعادية لبلادنا، بعض المجموعات السياسية المنتمية لبلد [المقصودة هي فرنسا] يعتبر شريكاً تاريخياً للمغرب”، وفق تعبير البيان.

وكان البرلمان الأوروبي قد تبنى الخميس 19 يناير/كانون الثاني الماضي، قرارا يحث السلطات المغربية على احترام حرية التعبير وحرية الإعلام وتوفير محاكمات عادلة للصحافيين المسجونين، لاسيما عمر الراضي وسليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين، مع المطالبة بالإفراج الفوري عنهم. كما طالب القرار، الذي يعتبر أول قرار حقوقي صادر عن البرلمان الأوروبي حول المغرب منذ 25 عاماً، السلطات بوضع حد لمضايقة جميع الصحافيين في البلاد، وكذا محاميهم وعائلاتهم. كما دعا الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى التوقف عن تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى المغرب، بما يتماشى مع لائحة الاستخدام المزدوج للاتحاد الأوروبي.

لكن في وقت أبدى فيه البرلمان المغربي أسفه، بشأن “المواقف والممارسات التي لا علاقة لها بالصدق والإخلاص اللذين تقتضيهما روح الشراكة”، كان لافتا للانتباه توجيهه أصابع الاتهام بدرجة أولى، إلى حزب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “النهضة” (الجمهورية إلى الأمام سابقا) بالوقوف وراء الانتقادات التي حملها قرار البرلمان الأوروبي ضد المغرب، والذي أدخل العلاقات بين الرباط وبروكسل في نفق أزمة معقدة.

ويسلط عضو البرلمان الأوروبي، النائب الاشتراكي ورئيس لجنة الحريات المدنية والعدالة والشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي، الإسباني خوان فرناندو لوبيز أغيلار، بعض الضوء على ما جرى ويجري في كواليس البرلمان الأوروبي، إذ يقول: إن “ثمة شعورا غريبا بأن هناك شيئا آخر وراء كل ما يجري، يتجاوز قضية “قطرغيت” البارزة في المشهد. إن البرلمان الأوروبي ليس سوى أداة في هذا الشأن، ودور فرنسا وعلاقاتها بالجزائر واضح في هذا التوظيف. هي حرب نفوذ حقيقية يُسمح فيها بكل شيء. فوراء إصدار هذا القرار، بالإضافة إلى اليسار الأوروبي، تقف كل من “المجموعة الأورو ليبرالية الوسطية” البرلمانية (تجديد أوروبا)، و”مجموعة الخضر/التحالف الأوروبي الحر”. المجموعة الأولى (تجديد أوروبا) يسيطر عليها نفوذ فرنسي قوي، حيث إن أكثر من ربع أعضائها هم من النواب الفرنسيين (معظمهم من “حزب النهضة” الذي ينتمي إليه الرئيس ماكرون). بينما تضم “مجموعة الخضر/التحالف الأوروبي الحر” بين أعضائها نائبتين فرنسيتين من أصل جزائري، هنا كريمة ديلي وسليمة ينبو، المعروفتان بمهاجمتهما التقليدية وإدانتهما بانتظام للمغرب في مداخلاتهما في البرلمان الأوروبي”.

ويضيف خوان فرناندو لوبيز أغيلار موضحا: “يمكن أن يكون الابتعاد التدريجي للنفوذ الفرنسي عن الكتلة التي شكلتها الولايات المتحدة وإسرائيل مع المغرب، من بين أمور أخرى، تشرح بعض أسباب هذا الخطأ الفادح [يقصد قرار الاتحاد الأوروبي]”.

هل “اخترق” المغرب أوروبا مخابراتيا؟!

وفي تلابيب فصول الأزمة المتدحرجة بقوة مثل كرة ثلج من أعلى جبل، يجري حشر الكثير من التفاصيل الأخرى المثيرة في شكل “تسريبات” مدروسة بعناية إلى الصحافة والإعلام. ومنها مثلا حديثها عن جاسوس مغربي خارق، تابع للمديرية العامة للدراسات والمستندات (المعروفة اختصارا “باسم لادجيد”)، وهي جهاز مكافحة التجسس في المغرب، تقول التقارير إن له باعا طويلا في اختراق أجهزة الاستخبارات الأوروبية.

فقد تحدثت عدة تقارير إعلامية أوروبية وغير أوروبية، منذ أواخر ديسمبر الماضي، عن “عميل تابع للاستخبارات المغربية” يُدَوّخ أجهزة التجسس الأوروبية منذ سنوات. ووفقا لمجلة “بوليتيكو” الأمريكية، فإن اللقب الحركي لهذا “الجاسوس المغربي” الغامض، الذي يشرف على دوائر حول وكالات التجسس الأوروبية، هو “M118” وقد يكون اسمه “محمد بلحرش”. وكان في قلب “شبكة معقدة، تمتد من قطر والمغرب إلى إيطاليا وبولندا وبلجيكا. ويشتبه في أنه شارك في القيام بـ “جهود ضغط قوية ومكثفة، وفساد مزعوم يستهدف أعضاء في البرلمان الأوروبي في السنوات الأخيرة”. واتضح أنه كان معروفا لدى أجهزة الاستخبارات الأوروبية لبعض الوقت، لكن من دون أن تتمكن من تحديد ملامح شخصيته بدقة.

وبحسب صحيفة “لوسوار” البلجيكية، فقد اعترف صديق النائبة اليونانية كايلي المتهمة في قضية “قطرغيت”، الإيطالي فرانشيسكو جورجي وكان مساعدا برلمانيا، للمحققين بأنه كان “جزءا من منظمة يستخدمها المغرب وقطر للتدخل في الشؤون الأوروبية”. وسبق أن أعلنت الشرطة البلجيكية أنها صادرت معدات وأكثر من 1,5 مليون يورو نقدا، في أعقاب مداهمات طالت ما لا يقل عن 20 منزلا ومكتبا لمتورطين مفترضين بالبرلمان الأوروبي في إطار قضية الرشاوى.

وتزعم المجلة الأمريكية بأن “العميل المغربي” إياه، برز “كأحد المشغلين الرئيسيين في فضيحة الفساد، التي ذكرت تقارير أنها متعلقة بقطر”، والتي تهز أسس البرلمان الأوروبي منذ شهرين وسبق أن نفت الدوحة مرارا علاقتها بها. بينما اكتفى وزير العدل البلجيكي فنسنت فان كويكنبورن، بالإشارة إلى “بلد متورط في التحقيق” دون ذكره بالاسم، مشيرا إلى “دولة تم ذكرها خلال السنوات الأخيرة .. عندما يتعلق الأمر بالتدخل [يقصد في الشؤون الأوروبية]”. فيما اعتبرت مجلة “بوليتيكو” بأن المسؤول البلجيكي إنما كان يلمح إلى المغرب، وإلى التقارير حول أنشطة التجسس المغربي فوق الأراضي البلجيكية، حيت تتواجد جالية مغربية كبيرة.

وتضيف المجلة بأن برقيات دبلوماسية سربت في عامي 2014 و2015 كشفت بأن عضو البرلمان الأوروبي، أنطونيو بانزيري، يوصف بأنه صديق “مقرب” للمغرب و”حليف مؤثر وقادر على محاربة النشاط المتزايد لأعداء المغرب في البرلمان الأوروبي”.

ويتواجد السياسي الإيطالي بانزيري حاليا في السجن، حيث يواجه اتهامات أولية بالفساد، في إطار التحقيق حول مدى قرب بانزيري من المغرب، وحول ما إذا كان المغرب وقطر قد اشتريا فعلا نفوذا في البرلمان الأوروبي.

وسبق أن تقاسم بانزيري رئاسة اللجنة البرلمانية المشتركة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب مع عبد الرحيم عثمان، سفير المغرب في بولونيا، وهو دبلوماسي محنك حريص على تعزيز مصالح المغرب في دوائر بروكسل. وفقا لمصادر مجلة “بوليتيكو”، فإنه “يشتبه الآن بأن السفير عثمان كان يتلقى الأوامر من العميل المغربي بلحرش، الذي يُعتبر “رجلا خطيرا”، كما وصفه مسؤول مطلع على التحقيق لصحيفة “لوسوار” البلجيكية، وأن بانزيري ارتبط بجهاز المخابرات المغربية الخارجية (لادجيد)، بعد فشله في إعادة انتخابه للبرلمان في عام 2019.. في وقت يشير طلب التسليم الصادر عن القضاء البلجيكي، الذي اطلعت عليه مجلة “بوليتيكو”، إلى شخصية غامضة مرتبطة ببطاقة ائتمان أعطيت لأقارب بانزيري، تحمل اسم “العملاق”، بحيث تحوم شبهات حول كون “العملاق” ليس سوى العميل المغربي “محمد بلحرش”.

أبعاد الأزمة وتداعياتها

نتوقف عند هذا القدر من التفاصيل، لنطرح السؤال الأهم: إلى أين تأخذ كرة الثلج المتدحرجة مستقبل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب؟ وهل ستستمر الأزمة الأخرى بين باريس والرباط، في رهن تلك العلاقات أبعد مما بلغته الأزمة حتى الآن؟

من حيث المبدأ، تجمع المغربَ والاتحادَ الأوروبي علاقات عريقة وعميقة ومتنوعة تطورت على مرِّ السنين، بدأت بإبرام العديد من الاتفاقيات الثنائية في سبعينيات القرن الماضي. شملت التبادل التجاري وتصدير المنتجات الفلاحية المغربية لأوروبا، وانطلقت هذه العلاقات بتوقيع اتفاق تجاري بين المغرب والمجموعة الاقتصادية الأوروبية منذ العام 1969، واتسع نطاقها بإبرام اتفاق تعاون في سنة 1976، ثم تعزَّزت أكثر بعد اعتماد اتفاق شراكة في سنة 1996، وبمخطط عمل الجوار في سنة 2005، وبمنح المغرب صفة الوضع المتقدم لدى الاتحاد الأوروبي في أكتوبر/تشرين الأول 2008. وقد شهد شهر أكتوبر/تشرين الأول، من سنة 2008، منح الاتحاد الأوروبي المغرب صفة “الوضع المتقدم”؛ حيث أعطاه شراكة حديثة تعطيه حق المساهمة في العديد من مجالات التعاون الأوروبي، ولكنها ليست بالعضوية الكاملة.

واقتصاديا، ينص الوضع المتقدم على تيسير الاندماج الكامل والتدريجي للمغرب بالسوق الداخلية للاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالسلع والخدمات، وأيضا فيما يخص الارتباط بالشبكة الأوروبية في مجالات النقل والاتصالات والطاقة وغيرها.

وعموما، تَمنح صفة “الوضع المتقدم” للمغرب الحقَّ في ولوج كل مجالات الفعل الأوروبي، باستثناء الانضمام الكامل لبنياته وهياكله، لاسيما التشريعية والتنظيمية. لكنه وضع استثنائي لم يُمنح لأي بلد غير أوروبي آخَر، بل لم تحصل عليه حتى بعض الدول الأوروبية كتركيا، التي لم يتسنَّ لها تحصيل بعض امتيازات الوضع المتقدم الممنوح للمغرب.

وهكذا، ترتبط الرباط وبروكسل منذ أكثر من 20 عاما، باتفاقيات في مجالات الزراعة والصيد البحري، تشمل حتى المنطقة المتنازع عليها في الصحراء المغربية الغنية بالفوسفات والأسماك. وهو ما يثير غضب بعض الجهات الإقليمية في المحيط المغاربي والأوروبي من تصاعد حجم التعاون. وتبعا لذلك، ووفق آخر الأرقام الرسمية المتوفرة، فإن حجم المبادلات التجارية بين المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي تضاعف خلال 10 أعوام، ليبلغ أكثر من 45 مليار يورو (47,7 مليار دولار) في عام 2021. وهو ما جعل من المملكة الشريك الاقتصادي والتجاري الأول للاتحاد الأوروبي في القارة الأفريقية، وبالمقابل الاتحاد هو الشريك الاقتصادي والسياسي الرئيس لها.

لهذه الاعتبارات جميعها، لا يبدو واردا أن يتخلى الاتحاد الأوروبي على إنهاء شراكة عمرها نصف قرن مع المغرب، توفر له الأمن (من الإرهاب)، والأمان (من تسلل المهاجرين)، والأمن الغذائي (تمده الصادرات الزراعية بجزء هام من سلة غذاء دوله: خضر وفاكهة وزيوت نباتية ومنتجات بحرية طازجة ومعلبة). فأزمة الاتحاد مع المغرب سياسية، بينما اقتصاديا عرفت المبادلات التجارية نموا هاما حتى في ظروف الجائحة الاستثنائية. ولذلك تميل التحليلات إلى قراءة قرارات البرلمان الأوروبي [غير المُلزمة للجانب المغربي]، على أنها “مناشدات” تنبه المغرب إلى ضرورة وقف عمليات المس بحقوق الإنسان، ووقف عمليات التجسس، أكثر مما هي تدخلات في شؤون المملكة الداخلية. خصوصا وأن مؤسسات الاتحاد الأوروبي لا ترتكن إلى موقف موحد من المغرب، ففي الوقت نفسه —تقريبا— الذي كان البرلمان الأوروبي يدين الرباط، دافعت المفوضية الأوروبية عن الاتفاقيات التي تربط الاتحاد بالمغرب وتشمل أقاليم الصحراء، التي طالبت محكمة الاتحاد الأوروبي بإلغائها. حيث اعتبر الجهاز التنفيذي الأوروبي والمصلحة الأوروبية للعمل الخارجي، عكس الادعاءات الصادرة عن البرلمان الأوروبي، أن تلك الاتفاقيات تعود بفوائد جمة على الصحراء وسكانها من حيث الصادرات والنشاط الاقتصادي والتوظيف، إلى جانب الاستثمارات الكبيرة التي تقوم بها الحكومة المغربية في أقاليمها الجنوبية، مشيدة بـ “المخططات التنموية والاستثمارية للمغرب، التي لعبت دورا مهما في تنمية الصحراء والمنطقة ككل”.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن المغرب اليوم عبر موقع أفريقيا برس