التحالف المغربي ـ الأميركي ـ الإسرائيلي يربك حسابات إسبانيا

7
التحالف المغربي ـ الأميركي ـ الإسرائيلي يربك حسابات إسبانيا
التحالف المغربي ـ الأميركي ـ الإسرائيلي يربك حسابات إسبانيا

أفريقيا برس – المغرب. أعادت أزمة الهجرة غير المسبوقة التي شهدتها مدينة سبتة الإسبانية في يوليو/تموز الماضي فتح سؤال أكبر من مجرد إدارة الحدود بين إسبانيا والمغرب: هل أصبحت الهجرة غير النظامية أداة ضمن صراع جيوسياسي أوسع في غرب المتوسط، في وقت تتزايد فيه حساسية العلاقات بين مدريد من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى؟

لا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت أن التدفق الجماعي للمهاجرين إلى سبتة كان عملية منسقة بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، لكن تزامن الأزمة مع توتر سياسي متصاعد بين إسبانيا والولايات المتحدة بشأن الحرب على إيران، وموقف مدريد من الحرب الإسرائيلية على غزة، يجعل من المشروع طرح أسئلة حول المستفيدين سياسياً من هذا النوع من الأزمات.

ففي 30 يوليو/تموز، شهدت سبتة تدفقاً جماعياً غير مسبوق للمهاجرين من الجانب المغربي، بعدما تمكن عشرات الآلاف من الوصول إلى المدينة براً وبحراً. وقد اضطرت إسبانيا إلى نشر قوات عسكرية لتعزيز الشرطة وحرس الحدود، بينما تحولت الأزمة إلى واحدة من أخطر أزمات الهجرة في تاريخ المدينة. وقد تحدثت تقديرات لاحقة عن أكثر من 70 ألف شخص حاولوا العبور، فيما سقط عشرات القتلى خلال محاولات الوصول إلى الأراضي الإسبانية.

ولم تكن الصدمة في حجم التدفق فقط، بل في قدرة هذا التدفق على إرباك مدينة صغيرة خلال ساعات، وتحويل قضية الهجرة إلى قضية أمن قومي وسيادة وحدود. وبالنسبة إلى مدريد، فإن سبتة ليست مجرد نقطة عبور للمهاجرين، وإنما أرض تحت الحماية الإسبانية تقع على تماس مباشر مع المغرب، وبالتالي فإن أي انهيار مفاجئ للحدود يحمل أبعاداً تتجاوز ملف الهجرة.

المغرب بين الشريك والورقة الضاغطة

لطالما تعاملت إسبانيا مع المغرب باعتباره شريكاً رئيسياً في مكافحة الهجرة غير النظامية، ولذلك فإن قدرة الرباط على ضبط أو تخفيف تدفقات المهاجرين تمنحها ورقة نفوذ مهمة تجاه مدريد.

وهذه ليست المرة الأولى التي ترتبط فيها أزمات الهجرة بالتوترات السياسية بين البلدين. فقد شهدت سبتة في 2021 أزمة مماثلة، عندما دخل آلاف المهاجرين إلى المدينة في وقت قصير، ما أدى إلى توتر شديد بين الرباط ومدريد.

لكن أزمة 2026 جاءت في بيئة دولية مختلفة تماماً، إذ أصبحت علاقات المغرب مع واشنطن وإسرائيل أكثر عمقاً في المجالات السياسية والعسكرية والأمنية، بينما اتخذت الحكومة الإسبانية مواقف أكثر استقلالية عن الخط الأميركي والإسرائيلي.

ومن هنا تبرز فرضية سياسية تحتاج إلى تحقيق مستقل: هل يمكن أن تستخدم الضغوط على الحدود الإسبانية، بشكل مباشر أو غير مباشر، لتعويض عجز أطراف أخرى عن التأثير في سياسة مدريد الخارجية؟

لماذا إسبانيا تحديداً؟

تحتل إسبانيا موقعاً غير مريح بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب في عدد من الملفات.

فحكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز كانت من أكثر الحكومات الأوروبية انتقاداً للحرب الإسرائيلية على غزة، كما اعترفت مدريد بالدولة الفلسطينية، واتخذت مواقف سياسية حادة تجاه إسرائيل.

وفي الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، اتخذت إسبانيا موقفاً أكثر وضوحاً. فقد رفضت حكومة سانشيز السماح باستخدام قاعدتي روتا ومورون في العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران، مؤكدة أن القواعد لا يمكن استخدامها في عمليات لا تنسجم مع الاتفاق الدفاعي بين مدريد وواشنطن أو مع ميثاق الأمم المتحدة.

ولم يتوقف الأمر عند القواعد العسكرية، إذ أغلقت إسبانيا مجالها الجوي أمام الطائرات الأميركية المشاركة في العملية العسكرية ضد إيران، بحسب ما أكدته مصادر دفاعية إسبانية.

هذه المواقف وضعت مدريد في موقع مختلف عن عدد من حلفائها الغربيين، وعمقت الخلاف مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وفي يوليو/تموز، وصل الخلاف إلى مستوى أكثر حدة بعدما أعلن ترامب إجراءات تجارية ضد إسبانيا، في سياق انتقادات أميركية لسياساتها الدفاعية وموقفها من الحرب على إيران.

إسرائيل والمغرب في المعادلة

في المقابل، يتمتع المغرب بعلاقات استراتيجية متنامية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تشمل التعاون العسكري والأمني والتكنولوجي.

وهنا تظهر المفارقة: بينما تتباعد مدريد سياسياً عن واشنطن وتل أبيب في عدد من الملفات الحساسة، تعمل الرباط على تعزيز شراكاتها مع العاصمتين.

وقد أشارت تقارير إلى أن المغرب سمح في 2024 لسفينة حربية إسرائيلية بالتزود بالوقود والإمدادات في ميناء طنجة، بعدما كانت إسبانيا قد رفضت منح سفينة مرتبطة بجهد نقل أسلحة لإسرائيل إمكانية الرسو في ميناء الجزيرة الخضراء.

وهذا يؤكد حسب متابعين أن الرباط تصرفت نيابة عن واشنطن و تل أبيب، ويوضح اختلاف اتجاهات السياسة الخارجية بين البلدين.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة أزمة سبتة باعتبارها جزءاً من بيئة إقليمية تتداخل فيها المصالح الأمنية والعسكرية والهجرة والسياسة الخارجية، وليس باعتبارها حادثاً حدودياً منفصلاً.

«الحرب الهجينة».. اتهام يحتاج إلى دليل

هذا بالضبط ما دفع نواباً من اليسار الإسباني إلى مطالبة الحكومة بتقديم توضيحات حول طبيعة التعاون العسكري والأمني بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، والتحقيق في احتمال استخدام أدوات ما يسمى «الحرب الهجينة».

ويضع هذا المصطلح الهجرة ضمن مجموعة أوسع من أدوات الضغط، إلى جانب الهجمات السيبرانية والمعلومات المضللة والتجسس والضغط الاقتصادي والسياسي.

وفي بيان وقّعه المتحدث باسم الحزب، إنريكي سانتياغو، إلى جانب النائبين فرانسيسكو سييرا وفيليكس ألونسو، وُجّهت إلى المغرب اتهامات بشن ما وصفه النواب بـ”حملة ابتزاز مؤسساتي وزعزعة سياسية”. كما اعتبروا أن الدعم العسكري والتقني الذي تتلقاه الرباط من الولايات المتحدة وإسرائيل أتاح لها، بحسب تقديرهم، توسيع نطاق استخدام أدوات غير تقليدية في الصراع السياسي والأمني، وفي مقدمتها تقنيات التجسس السيبراني، ومنها برنامج “بيغاسوس”، فضلاً عن تعزيز قدراتها العسكرية عبر اقتناء منظومات “باراك إم إكس” المضادة للصواريخ وطائرات مسيّرة مخصصة للمراقبة والاستطلاع.

ويمتد القلق الذي عبّر عنه اليسار الموحّد إلى الخطاب السياسي والفكري المحيط بقضية سبتة ومليلية. فقد انتقد المقترح البرلماني مواقف بعض المحللين والدبلوماسيين المقربين من إسرائيل، متهماً إياهم بمحاولة التشكيك في مشروعية السيادة الإسبانية على المدينتين، من خلال تقديمهما باعتبارهما “جيبين استعماريين عفا عليهما الزمن”. ويرى النواب الثلاثة أن هذا الطرح ينطوي على مساواة “انتهازية” بين الوجود الإسباني في شمال إفريقيا ونزاعات إقليمية ذات سياقات تاريخية وسياسية مختلفة في الشرق الأوسط.

ويأتي هذا الموقف في سياق انتقادات أوسع داخل الساحة السياسية الإسبانية، إذ لم يقتصر التحفظ على اليسار الموحّد. ففي مارس 2023، وجّه حزب «بوديموس» انتقادات حادة إلى مناورة بحرية مشتركة بين القوات المغربية والأميركية قبالة جزر الكناري، معتبراً أن تنامي التعاون العسكري بين البلدين يستدعي يقظة سياسية وأمنية أكبر.

وفي الاتجاه نفسه، وجّهت كريستينا فاليدو، النائبة عن الائتلاف الكناري، سؤالاً إلى وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بشأن تنامي الروابط العسكرية بين المغرب والولايات المتحدة، بما يعكس اتساع دائرة الجدل داخل إسبانيا حول التحولات التي تشهدها موازين التعاون الدفاعي في غرب المتوسط وشمال إفريقيا.

وقد ذهبت «إزكييردا أونيدا» إلى طرح أسئلة مباشرة على الحكومة الإسبانية بشأن أزمة سبتة، مركزة على ما وصفته بالضغوط «القسرية» التي يمكن أن تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل على إسبانيا في ملفات الهجرة والدبلوماسية والتكنولوجيا، وعلى طبيعة العلاقة بين المغرب وحليفيه الأميركي والإسرائيلي.

كما أثارت تقارير وتحليلات سياسية مسألة احتمال استخدام الهجرة كأداة ضغط، إلا أن هذه الفرضية لا تزال بحاجة إلى أدلة موثقة تحدد من خطط للتدفق، ومن سمح به، وما إذا كان الأمر يتعلق بقرار سياسي أو بانهيار أمني مفاجئ استغلته شبكات التهريب والمعلومات المضللة. وهنا تحديداً تكمن أهمية التحقيق.

أزمة سبتة تحتاج إلى إجابات

فالسلطات الإسبانية نفسها ركزت بعد الأزمة على مكافحة التضليل عبر شبكات التواصل، وعلى التعاون مع المغرب لإعادة المهاجرين وتعزيز السيطرة على الحدود.

لكن السؤال السياسي الأكبر يبقى: كيف تمكن هذا العدد الهائل من الأشخاص من التحرك في اتجاه سبتة خلال فترة زمنية قصيرة؟ وهل كان الأمر نتيجة تعبئة عفوية، أم استغلال منظم للمعلومات المضللة، أم تراخٍ متعمد في مراقبة الحدود، أم مزيجاً من هذه العوامل؟

وإذا كان هناك من يرى أن الهجرة استُخدمت كسلاح ضغط ضد إسبانيا، فإن إثبات ذلك يتطلب كشف الاتصالات والقرارات الأمنية وتحركات شبكات التهريب ومسار المعلومات التي دفعت آلاف الأشخاص إلى الحدود.

أما إذا ثبت أن الأزمة كانت نتيجة عوامل اقتصادية وشبكات تهريب ومعلومات مضللة من دون تدخل حكومي، فإن ذلك سيكون مهماً أيضاً، لأنه يمنع تحويل كارثة إنسانية إلى رواية جيوسياسية بلا أدلة.

وفي الحالتين، تبدو سبتة اليوم أكثر من مجرد أزمة هجرة.

فهي تقع عند تقاطع ثلاثة ملفات: العلاقة الإسبانية-المغربية، والتحالف المغربي مع واشنطن وتل أبيب، والموقف الإسباني المختلف عن الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه غزة وإيران.

وهكذا، يبدو أن العلاقات المغربية ـ الإسبانية باتت تُقرأ، في بعض الأوساط السياسية الإسبانية، من خلال عدسة أمنية أكثر حساسية، تتداخل فيها ملفات الهجرة والسيادة والأمن السيبراني والتسلح والتحالفات الدولية، في وقت تواصل فيه الرباط توسيع شبكة شراكاتها الاستراتيجية، ولا سيما مع والولايات المتحدة وإسرائيل.

ولهذا فإن السؤال الذي بدأ بأزمة حدودية قد ينتهي بسؤال أكبر: هل أصبحت الهجرة في غرب المتوسط أداة نفوذ في صراع جيوسياسي جديد؟

الإجابة لا ينبغي أن تُبنى على الاستنتاجات وحدها، وإنما على تحقيق شفاف يكشف ما حدث في سبتة، ومن استفاد منه، وما إذا كان تدفق المهاجرين مجرد أزمة حدودية عابرة، أم ورقة ضغط ضمن لعبة سياسية أكبر.