آمنة جبران
أهم ما يجب معرفته
عبد السلام العزيز، الأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، أعلن عن انفتاح الحزب على التنسيق مع التنظيمات اليسارية الجادة لدخول الانتخابات التشريعية المقبلة بشكل موحد. وأكد أن كلفة تشتت اليسار باهظة، مشدداً على أهمية بناء بديل ديمقراطي يلبي تطلعات المغاربة ويعزز من موقف اليسار في المشهد السياسي.
أفريقيا برس – المغرب. كشف عبد السلام العزيز، الأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، في حوار خاص مع “أفريقيا” عن انفتاح الفيدرالية على أي تنسيق وتقارب جاد مع التنظيمات اليسارية لدخول السباق الانتخابي التشريعي المرتقب بشكل موحد. لافتاً إلى أن كلفة تشتت اليسار باهظة، وأن الغاية من التوحد ليست السعي وراء “الغنيمة الانتخابية”، بل لبناء “قطب ثالث” حقيقي يقدم بديلاً ديمقراطياً للمغاربة ويلبي تطلعاتهم.
ورأى أن اليسار المغربي بحاجة إلى إعادة بناء الذات وإلى تجديد فكري وتنظيمي، وإلى خطاب يستوعب تحولات العصر الرقمي، كما “لا يمكننا مواجهة التغول السلطوي وخلق الشروط الضرورية لتعديل موازين القوى بأدوات الماضي”.
وفيما يخص تقييم فيدرالية اليسار المغربي لأداء الحكومة المغربية في إدارة ملفات البلاد، أوضح أن شعار “الدولة الاجتماعية” تعرض لعملية تفريغ ممنهج من محتواه، ليتحول إلى مجرد غطاء لتمرير سياسات نيوليبرالية شرسة تخدم الرأسمال الكبير والريع والاحتكار، وهي أزمة جشع “داخلي” وفق تقديره.
ماهو تقييم حزب فيدرالية اليسار المغربي لأداء الحكومة المغربية فيما يخص تعاطيها مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية؟
للأسف، الهوة تتسع يوماً بعد يوم بين الخطاب الرسمي والوضع الاقتصادي والاجتماعي. تقييمنا في فيدرالية اليسار الديمقراطي يؤكد أن شعار “الدولة الاجتماعية” تعرض لعملية تفريغ ممنهج من محتواه، ليتحول إلى مجرد غطاء لتمرير سياسات نيوليبرالية شرسة تخدم الرأسمال الكبير والريع والاحتكار. نحن لا نعيش أزمة تضخم مستوردة كما تروج الحكومة، بل نعيش أزمة “جشع” داخلي؛ حيث تُراكم الشركات شبه الاحتكارية، وفي مقدمتها القطاع البنكي وشركات المحروقات والمراكز التجارية الكبرى، أرباحاً فاحشة في غياب تام للمراقبة. إن تضارب المصالح الذي طبع هذه الحكومة كبّل يد الدولة عن التدخل لحماية القدرة الشرائية، وأبقى مصفاة التكرير “سامير” معطلة ضداً على الأمن الطاقي الوطني. نفس التخبط لمسناه في السياسات المائية؛ فبينما ساد العطش في القرى المغربية، استمرت الحكومة في دعم “تصدير الماء” عبر زراعات استنزافية (الأفوكادو والبطيخ)، وهو ما يعكس انحيازاً طبقياً سافراً لكبار المصدرين على حساب الأمن المائي والغذائي للمغاربة.
هل تفهمت الحكومة المغربية مطالب حراك جيل زد الأخيرة والتقطت رسالة الشارع أم لا، وهل تتوقع مواصلة حكومة أخنوش قيادة الأغلبية؟
ما رصدناه في الفيدرالية هو جنوح الحكومة والسلطات نحو المقاربة الأمنية الصرفة في التعامل مع الحراك الشبابي، بدل اعتماد مقاربة سياسية تستجيب لمطالب هذا الجيل. فقد شهدنا منع وقفات سلمية، واعتقالات في صفوف شباب قاصرين ومدونين، وأحكامًا قاسية في حق العشرات منهم محاولة لترهيبهم وكسر دينامية الحراك، بدل معالجة أسباب الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي. إلى جانب ذلك، مارست الحكومة نوعًا من التضليل السياسي عبر الترويج لشعارات “تشجيع المشاركة السياسية للشباب”، بينما اعتمدت عمليًا ترسانة قانونية تضييقية. وتجلى ذلك في وضع عراقيل جديدة أمام تأسيس الأحزاب مما يغلق الباب أمام أي تعبير سياسي شبابي مستقل ومنظم، وفي شروط تعجيزية للاستفادة من الدعم المالي الذي قيل إنه سيخصص لتعزيز حضور الشباب في المؤسسات، ما يجعل العمل السياسي، في ظل ما تعرفه الانتخابات من إفساد، حكرًا على أبناء الأعيان وذوي النفوذ المالي. والرهان اليوم هو أن يقتحم الشباب، رغم كل هذه المعيقات، سجلات الانتخابات لانتزاع حقهم، لأن المقاطعة هي هدية مجانية لقوى الفساد.
أما بخصوص مستقبل الحكومة، فإن تصريح رئيسها بعدم الترشح لولاية جديدة على رأس حزبه يعتبر انسحابًا قبل المعركة واستباقًا لهزيمة انتخابية. وبالنسبة لنا، كان الأجدر برئيس الحكومة أن يقدم حسابًا سياسيًا واضحًا للمغاربة حول حصيلة حكومته، بدل مغادرة المشهد من الباب الخلفية.
دعوت مؤخرًا الأحزاب المغربية إلى إعادة بناء الذات وإلى عقد اجتماعي جديد، هل ممكن شرح ذلك؟
المغرب اليوم أمام منعطف وجودي. التحديات الجيوستراتيجية وقضية وحدتنا الترابية، والهشاشة الاجتماعية الداخلية، كلها تفرض علينا الانتقال من “التدبير اليومي للأزمات” إلى تأسيس تعاقد وطني. العقد الاجتماعي الذي نقترحه يرتكز على أركان واضحة: انتقال ديمقراطي حقيقي نحو ملكية برلمانية، عدالة اجتماعية ومجالية تجعل الحقوق الاقتصادية (الصحة، التعليم، الشغل) ملزمة للدولة وليست سلعاً في السوق، وربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة للقطع مع “دولة الريع”. كما نؤكد على أهمية توطيد الهوية الوطنية الجامعة وبناء ثقافة مواطنة قائمة على الانتماء المشترك. أما “إعادة بناء الذات”، فهي ورشة داخلية لليسار. لا يمكننا مواجهة التغول السلطوي وخلق الشروط الضرورية لتعديل موازين القوى بأدوات الماضي. نحن بحاجة إلى تجديد فكري وتنظيمي، وإلى خطاب يستوعب تحولات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، لنكون صوتاً ذا مصداقية للمغاربة، وليس مجرد “رقم تكميلي” في المشهد.
كيف تقيم تموقع الأحزاب اليسارية في المشهد السياسي المغربي، هل ما زال حضورها هشًا؟
هناك مفارقة صارخة يجب الاعتراف بها: اليسار حاضر في المجتمع المغربي، في النقابات، في الحركة الحقوقية والمدنية، وفي دينامية الاحتجاجات الشعبية، لكنه ضعيف انتخابياً. هذا الضعف له أسباب موضوعية وتاريخية وأخرى تتعلق بطبيعة الانتخابات في بلادنا وهيمنة لوبيات الفساد، وأسباب ذاتية مرتبطة بـ”التشتت”. في فيدرالية اليسار الديمقراطي، حاولنا تجاوز جزء من هذه المعيقات عبر توحيد مكوناتها (الطليعة، المؤتمر الاتحادي، اليسار الوحدوي والبديل الديمقراطي) في المؤتمر الاندماجي لديسمبر 2022، ونشتغل اليوم على تقوية الحزب وهيكلته في أفق مؤتمره الوطني الأول، مع انفتاحنا على كل اليساريين والديمقراطيين الساعين إلى بناء حزب يساري اشتراكي قوي قادر على القيام بمهامه التاريخية.
هل يمكن لليسار المغربي التوحد في انتخابات 2026؟ وما هو موقفكم من مبادرات بعض الأحزاب للتوحد في السباق الانتخابي المرتقب؟
نحن واعون تمامًا بأن كلفة التشتت باهظة على اليسار، وأن المستفيد الوحيد منها هو قوى الفساد والريع وأحزاب السلطة. لذلك، موقفنا استراتيجي وليس تكتيكياً، كنا ولا نزال منفتحين على أي تقارب جاد يُبنى على أسس سياسية وبرنامجية متينة، تفضي إلى بروز قطب يساري ديمقراطي واضح المعالم. نحن منفتحون على أي تنسيق مع التنظيمات اليسارية الجادة، ليس بمنطق “الغنيمة الانتخابية”، بل لبناء “قطب ثالث” حقيقي يقدم بديلاً ديمقراطياً للمغاربة، يقطع مع ثنائية (الإسلام السياسي/الأحزاب الإدارية).





