آمنة جبران
أهم ما يجب معرفته
جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، يؤكد في حوار خاص أن الانتقال الديمقراطي في المغرب يتطلب إصلاحات سياسية ودستورية حقيقية. ويشير إلى أن الحكومة الحالية ترفض التغييرات اللازمة، مما يؤدي إلى استمرار الفساد وعدم استجابة الشباب للمشاركة في الانتخابات. العسري يدعو إلى تشكيل جبهة موحدة لمواجهة قوى الاستبداد.
أفريقيا برس – المغرب. اعتبر جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، في حوار خاص مع “أفريقيا برس”، أن “الوصول إلى الانتقال الديمقراطي في المغرب لن يكون إلا عبر إصلاحات سياسية ودستورية، ومدخلها الأساسي تعديل دستوري حقيقي وعميق يصل بنا لبناء ملكية برلمانية حيث يملك الملك ولا يحكم.”
واستبعد أي “تغيير حقيقي أو مفاجآت كبرى قد تأتي بها هذه الانتخابات التشريعية المرتقبة، وذلك في ظل الإصرار الغريب للحكومة على إبقاء الأمور على حالها برفض أي تعديلات سياسية وتغييرات حقيقية للقانون الانتخابي، والاكتفاء ببعض التغييرات التقنية والإجرائية، وهي تغييرات لم تثر شهية الشباب للإقبال على التسجيل في اللوائح الانتخابية.”
وأوضح أن “دعوة الحزب الاشتراكي الموحد إلى تشكيل جبهة موحدة تضم القوى اليسارية والديمقراطية في البلاد، تأتي في خضم ميزان قوى مختل لصالح قوى الاستبداد والفساد، لكن إن حصلت الإرادة الحقيقة يمكن تشكيل هذه الجبهة، وهي الوحيدة القادرة على التغيير، والوحيدة القادرة على مواجهة قوى الفساد والاستبداد والوقوف في وجه زواج السلطة والمال.”
ماهو تقييم حزب الاشتراكي الموحد لأداء الحكومة المغربية فيما يخص تعاطيها مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية؟
مباشرة بعد تعيين هذه الحكومة، سارعنا في الحزب الاشتراكي الموحد إلى الإعلان عن رفض هذه الحكومة التي خرجت بفعل زواج السلطة والمال، ونبهنا إلى أن هذا الزواج لن ينتج عنه إلا مزيد من الفساد والاستبداد، وهو ما أظهرته سنوات هذه الحكومة التي ما فتئت تعلن أنها تريد إرساء دعائم الدولة الاجتماعية، لكن الواقع أثبت ذلك التناقض بين الأقوال والأفعال. فإذا كانت أقوال هذه الحكومة وخطابات وزرائها تذهب في منحى التعاطي الإيجابي مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطن، فإن حقائق الأرض وسياسات الحكومة وأفعالها أظهرت للجميع أننا أمام حكومة الباطرونا همها هو الدفاع عن مصالح رأس المال وأصحابه، وأنها حكومة تضارب المصالح وحكومة الاحتكار والدفاع عنه. وما جرى ويجري في قطاع المحروقات إلا مثال بسيط على جشع الباطرونا وانسياق حكومتها مع هذا الجشع. بل ويكفي النظر إلى الاحتجاجات الكبيرة وغير المسبوقة التي شهدتها أهم القطاعات الاجتماعية كالتعليم والصحة وطلبة الطب والجماعات المحلية، حراك ساكنة فگيگ وحملة الشهادات المعطلين وحراك شباب جيل Z، واليوم معارك قطاع المحاماة، لندرك أن هذه الحكومة تعاطت مع القطاعات الاجتماعية انطلاقًا من موقعها موقع الباطرونا، ومن أهداف أصحاب هذه الموقع تكديس الأرباح وسن القوانين لتحقيق هذه الأهداف.
هل تفهمت الحكومة المغربية مطالب حراك جيل زد الأخيرة والتقطت رسالة الشارع أم لا، وهل تتوقع مواصلة حكومة أخنوش قيادة الأغلبية؟
داخل الحزب الاشتراكي الموحد لم نفاجأ البتة بحراك شباب جيل Z، لأننا ببساطة كنا نتوقعه، كما نتوقع اليوم إمكانية حصول انفجارات اجتماعية في أي وقت، مادامت كل أسباب الاحتجاج والانتفاض قائمة. فالمغرب يعيش، كما نبهنا وننبه، فوق برميل بارود قد ينفجر عند أي لحظة. وبالعودة لسؤالكم حول تفهم الحكومة المغربية لمطالب الشباب ومدى التقاطها لرسالة الشارع، فالجواب بسيط. في ظل حكومة قائمة على زواج السلطة والمال، وفي ظل حكومة يتحكم فيها رأس المال والباطرونا، وهمها الأساسي الدفاع عن مصالحها، فهي حكومة فاقدة لأجوبة حقيقية لسؤال الديمقراطية ولسؤال الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها الوطن، ولسؤال الإصلاح الجذري والحقيقي للوضع السياسي المعطوب وللمطالب العادلة والمشروعة للشباب، وهي مطالب إصلاح التعليم والصحة والسكن وإيجاد مناصب شغل للشباب. وأمام فقدان الجواب وفقدان الابتكار، لجأت الحكومة لما يلجأ إليه أي مستبد لإيجاد جواب لأسئلة الحرية، والجواب البسيط هو القمع والاعتقال والمحاكمات والسجن، حيث تمت محاكمة المئات من الشباب إن لم نقل الآلاف، وصدرت في حق أغلبهم أحكام قاسية أدانتها كل المنظمات والهيئات الحقوقية. وعملاً بسياسة الجزرة والعصا، حاولت هذه الحكومة الالتفاف على مطالب الشباب من خلال تبشيرهم بفردوس ونعيم المشاركة الانتخابية وما يتبعها من دعم مالي، وهي عملية هدفها الأساسي محاولة وأد العمل السياسي الحزبي الجاد والمعارض الحقيقي، ومحاولة إلهاء الشباب بنقاشات تبعدهم عن النقاش الحقيقي الذي فرضه حراكهم النضالي التاريخي.
أما بخصوص سؤال مواصلة حكومة أخنوش في قيادة الأغلبية، أي مواصلة الأغلبية القائمة في قيادة حكومة انتخابات 2026، فقد نبهنا في الحزب الاشتراكي الموحد إلى أن المغرب قد يكون مرة أخرى أمام تضييع فرصة تاريخية للبدء في الانتقال الديمقراطي ومغادرة ضفة السلطوية والتسلط. وقلنا إن انتخابات 2026 تمنح الوطن هذه الفرصة، ومدخلها تغيير حقيقي لقانون الانتخابات وإبعاد وزارة الداخلية عن مهمة الإشراف عليها، وهي المهمة التي فشلت فيها طيلة ستة عقود، أي 60 سنة. لكن مع الأسف، هناك إصرار غريب على إبقاء الأمور على حالها برفض أي تعديلات سياسية وتغييرات حقيقية لهذا القانون، والاكتفاء ببعض التغييرات التقنية والإجرائية، وهي تغييرات لم تثر شهية الشباب للإقبال على التسجيل في اللوائح الانتخابية، وهو ما تسميه وزارة الداخلية بالعزوف، وما نسميه نحن بالمقاطعة الواعية. وعليه، وأمام هذا الواقع، لا يمكن انتظار أي تغيير حقيقي أو مفاجآت كبرى قد تأتي بها هذه الانتخابات، وسنكون مرة أخرى أمام مغرب الفرص الضائعة، كما قال فقيدنا المرحوم المجاهد محمد بنسعيد أيت إيدر.
طالبت مؤخرًا بضرورة القيام بتعديل الدستور، ما هو الهدف من هذه الخطوة؟
داخل الحزب الاشتراكي الموحد، ناضلنا منذ تأسيس الحزب وحتى في مرحلة السرية من أجل مغرب يتسع لكل بناته وأبنائه، مغرب متصالح مع كل جهاته وأقاليمه، مغرب بدون معتقلين سياسيين ولا معتقلي الرأي والفكر. نؤمن في الحزب أن هذا المغرب ممكن بناؤه وممكن الوصول إليه، يكفي أن تكون لدى الحاكمين الإرادة السياسية الحقوقية لركوب مركب التغيير للانتقال من صفة السلطوية والتسلط إلى صفة الديمقراطية. هذا الانتقال الديمقراطي لن يكون إلا عبر إصلاحات سياسية ودستورية، ومدخلها الأساسي تعديل دستوري حقيقي وعميق يصل بنا لبناء ملكية برلمانية حيث يملك الملك ولا يحكم. واليوم، ونحن أمام تغير حقيقي في المقاربة التي يقارب بها مجلس الأمن لقضية وحدتنا الترابية، واعتباره الحكم الذاتي الحل الأنسب لهذه القضية التي عمرت لأكثر من نصف قرن، نحن مطالبون بتغيير دستوري يتبنى منح جهة من جهات الوطن الحكم الذاتي. ونقول في الحزب إن هذه فرصة تاريخية أخرى منحت للوطن للانتقال الديمقراطي، وعلينا شعبًا وحكامًا أن لا نضيعها وأن يكون هذا التعديل المنتظر تعديلًا ينقلنا حقًا لبناء المغرب الديمقراطي، مغرب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
دعوت كذلك إلى ضرورة تشكيل جبهة شعبية واسعة للنضال، تتكون من القوى اليسارية والديمقراطية والتقدمية. هل يمكن لهذه الجبهة أن تشكل بديلاً ديمقراطيًا ناجعًا في البلاد وفق تقديرك؟
الدعوة إلى بناء جبهة شعبية واسعة للنضال ليست فقط دعوتي كأمين عام للحزب الاشتراكي الموحد، بل هي الدعوة التي خرج بها المؤتمر الوطني الخامس للحزب، وهي بالتالي دعوة كل مناضلات ومناضلي الحزب. نؤمن أن ميزان القوى مختل اليوم لصالح قوى الاستبداد والفساد، ولنا اليقين الكبير أنه يمكن تعديل ميزان القوى هذا لصالح القوى المناضلة من أبناء المغرب الذين ناضل من أجله الآباء والأجداد ضد الاستعمار، والذين ضحى من أجله الآلاف من الشهداء والمختفين والمعتقلين. نحن متأكدون أن ما يجمع القوى اليسارية والديمقراطية والتقدمية أكثر مما يفرقها، وأنه إن حصلت الإرادة الحقيقية، فيمكن تشكيل هذه الجبهة الوحيدة القادرة على التغيير، والوحيدة القادرة على مواجهة قوى الفساد والاستبداد، والوقوف في وجه زواج السلطة والمال، والوحيدة القادرة على جعل الشعب المغربي يلتف حولها ليناضل ويحقق مطالبه العادلة والمشروعة. لن نكف داخل الحزب عن الدعوة والعمل من أجل تشكيل هذه الجبهة، والتي نتمنى أن تخرج للوجود في أقرب الأوقات.
هل يمكن لليسار المغربي التوحد في انتخابات 2026؟ وما هو موقفكم من مبادرات بعض الأحزاب للتوحد في السباق الانتخابي المرتقب؟
من طبيعة المناضل اليساري أن يتسلح بسلاح التفاؤل وبسلاح الأمل. ولأننا مناضلون من مناضلي اليسار، فلا يمكن إلا أن نكون متفائلين. لدينا أمل أن نستطيع كيساريين الدخول لانتخابات 2026 موحدين وببرنامج موحد، وأن نضع الناخب أمام ثلاثة مشاريع: المشروع المخزني، والمشروع الإسلاموي، والمشروع اليساري. آنذاك، لن يأخذنا شك في أن الناخب لن يختار إلا أصحاب المشروع الذين يجدهم دائمًا بجانبه في كل معاركه الاجتماعية والحقوقية والسياسية، مدافعين عن مطالبه العادلة والمشروعة. نحن نضع هذه الفكرة نصب أعيننا، مستلهمين من التجربة الانتخابية الفرنسية، حيث استطاعت أحزاب اليسار من خلال وحدتها الانتخابية داخل الجبهة الشعبية الجديدة أن توقف موجة اليمين المتطرف العنصري، وأن تنال ثقة الشعب الفرنسي في الوقت الذي كانت فيه كل استطلاعات الرأي تتنبأ بانتصار غير مسبوق لليمين. يقدم اليسار الدرس بأن بالتفافه حول برنامج انتخابي موحد ووحدته الانتخابية، يمكنه تحقيق الانتصار والحصول على ثقة الشعب. وهو نفس الأمر الممكن حصوله لدينا في المغرب، فقط على أحزاب اليسار الإقدام على هذه الخطوة التي سيكون لها ما بعدها.
هل يمكن مكافحة الفساد الانتخابي في الانتخابات التشريعية المقبلة؟
بصدق، ومع امتناع وزارة الداخلية والأغلبية الحكومية عن إدخال تعديلات حقيقية وتغييرات سياسية في القانون الانتخابي، ومع إبقاء نمط الانتخاب والهيئة الناخبة والهيئة المشرفة على الانتخابات على حالها، وعدم الإقدام على أي تغييرات جذرية في هذا القانون، لا يمكن انتظار نتائج مخالفة للانتخابات السابقة التي أفرزت لنا برلمانًا عدد كبير من أعضائه إما يقبعون في السجون أو متابعين بتهم الفساد. وأمام الإبقاء على بدعة اللوائح الانتخابية، ومع الانتخابات بالنمط الفردي المصبوغ بصباغة اللوائح، لوائح لا تتعدى في أحسن الأحوال خمس مقاعد، ما يجعلها أقرب للانتخاب الفردي، خاصة مع غلبة الدوائر التي لا يتعدى عدد مقاعدها المقعدين أو الثلاث مقاعد، لا ننتظر أن يغيب الفساد الانتخابي عن الانتخابات التشريعية المقبلة، ولا ننتظر البتة أن نصل إلى انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وديمقراطية في ظل القوانين الانتخابية القائمة.





