ماذا حققت حركة 20 فبراير للمغرب؟ وماذا تبقى منها؟

20
ماذا حققت حركة 20 فبراير للمغرب؟ وماذا تبقى منها؟
ماذا حققت حركة 20 فبراير للمغرب؟ وماذا تبقى منها؟

مصطفى واعراب

أفريقيا برس – المغرب. في العشرين من فبراير/ شباط 2011، وبالتزامن مع احتجاجات الربيع العربي، خرج مئات الآلاف من الشباب المغربي في 54 مدينة وبلدة دون تعبئة نقابية ولا حزبية، بناء على دعوات تم توجيهها من تنظيمات سياسية ونشطاء عبر الشبكات الاجتماعية. ، وذلك في سياق ثورات الربيع العربي التي بدأت في تونس أواخر العام 2010، وأطاحت عدة أنظمة عربية حاكمة.

الشباب رفعوا ذكورا وإناثا لافتات تطالب بالكرامة والعدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية، مرددين شعارات تطالب بالفصل بين الثروة والسلطة في المناصب الحكومية، ومحاكمة الضالعين في قضايا فساد واستغلال نفوذ ونهب ثروات المملكة. كما طالبوا وقتها باستقلال القضاء وحرية الإعلام، وإقامة ملكية برلمانية، وإجراء انتخابات نزيهة ووضع دستور جديد.

لقد كانت الشعارات تحمل نبرة جرأة غير معهودة، حيث استهدفت بشكل مباشر ̶ لأول مرة ̶ شخصيات من محيط الملك، اعتبرتها “فاسدة”، كما طالبت بالقطع مع عهد “الدساتير الممنوحة” التي سادت منذ أول دستور في تاريخ المغرب المستقل، وضعه الحسن الثاني مطلع الستينيات؛ واستبدالها بـ “دستور منبثق عن إرادة الشعب” يكرس عقدا جتماعيا جديدا.

لقد أسهمت تلك الهبة التي حملت اسم “حركة 20 فبراير”، في إحداث هزة كبيرة في مشهد سياسي كانت سمته البارزة وقتها، هي الأزمة على كل الأصعدة. ودفعت إلى ميلاد دستور “الربيع العربي”، وإجراء انتخابات سابقة لأوانها مكنت، لأول مرة في تاريخ المغرب، من صعود الإسلاميين إلى سدة الحكم.

وعلى الرغم من أن “حركة 20 فبراير” كانت قد ساهمت في إحداث هزة كبيرة في مشهد سياسي، بولادة دستور الربيع العربي، وإجراء انتخابات مبكرة، مكنت للمرة الأولى في تاريخ المغرب، الإسلاميين من الصعود إلى سدة الحكم، إلا أن ديناميتها ومطالبها خفتت واعتراها فتور ملحوظ بعد انسحاب جماعة “العدل والإحسان”، أكبر تنظيم إسلامي في المغرب، والتي كانت تشكل الثقل الأكبر داخل الحركة إلى جانب اليساريين. وهو ما أفضى إلى خفيف بشكل مؤثر من حجم التظاهرات الاحتجاجية للحركة.

لكن رغم أن “20 فبراير” قد انتهت عمليا وميدانيا بشكل بطيء، بعد انسحاب “العدل والإحسان” من صفوفها، إلا أن ذلك لم يوقف روح الاحتجاج التي تواصلت خارج إطار الحركة، طيلة السنوات الـ 12 الماضية، في شكل “حراكات” شعبية.

فما الذي حققته “حركة 20 فبراير” للمغرب؟ وهل انتهت حقا، أم إنها فقط أطلقت ديناميكية وأشكالا جديدة من الإحتجاج في الشارع المغربي الذي لا يهدأ؟

“20 فبراير” فرضت واقعا جديدا

توجت الاحتجاجات التي أطلقتها “حركة 20 فبراير”، في أقل من ثلاثة أسابيع من الحشد وتعبئة مختلف شرائح المجتمع المغربي، بخروج الملك محمد السادس في خطاب ألقاه في 9 مارس/آذار 2011، بدون أي مناسبة وعلى غير عادة القصر، للإعلان عن مراجعة الدستور المغربي للمرة الأولى خلال حكمه الذي بدأ سنة 1999 وللمرة السادسة منذ استقلال المغرب سنة 1956. تم من خلالها تعديلات دستورية قلصت من صلاحياته في الحكم، مقابل توسيع صلاحيات رئاسة الحكومة. كما أعلن الملك عن حل الحكومة والدعوة إلى إجراء انتخابات تشريعية جديدة.

وإذا كانت الاحتجاجات قد وحدت حولها قوى اليسار المتصارعة في ما بينها عادة، فإنها بالمقابل شقت صفوف الإسلاميين. فبينما نأى حزب “العدالة والتنمية” الإصلاحي بنفسه عن الانخراط في موجة احتجاجات العشرين من فبراير، ودعا أتباعه ومناصريه إلى عدم المشاركة فيها، نزلت جماعة “العدل والإحسان” (شبه المحظورة) بكامل ثقلها، لاستعراض قوتها العددية وقدراتها التنظيمية. وانتهت الانتخابات التي كانت نزيهة بالفعل إلى فوز كاسح لحزب “العدالة والتنمية”، الذي قادته موجة الاحتجاجات إلى دفة التسيير الحكومي لولايتين على مدى عقد كامل (2011 2021 ̶).

في تقييمه لحراك 20 فبراير، يعتبر الدكتور طارق ليساوي أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة، بأن المغرب شهد جملة من التحولات السياسية و الإصلاحات الحقوقية قبل انطلاق حراك 20 فبراير. فـ “منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، بدأت عملية مصالحة هادئة بين القصر ورموز المعارضة، وتم الإفراج عن المعتقلين السياسيين والمصالحة مع المنفيين. بل إن أحزاب المعارضة، وخاصة منها أحزاب الكتلة الوطنية، تمكنت من قيادة الحكومة في شخص المرحوم عبد الرحمان اليوسفي، وهو معارض قدير ووطني نزيه..ومسار التحول بدأ في أواخر عهد الحسن الثاني. ومع صعود وريث عرشه للسلطة استكمل مسار الإصلاحات، فتم عمليا طي ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبت طيلة الفترة الممتدة من الاستقلال إلى حدود 1999، وتشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة وجبر ضرر المتضررين من سنوات الرصاص…

ويضيف الدكتور ليساوي قائلا: “لكن هذا المسار الإصلاحي سيشهد هزات عنيفة، كان أبرزها الأحداث الإرهابية في الدار البيضاء عام 2003، التي شكلت نقطة فاصلة في ما سمي بالعهد الجديد، الذي علينا الإقرار بأن في بداياته تم اتخاذ إجراءات سياسية و حقوقية لها أهميتها. لكن بعد تلك الأحداث الإرهابية، بدأ التضييق على حرية الرأي و التعبير، و انطلقت موجة جديدة من القمع و التضييق ضد معارضيين جددا ، خصوصا منهم المنتمين لما يعرف بجماعات الإسلام السياسي أو السلفيين. واستمر هذا الوضع إلى حدود 2011”.

ويواصل الدكتور ليساوي تحليله قائلا: “كان حراك 20 فبرايرحراكا نوعيا بامتياز، سلميا وواعيا عبر من خلاله الشعب المغربي، عن وعيه السياسي و رقيه الحضاري، و قد أذهلني حجم الانضباط الذي كانت تشهده مسيرات الرباط، و التي كنت من ضمن المنظمين لها و قادتها على الأرض. و كان تجاوب العاهل المغربي في خطاب 9 مارس إيجابيا و بناء امتص الغضب الشعبي، وتجاوب مع جزء كبير من مطالب الحراك.. أقول هذا على الرغم من أنني ممن دعوا إلى مقاطعة التصويت على دستور 2011 ، لأنني أرى كما يرى باقي نشطاء حركة 20 فبراير ومعهم بعض فقهاء القانون الدستوري، أن الدساتير هي نتاج لعقد اجتماعي ولتوازن القوى داخل مجتمع ما في لحظة ما، و أن الشعب هو مصدر السلطة و صاحب السيادة، و هو من يتولى انتخاب أعضاء الهيئة التأسيسية التي تتولى وضع الدستور. و هذه الهيئة المنتخبة هي من تتولى “دسترة” العقد الاجتماعي الجديد الذي تشكل في 20 فبراير…لذلك كنت أرى أن دستور 2011 لم يكن ينبغي أن يكون دستورا ممنوحا على غرار الدساتير السابقة”…

نقاط قوة وضعف الحركة؟

رغم إقرار دستور جديد وتنظيم انتخابات نزيهة قادت أول حكومة إسلامية إلى الحكم في المغرب، إلا أن شباب الحركة لم تقنعهم تلك الإصلاحات، حيث اعتبروها “التفافاً” من النظام على مطالبهم الرئيسة الجذرية في التغيير. فواصلوا الاحتجاج لما يزيد عن العام في معارضتها، قبل أن يبدأ الزخم الشعبي الذي كان يحركهم في الخفوت، لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية.

وفي معرض تقييمه لحصيلة معركة الحركة التي كان من أبرز قادتها، يكشف د. محمد الساسي عضو المكتب السياسي لفيدرالية اليسار الديمقراطي المعارضة، بأن “حركة 20 فبراير دفعت النظام إلى تقديم تنازلات طال انتظارها، لكن الحركة أيضا كانت تشكو من مجموعة من نقاط الضعف، أولها أن الكتلة الحرجة من المواطنين لم تشارك في هذه الحركة، إضافة إلى أن الأطراف المشاركة بها لم يكن لها تصور عام مشترك حول المسألة الدستورية والمسألة الديمقراطية، وهذا يتجلى في غموض بعض الشعارات”.

ويردف الساسي بأن “الطبقات الوسطى انقسمت إلى ثلاث مجموعات: مجموعة أغراها شعار بن كيران [زعيم حزب العدالة والتنمية] حول الإصلاح في ظل الاستقرار، ومجموعة ثانية شاركت فعليا في حركة 20 فبراير، ومجموعة ثالثة من الطبقة المتوسطة وهي الغالبة لم تشارك”.

ويتوقف د. الساسي عند علاقة حزب العدالة والتنمية بهذه الحركة، وكيف استفاد منها. فيرى بأن هذا الحزب الإسلامي قد “عقد صفقة مع النظام من أجل الصعود إلى رئاسة الحكومة، حيث تصرف النظام على أساس عزل الديناميات عن بعضها البعض، حتى لا تصب جميعا في 20 فبراير. واقترح صفقة عامة على مختلف الفاعلين، مبدؤها لا تشاركوا في الحركة وسأحل مشاكلكم كل على حدة، فكان أول من التقط هذه الإشارة هو حزب العدالة والتنمية”. وهكذا كان “موقف حزب العدالة والتنمية كان حاسما، ذلك أنه أعطى للنظام (نعم للدستور) و(نعم لعدم المشاركة في حركة 20 فبراير)، وعدم المنازعة في طريقة إجراء الاستفتاء وفي نظامية مساطر الاستفتاء، مقابل تواجده في رئاسة الحكومة”.

ويضيف الساسي محللا أن “سلوك الحكم تجاه حركة 20 فبراير مر ̶ بالمقابل ̶ عبر خمس مراحل. أولها التشويه والمحاصرة، ثم المرحلة الثانية المغازلة، والمرحلة الثالثة المتمثلة في القمع المباشر. وفي المرحلة الرابعة القمع بالوكالة [يقصد بواسطة مليشيات ما سمي “الشباب الملكي” التي كانت تهاجم محتجي الحركة]. ثم المرحلة الخامسة، الانتقام اللاحق وتصفية الحسابات”.

لكن رغم ذلك، يعتبر الساسي بأنه “من بين نقاط قوة حركة 20 فبراير أنها عبأت ما لا يعبئه حزب سياسي أو نقابة، وخلقت خلخلة سياسية وحزبية. ذلك أنها خلقت أجنحة داخل الأحزاب الوطنية تحت اسم (مناضلو فبراير)، كما أنها عمقت التسييس الشبابي ووضعت دفتر مطالب متكاملة، خلفيتها فكرة الانتقال”.

ولذلك ” دفعت حركة 20 فبراير النظام إلى تقديم تنازلات طال انتظارها، لكن الحركة أيضا كانت تشكو من مجموعة من نقاط الضعف، أولها أن الكتلة الحرجة من المواطنين لم تشارك في هذه الحركة، إضافة إلى أن الأطراف المشاركة بها لم يكن لها تصور عام مشترك حول المسألة الدستورية والمسألة الديمقراطية، وهذا يتجلى في غموض بعض الشعارات”.

ويخلص د. الساسي إلى أن “دستور 2011 يعد الأكثر تطورا مقارنة بباقي الدساتير المغربية السابقة، لكنه لم يحقق مطلب حركة 20 فبراير في الملكية البرلمانية”.

هل انتهت حركة 20 فبراير ؟

من اللافت على امتداد السنوات الـ 12 الماضية، تحولت ذكرى انطلاق “حركة 25 فبراير”، إلى مناسبة تعود فيها الهيئات الحقوقية والمدنية والسياسية والنقابية، كل عام، إلى الفضاء العام، للاحتجاج والمطالبة بمزيد من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. في إشارة إلى أن الأوضاع التي دفعت آلاف المغاربة إلى الخروج إلى الشارع للتظاهر والاحتجاج في 20 فبراير/شباط 2011، ما زالت قائمة. لكن أعدادهم تقلصت كثيرا عاما بعد عام.

وفي مؤشر له دلالته، لم يتم تحيين صفحة “حركة 20 فبراير” على منصة فايسبوك، منذ حوالي عام (بالضبط منذ 24 أبريل/نيسان 2022):

https://www.facebook.com/Movement20/

وحتى قبل ذلك التاريخ بزمن، نلاحظ أن الصفحة توقفت عن إنتاج مضمونها الخاص، وظلت تعيد نشر مضامن توافق توجهات الحركة. فأين “اختفت” الحركة؟

يعتبر منظر اليسار المغربي د. محمد الساسي، بأن “حركة 20 فبراير لم تنجح في التحول إلى نواة الانتقال، فأصيبت بضعف عام بعد انسحاب جماعة العدل والإحسان وصعود عبد الإله بن كيران إلى رئاسة الحكومة. لكن بعد ذلك استمرت الحركة في أشكال أخرى، إبداعية وفنية بينما لم تستمر الصيغة الأولى التي ظهرت بها”. ويخلص الساسي إلى أنه “لاحظنا في المنطقة هبات سياسية ولا بد أن تأتي هبات أخرى لأنه لا يمكن أن تبقى هذه المنطقة معزولة تيار الدمقراطة العالمية، ولهذا فحركة 20 فبراير ستستمر وإن بأشكال أخرى أو في مواعيد أخرى قد لا نتوقعها”.

لكن المراقب لا تفوته ملاحظة أن عددا كبيرا من الفعاليات والتنظيمات اليسارية، السياسية والنقابية، التي ناضلت قبل 12 عاما في صفوف حركة 20 فبراير، هي التي أسست أو انخرطت في صفوف “الجبهة الاجتماعية المغربية” مؤخرا. فهل يمكن اعتبار “الجبهة” وريثة لـ “الحركة” وامتدادا لها، أو نسخة مطورة منها؟

على مستوى رسمي، لم تصرح أي من الجهات المؤسسة لـ “الجبهة الاجتماعية” بأنها تمثل امتدادا لـ “حركة 20 فبراير”.

وبينما كانت جماعة “العدل والإحسان”تهيمن على حركة 20 فبراير، في بداية ظهورها قبل أن تتخلى عنها لأسباس غامضة، وهي جماعة إسلامية تحمل مشروع “القومة” (أي الثورة الإسلامية)؛ نجد أن حزب “النهج الديمقراطي” الذي يهيمن على قيادة الجبهة الاجتماعية، هو حزب ماركسي صغير ما زال يرعى حلم إقامة «دولة البروليتاريو التي تقودها الطبقة العاملة».

وبينما شملت المطالب السياسية لـ”حركة 20 فبراير”، قبل 12 عاما ، «الفصل بين الثروة والسلطة في المناصب الحكومية، واستقلال القضاء، وحرية التعبير، وإقامة ملكية برلمانية، وإجراء انتخابات نزيهة، ووضع دستور جديد»، ترفع التنظيمات الـ 35 التي اتحدت في إطار “الجبهة المغربية الاجتماعية”، شعار «الدفاع عن الحقوق والحريات لأوسع شرائح الجماهير الشعبية، وفي عمقها القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وذلك بالمبادرة والانخراط ودعم كل الحركات النضالية التي تصب في مصلحة المطالب الحيوية للمغاربة». ويعني ذلك ضمن ما يعنيه، أن ثمة هيمنة للاجتماعي على حساب السياسي، أصبحت تقود احتجاج الشارع المغربي..

بالنسبة إلى يونس دافقير المحلل السياسي رئيس تحرير يومية “الأحداث المغربية”، المقربة من السلطة، فإن «الحقيقة هي أن حركة 20 فبراير استنفدت كل إمكانياتها في توقيتها وسياقها. واستنفدت أيضا كل أوكسجين المحيط الدولي الذي أسهم في ميلادها». لكن سارة سوجار، التي كانت من الوجوه الشابة البارزة لـ “حركة 20 فبراير”، ترى غير ذلك. وتقول إن الحركة «انتهت فقط كإطار تنظيمي، لكن روحها باقية وحاضرة في الديناميكيات الاحتجاجية التي لحقتها، ما دامت مطالبها ما تزال قائمة إلى غاية اليوم».

متغيرات ما بعد 20 فبراير..

من بين الدراسات والأبحاث الأكاديمية النادرة التي تناولت موضوع “حركة 20 فبراير”، نجد أطروحة دكتوراه ناقشها الباحث المغربي محمد سموني يوم 10 أكتوبر 2020، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء، حملت عنوان: “الفعل الاحتجاجي بالمغرب: مساهمة سوسيو- سياسية لدراسة منطق الفعل الاحتجاجي لدى نشطاء حركة 20 فبراير”. وقد استندت إلى دراسات ميدانية واعتمدت تقنية الاستبيانات في أوساط الحركة، وحملت بالتالي معطيات ومؤشرات وخلاصات على مستوى عال من الأهمية.

هكذا، خلص د. سموني في أطروحته إلى أنه “غالبية نشطاء الحركة المستجوبين (46,7 %) اعتبروا أنه من غير الممكن أن تعود حركة 20 فبراير للاحتجاج، فيما صرح (35 %) من النشطاء المستجوبين أن هناك إمكانية لعودة حركة 20 فبراير للشارع”. وحول إمكانية بروز حركة احتجاجية جديدة في المغرب، كشف أغلب النشطاء المستجوبين (91,67 %) أن هناك إمكانية كبيرة لبروز حركة احتجاجية جديدة في المغرب. لكن محرك الحركات الاحتجاجية التي من المتوقع أن تظهر مستقبلا، برأي 71,7 %، سيكون اجتماعيا وليس سياسيا على نحو ما كان عليه الحال مع حركة 20 فبراير.

ويؤكد الناشط الحقوقي خالد البكاري، من جهته، هذا الاستنتاج إذ يرى بأن” كل المؤشرات، بما فيها الديمغرافية المتمثلة في اتساع نسبة الشباب في الهرم السكاني مع استشراء البطالة، تقود إلى احتمال توسع مساحات الاحتجاج. وهو ما قد يؤدي إلى ظهور حركة احتجاجية، لن تكون بالضرورة شبيهة بحركة 20 فبراير، ولكنها قد تكون أكثر تطورا منها، سواء من حيث الامتداد الشعبي، باعتبار أن المطلب الاجتماعي له قدرة على التعبئة أكبر من السياسي، أو من حيث الأشكال الاحتجاجية والتنظيمية. مع الاستفادة أكثر من التطورات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي”.

وبالفعل، يُظهر تطور الاحتجاجات في المغرب كما في باقي دول العالم، بشكل عام، بأن المحدد الأساسي الذي أصبح محركا لأي احتجاجات جماعية، أصبح هو المُحدد الاجتماعي والاقتصادي. فبعد حركة 20 فبراير، التي كانت تعتمد في عملية التعبئة بشكل أساسي على مطالب سياسية، ظهرت حركات احتجاجية ذات طابع محلي في كل من منطقة الريف (الحسيمة والناظور وغيرهما من مناطق شمال المغرب)، و جرادة (أقصى شرق المغرب)، و تنغير (جنوب شرق المغرب)؛ حملت مطالب اجتماعية بالأساس.

كما حملت ديناميكية الاحتجاجات في مرحلة ما بعد حركة 20 فبراير، أي خلال العقد الأخير، متغيرا آخر. فبالعودة إلى أطروحة الدكتوراه المشار إليها أعلاه، نستنتج بأن الاحتجاجات التي عرفها المغرب بين سنة 2011 و2017، عرفت تصاعدا، حيث انتقلت من معدل يقارب 28 احتجاجا في اليوم سنة 2014، إلى معدل يقارب 48 احتجاجا يوميا في سنة 2017. وقد حملت في غالبيتها إما مطالب اجتماعية مفتوحة محضة، سيما في هوامش المدن وفي المجال القروي)، أو مطالب مغلقة مثل: احتجاجات المعطلين التي تطالب بالإدماج في الوظيفة العمومية، أو احتجاجات الأساتذة المتعاقدين، وغيرها من الحركات الاحتجاجية التي تشكلت من أجل مطالب مغلقة أو محددة.

ومنذ “حراك الريف” في 2017، الذي حاد عن السلمية وتطور إلى تمرد عنيف على أجهزة الدولة، أصبحت عملية التعبئة بالنسبة للحركات الاجتماعية في الميدان العام بالمغرب تعرف صعوبة كبيرة، بسبب تعرض المحتجين لتدخل أجهزة الدولة لقمعهم، وأحيانا لاعتقالهم ومحاكمتهم. ونتج عن ذلك بروز شكل متصاعد من الاحتجاج السياسي الافتراضي، عبر شبكات التواصل الاجتماعي.. حيث أصبحت وسيلة افتراضية للضغط على الحكومة وعلى النظام السياسي، تحقق نتائج سريعة وفعالة مقارنة مع الاحتجاجات في الفضاء العام.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن المغرب اليوم عبر موقع أفريقيا برس