برخان والاستراتيجية العسكرية الفرنسية في منطقة الساحل: بين الخيبة العملياتية والمراجعات السياسية

4
برخان والاستراتيجية العسكرية الفرنسية في منطقة الساحل: بين الخيبة العملياتية والمراجعات السياسية
برخان والاستراتيجية العسكرية الفرنسية في منطقة الساحل: بين الخيبة العملياتية والمراجعات السياسية

أفريقيا برس – المغرب. أستاذ محاضر بقسم العلوم السياسية بجامعة البليدة 2 (الجزائر)، وباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية.

جرت عملية برخان(1)، والتي أطلقها الجيش الفرنسي بتاريخ 1 أغسطس/آب 2014، في سياق جيوسياسي غير مستقر، وهذا في قطاعات جغرافية مهمة من منطقة الساحل والصحراء والتي كانت ولا تزال مسرحًا لدينامية الكثير من المجموعات الإرهابية المسلحة. وهو ما يهدد بشكل مستمر دول وشعوب المنطقة معًا، هذا إلى جانب المصالح الفرنسية. ومن أجل تفادي تنامي بؤر الإرهاب وكذا إقامة ما يُزعم أنه خلافة إسلامية في القارة الإفريقية، قررت فرنسا أقلمة عملية برخان، مستفيدة في ذلك من نفس الإمكانات المتاحة سابقًا لعملية “سرفال” في مالي؛ ساعية من وراء ذلك نحو تعزيز تعاونها العسكري مع مجموعة دول الساحل الخمسة (بوركينا فاسو، وتشاد، ومالي، وموريتانيا، والنيجر).

منذ انطلاق عملية برخان، أعادت الجماعات الإرهابية تجميع وتنظيم نفسها، بالإضافة إلى توسيع منطقة عملها إلى غاية وسط مالي، مستمرين في شكل تصاعدي في التقدم وكسب الأرض وهو ما يبدو أكثر من واضح من خلال سلسلة الهجمات المتكررة في الجنوب المالي. في الوقت الذي ينفذ فيه رجال برخان ضربات محدودة بين الفينة والأخرى من أجل تهدئة حماسة منتقديها. بعد مضي أكثر من ست سنوات من بداية عملية برخان، أضحت الاستراتيجية العسكرية الفرنسية في الساحل محل تشكيك وانتقادات في الأوساط الرسمية لدول الساحل عمومًا ومالي على وجه الخصوص(2). وهو ما يدفع بسطور هذا المقال لدراسة هيبة الوضع الاستراتيجي العسكري الفرنسي في منطقة الساحل.

أولًا: برخان واختلال توازن الموقف الفرنسي في مالي

بصرف النظر عن بعض النجاحات العرضية لعملية برخان، فإن الكثير من متتبعي التطورات الأمنية في منطقة الساحل يعتبرها فاشلة(3). وهذا لكون الاستراتيجية التي تستند إليها أساسًا والتي تعتمد وبشكل مفرط على الجانب العسكري، لم تتمكن من إيقاف سيل عمليات انتشار القوات الجهادية السلفية والجماعات المسلحة في جميع أنحاء المنطقة، سواء كان ذلك في مالي أو بوركينا فاسو أو النيجر أو حتى كوت ديفوار(4).

وبالإضافة إلى أن تصنيف الإليزيه لتنظيم “الدولة الإسلامية” عدوًّا رئيسًا في منطقة الساحل قد أسهم وبدرجة كبيرة في تعميق تباين مستويات التفاعل الأمني مع دول مجموعة الساحل الخمسة (G5)، فعلى الرغم من كون الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، كان قد أعرب في وقت سابق وبوضوح عن رغبته في إصرار فرنسا على مواصلة مكافحة الإرهاب في المنطقة، خاصة بعد قمة “باو” لمجموعة الساحل، في يناير/كانون الثاني 2020. وتماشيًا مع ذلك، أصدر الرئيس الفرنسي قرارًا بموجبه تم إرسال 600 جندي إضافي على الفور لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” في الصحراء الكبرى. إلا أن ذلك القرار، وفي حقيقة الأمر، أبان عن التناقض الحقيقي القائم بين الجيش والسلطة التنفيذية في فرنسا؛ حيث لوَّحت قيادة أركان الجيش الفرنسي، في وقت سابق، عن رغبتها في الانسحاب التدريجي من العملية العسكرية “برخان”. وكان ذلك في إطار زيارة قام بها رئيس الأركان الفرنسي، الجنرال لوكوانتر، إلى العاصمة المالية، باماكو، ومدينة غاو، وكان ذلك في 10 و11 ديسمبر/كانون الأول 2020، حيث ناقش خلالها ذلك الاحتمال مع السلطات المدنية والمسؤولين العسكريين بمالي(5) وهو ما يعزز من تناقض الموقف الفرنسي الرسمي. وعلى كل حال، فإن هذا الأمر يدل على عدم وجود رؤية واستراتيجية فرنسية متماسكة تجاه منطقة الساحل، خاصة من جانب الإليزيه ووزارة الشؤون الخارجية.

ثانيًا: بذور فشل التدخل العسكري الفرنسي في مالي

بعد مضي أكثر من ست سنوات على انطلاق عملية برخان، تم تأكيد السيناريو المخيف لعواقب التدخل العسكري الخارجي في مالي لعام 2013؛ إذ لم تتم معالجة أيٍّ من الأسباب المؤدية إلى زعزعة الاستقرار في البلاد؛ حيث: تزايدت الصراعات الداخلية والعنف والظلامية ومظاهر اللصوصية، إلى جانب تنامي مظاهر الفقر واليأس عند الشباب العاطل عن العمل. فالسياسات التنموية التي يتم اتباعها حاليًّا في مالي رمت الدولة في مستنقع الفوضى الليبرالية من تعرض لنهب مستمر لموادها الخام، وانتشار جميع أنواع التهريب، هذا إلى جانب تفشي الفساد كوسيلة للإدارة والسيطرة على الدولة(6).

إن إعطاء الأولوية للعمل العسكري في المنطقة، في إطار هجين يجمع بين عملية برخان ودول مجموعة الساحل الخمس G5 من جهة وعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة MINUSMA)) من جهة أخرى، على حساب خيارات وسياسات أخرى، وذلك ضد أهداف غير واضحة وغير مقنعة، أسهم وبقدر كبير في حجب وعدم وجود أي رد سياسي. وهذا الأمر يعتبر أحد أكبر المطبات التي وقعت فيها المبادرات المحلية والخارجية لفك المعضلة الأمنية في منطقة الساحل. وهو ما أكدته وزيرة الجيوش الفرنسية، فلورنس بارلي، في معرض حديثها أمام مجلس الشيوخ الفرنسي؛ حيث أكدت على أنه: “لتفادي قدر الإمكان مخاطر رفض الوجود العسكري الأجنبي، بات من الضروري أيضًا تنفيذ مشاريع تنموية”(7)، وأضافت قائلة: “نريد أن نوضح وبشكل أكثر فاعلية عمل برخان وإجراءات الوكالة الفرنسية للتنمية. وهذا حتى تكون لاستعادة الأمن الفائدةُ المباشرة على السكان. هذه هي الطريقة الوحيدة التي سيتم من خلالها السماح بوجودنا العسكري”(8). فبالموازاة مع انطلاق عملية برخان كان من المفترض تصميم مساعدات التنمية كأداة تكميلية تهدف من ورائها إلى تفادي أية مقاومة محلية للوجود العسكري الأجنبي.

غير أنه، في حقيقة الأمر، حملت عملية برخان في ذاتها بذور فشلها، والتي يمكن حصرها فيما يلي:

لا تستند هذه العملية العسكرية إلى رؤية سياسية؛ فهدفها الوحيد هو محاربة الإرهاب. فعلى الرغم من الدعاية الكبيرة التي استفادت منها العملية بعد تمكنها من الإطاحة بالعديد من القيادات الإرهابية في المنطقة(9)، إلا أن مزاعم هذا “النجاح الكبير” الذي أحرزته لم يمنع من تمدد وتنامي قوة الظاهرة الإرهابية في جغرافيا الساحل مقارنة مع عملية “سيرفال”، التي كانت أكثر تماسكًا، وكان هدفها أوضحَ (وقف زحف رتل الجهاديين على باماكو). وقد أبليت آنذاك عملية سيرفال بلاءً حسنًا، بينما كانت عملية برخان -ولا تزال- غامضة الرسالة والهدف.

كان من المفترض أن يعمل رجال برخان على الأخذ بيد الجيش المالي قصد تطويره وتحويله إلى جيش قوي يكون بوتقة للأمن المالي وهو ما لم يتم لحد الآن؛ فلقد فضَّلت القوات الفرنسية الانخراط في جغرافيا الساحل متحدية بذلك كل القوات المحلية في المنطقة، ومحتكرة في نفس الوقت أدوات العنف وطرق ممارستها على الأرض. وهذا يعود لاعتبارات تمليها المقاربة الأمنية الفرنسية في الساحل التي تعتبر أن عملية انخراط أشخاص آخرين (القوات المسلحة المالية مثلًا) في العمل العسكري الفرنسي من شأنها أن تبطئ دينامية السلوك العسكري الفرنسي في المنطقة، وقد تنجرُّ من ورائه تسريبات استخباراتية سيئة العواقب.

لا تزال فرنسا تعاني من المعوق التاريخي مع الكثير من الدول الإفريقية على غرار جمهورية مالي؛ فتاريخها مع جغرافيا المنطقة تاريخ استعماري بحت. ولهذا، لا يمكن للقوات المسلحة الفرنسية أن تتدخل في أية نقطة من نقاط المنطقة من دون أن تثير النغمات المناهضة للاستعمار.

وقد بات من الواضح اليوم أن مساعدة مالي على استعادة سلامتها الإقليمية وسيادتها لم يتم تحقيقها؛ حيث اعتبر سكان شمال مالي أن وجود القوات الدولية على الأرض المالية أسهم وبشكل أساسي في تزايد حدة التوترات. ومن أسباب ذلك أساليب الاعتقال التي نفذها جنود برخان والشبيهة بأساليب قطاع الطرق. وهي أحد الأسباب التي أدت إلى ظهور حركة مجتمعية مسلحة مهمة في المنطقة أسهمت في الدخول في مرحلة حرجة من إعادة توزيع أدوات العنف في مالي على وجه الخصوص(10).

ثالثًا: القوات الفرنسية في الساحل: بين الخيبة العسكرية والأزمة الأخلاقية

إذا كان رؤساء دول الساحل يدركون أهمية التعاون العسكري والسياسي مع فرنسا، إلا أن الحقائق على الأرض تحول دون تمكين ذلك، وهذا لاعتبارات ترتبط بضعف الإمكانات المادية والمالية لجيوش “مجموعة دول الساحل الخمسة” والذي بات واضحًا(11). فهشاشة دول الساحل كشريك مهم لفرنسا كثيرًا ما أربكت تطور التنسيق والعمل العسكري الفرنسي في المنطقة؛ فدولة تشاد مثلًا، والتي أصبحت هدفًا رئيسًا لجماعة بوكو حرام منذ سنة 2015، لا يزال توازنها السياسي يعتمد أساسًا على بقاء رئيسها، إدريس ديبي. وفي حالة استبداله أو وفاته قد يخل الأمر بالتوازن القائم منذ قرابة 25 عامًا(12). وهذا ما سيعرِّض البلاد إلى مستنقع عرقي وسياسي سيء للغاية، علمًا بأن تشاد تعد أحد أهم الحصون المنيعة في المنطقة ضد التنظيمات الجهادية المتموضعة في الشمال المتاخم لليبيا، وكذا الموجود منها في الجهة الغربية بجانب تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بالإضافة إلى تلك التنظيمات المتخندقة في الجنوب مع جماعة بوكو حرام. ففي حالة ما إذا فقدت تشاد توازنها الداخلي فإن وضعًا كهذا من شأنه أن يُستغل من طرف الميليشيات المسلحة في دارفور للانقضاض على شرق تشاد. وهو ما قد يحوِّل منطقة الساحل إلى حالة دومينو ينتج عنها انتقال عدوى التهديدات الإرهابية هنا وهناك، ويتحول الوضع إلى وحل أمني.

إن المتتبع للتطورات الأخيرة التي عرفتها عملية برخان، من جهة، وكذا الاستراتيجيات العسكرية المنتهجة في منطقة الساحل، من جهة أخرى، من شأنه أن تستوقفه الفجوة الأخلاقية الموجودة في إطار الشراكات العملياتية القائمة بين القوات الفرنسية وجيوش الساحل. وهي في حقيقة الأمر معضلة الأخلاقيات والعادات العسكرية الأوروبية في المنطقة؛ حيث تمثل شخصية الجندي بالنسبة للأخلاق العسكرية الفرنسية قوة نافذة في المنطقة أكثر من قوة القانون. وهو ما يفسر وحشية السلوك والأداء العسكري الفرنسي في المنطقة، وهامش الإفلات من العقاب المتاح للجندي الفرنسي فيها(13).

رابعًا: أفغنة التورط العسكري الفرنسي في مالي

بتعداد يقارب حوالي 1700 جندي، أصبحت اليوم مالي الدولة التي تستضيف أكبر مجموعة من الجنود الأجانب في منطقة الساحل، وذلك في إطار عملية برخان. إلا أن العمليات في المنطقة لم ترتق لتطلعات سكان الساحل ولا حتى قيادة أركان الجيوش الفرنسية(14)؛ حيث أضحى هناك العديد من النقاط المشتركة بين الصراع الذي أصبح يؤثِّر اليوم وبشكل عنيف على وسط وشمال مالي وبين الحرب في أفغانستان منذ عام 2001. وهكذا أسهمت القوى العسكرية الخارجية المتدخلة في البلدين في تفاقم التشرذم العرقي والمجتمعي.

إن كل المؤشرات تفيد بأن الوضع في مالي أصبح شبيهًا بالوضع في أفغانستان؛ فعندما يتعلق الأمر بحل نزاع ما، يصعب وبشكل متزايد رسم الخط الفاصل بين عمليات حفظ السلام التقليدية وغير التمييزية أو العالمية منها، وبين الأدوات البسيطة للسياسة الخارجية والتي تستخدمها الدول القوية داخل النظام الدولي. فعلى الرغم من قدم تلك الوسائط وتعرضها لانتقادات شرعية، إلا أنه تم إعادة تأهيل ما يسمى باستراتيجيات “مكافحة التمرد” كنموذج متميز للتدخل أثناء النزاعات، وهو أسلوب يعتمد على مجموعة من الفاعلين من ذوي القدرات غير المتكافئة (الدول القوية من ناحية، والجماعات التي تنضوي تحتها مؤسسات محلية ضعيفة من حيث المورد القتالي)؛ وهو ما تمت ملاحظته في أفغانستان أولًا، وبعد ذلك في مالي. وهو نموذج يجمع بين الأنشطة المدنية والعسكرية، ويهدف بشكل أساسي إلى كسب أغلبية السكان المحليين قصد السيطرة(15).

وبما أن الهدف من وراء ذلك النموذج هو ممارسة شكل من أشكال الحكم على منطقة ما لكسب “القلوب والعقول”، فإن هذه الأساليب تنطوي على تكاليف باهظة بالنسبة إلى البلدان المعنية بمخرجات ذلك النموذج؛ إذ يتطلب ذلك، ومن أجل الحفاظ على كل من النظام والبنية التحتية الفاشلة، تعبئةً للموارد البشرية والاقتصادية واللوجستية بشكل كبير، هذا إلى جانب التكلفة السياسية التي تحظى هي الأخرى بنفس المستوى من الأهمية.

وفي حقيقة الأمر، لا يزال الرأي العام ينظر إلى تلك التدخلات العسكرية الخارجية غير المتناهية على أنها إخفاقات وحروب غير مشروعة لا ترتبط بمصالح الشعوب، خاصة بعد انكشاف خيط تلك الصفقات السرية التي عقدتها القوى الدولية (لتعويض النقص الذي اعترى مواردها أو لمواجهة مشاكل التعبئة) مع الميليشيات والجماعات المسلحة غير الحكومية، وذلك في إطار تفويض هذه الأخيرة للقيام بمهام لم تعد القوى الخارجية قادرة على تنفيذها في كل من أفغانستان ومالي.

إن توظيف وتجنيد الميليشيات بهذه الطريقة له عميق الأثر على زمن وشدة الأعمال العدائية: فمن خلال انتقاء واختيار المجموعات التي يجب دعمها وأيها يجب استبعادها، ترسم القوات الأجنبية وبشكل تعسفي خطوطًا بين “الأخيار” و”الأشرار”، وبين الميليشيات التي يتردد عليها والميليشيات التي سيتم محاربتها، وهو ما من شأنه أن يحفز التوترات المجتمعية. هذا بالإضافة إلى أن المجموعات المجندة وفي إطار سعيها للاستفادة من موارد جديدة جرَّاء تحالفاتها الجديدة تميل عادة إلى الإبقاء على منطقة رمادية بين الحل الكامل للصراع والأعمال العدائية المفتوحة.

هل التاريخ يعيد نفسه في مالي؟ وهل النموذج الأفغاني تم إسقاطه على الحالة المالية؟ لقد كانت أفغانستان بالفعل مثالاً لاذعًا على هذه “العسكرة”. لقد تم وضع مذهب مكافحة التمرد في عام 2001 في البلاد، بهدف تحقيق الاستقرار عن طريق تلك المؤسسات المخصصة والتي تم إنشاؤها بعد سقوط نظام طالبان؛ حيث تم تأسيس الشرطة المحلية الأفغانية جزئيًّا على أسس عرقية، وهذا دعمًا لمصالح الجيش الأميركي. كما تم تزويد الميليشيات القبلية بالموارد التي لم تكن لتستفيد منها في وقت سابق، وهذا من أجل ضمان وجود كيانات مناهضة لطالبان في جميع أنحاء البلاد، وذلك في ولاية قندوز على وجه الخصوص. كما تم في شمال أفغانستان تدريب العديد من الميليشيات الطاجيكية والأوزبكية والتركمانية وتسليحها ضد طالبان. كل هذا لأنه بات من المستحيل بالنسبة للجيش الأميركي وحلفائه ضمان وجودهم المستمر في جميع أنحاء الأراضي الأفغانية.

ثم إنه سرعان ما تم التلاعب بالموارد الموزعة من قبل تلك الميليشيات خدمة لمصالحهم الخاصة. ليتم تدريجيًّا تعزيز التوترات المجتمعية الموجودة، وليتدهور بعدها أمن السكان المحليين بسرعة. وهو ما يعتبر فشلًا ذريعًا مُنِيَت به نظرية مكافحة التمرد، وعلى الرغم من ذلك، لم يؤد ذلك الفضل إلى التخلي عن هذا الأسلوب.

في مالي، أظهرت عدة تقارير حديثة ما مفاده دعم الحكومة المركزية وقوة برخان للجماعات المسلحة غير الحكومية في شمال البلاد، وعلى الحدود مع دولة النيجر. الهدف مرة أخرى من وراء ذلك هو التعويض عن عدم قدرة القوات المسلحة على العمل في مناطق واسعة وغير معروفة. والنتيجة كانت مرة أخرى تفاقم الصراعات والتشرذم المجتمعي، وهي الآن في ذروتها.

إن كسب الحرب يصبح أمرًا لا معنى له إذا كان السلام الذي يتبعها هشًّا للغاية. ومن الواضح أن الدول المتدخلة لم تتعلم في النهاية إلا الشيء القليل من أخطاء الماضي؛ حيث لم يدركوا بعدُ التناقض الموجود بين الرغبة في استقرار الجغرافيات وخلق مؤسسات مستقرة، وبين تفويض مهام إنفاذ القانون للجماعات المسلحة ذات المصالح البعيدة بالضرورة عن مصالح الجيوش الأجنبية، والتي بات من الصعوبة بمكان السيطرة عليها. فاليوم، فشلت كل من أفغانستان ومالي في النضال ضد ما تسميه القوى الأجنبية بالتمرد، فبعد 18 عامًا من الحرب الأميركية في أفغانستان، تبدو طالبان أقوى من أي وقت مضى في حين أن التوترات الطائفية لا تزال تمزق مالي بشكل رهيب.

خامسًا: المستقبل العسكري الفرنسي في منطقة الساحل

في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الفرنسية ظاهريًّا إلى فكِّ الارتباط مع منطقة الساحل، اعترفت وزيرة الجيوش الفرنسية، فلورنس بارلي، أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ، في يونيو/حزيران 2020، بأنه: “ليست لدينا دعوة لمغادرة الساحل على الفور، لأن وجودنا لا يزال ضروريًّا لمنطقة الساحل؛ إذ لا يزال الوضع الأمني ​​مقلقًا في منطقة يقوضها العنف الجهادي والصراعات بين المجتمعات المحلية بالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسي”(16).

لكن بالنسبة للجنرال لوكوانتر فإن هذا لا يكفي إذ يؤكد على أن: “ما نطلبه من الجندي هو السماح بأن يكون مستوى العنف منخفضًا قدر الإمكان، بحيث يمكن من خلاله تنفيذ الحلول السياسية دون الوقوع بشكل نهائي في حالات شبيهة بالحرب الأهلية”(17). وبالنسبة لقيادة أركان الجيوش الفرنسية، إذا لم تتم مرافقة عملية برخان بالعمل السياسي، أي بمشاركة حكومات البلدان التي أبدت رغبتها في تقديم المساعدة لفك المعضلة الأمنية في الساحل، فإن العمل العسكري الفرنسي سيكون دون فائدة. بالتالي، فإن الاستراتيجية الرسمية، التي تعكف عليها القيادة العسكرية الفرنسية، هي تأمين وصول الدول الشريكة لاكتساب القدرة على ضمان أمنها بشكل مستقل؛ ففي عام 2017، راهنت فرنسا على إنشاء تحالف عسكري إقليمي “القوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمسة”، والتي تضم خمسة آلاف جندي من بوركينا فاسو، ومالي، وموريتانيا، والنيجر، وتشاد، والتي من المفترض أن تستلم في النهاية المهام من برخان. غير أن هذا الأخير لا يزال يصارع من أجل إقناع الأطراف المحلية بمنطقة الساحل بفاعليته، في الوقت الذي أشار فيه تقرير أممي، نُشر في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، إلى النقص الكبير الذي تعاني منه العملية على مستوى المعدات والتدريب، داعيًا في نفس الوقت المجتمع الدولي إلى “زيادة الدعم” والذي لا تزال باريس تواجه صعوبة كبيرة للحصول عليه. هذا في الوقت الذي لا تزال فيه فرقة العمل “تاكوبا”، وهي مجموعة من القوات الأوروبية التي تعمل من أجل تنفيذ عمليات خاصة ضد الجماعات الجهادية، والتي تم إطلاقها في مارس/آذار 2020، تقاوم الظروف والإمكانات المحيطة بها من أجل الشروع في مهامها، وذلك خلال الأشهر الأولى من عام 2021، كما هو مخطط له من قبل الإليزيه؛ وهو الأمر الذي قد لا يتسنى لها بسبب قصور الدعم(18).

خاتمة

بناء على ما سبق، في انتظار تطوير قوة عسكرية محلية فعالة بدرجة كافية في منطقة الساحل، فإن فرنسا محكوم عليها بالاضطلاع بمعظم العمليات في هذه الجغرافيا الرخوة من جهة، ولكون معادلة الإرهاب لا تعرف الانسحاب من جهة أخرى. وعلى الرغم من الانتصارات العسكرية الرمزية التي حققتها عملية برخان، فإن ثلثي أراضي مالي لا تزال خارج سيطرة السلطة المركزية، التي، وبعد الإطاحة بالرئيس السابق، إبراهيم بوبكر كيتا، على يد الجيش، فقدت السيطرة بالكامل على الشمال. وهو الأمر الذي جعل البلاد تغوص في وحل من الإشكالات غرقت معه الاستراتيجية العسكرية الفرنسية، خصوصًا أن هذه الأخيرة كانت قد أعلنت وبشدة في مناسبات عديدة معارضتها لأية مبادرة للتفاوض أو الحوار مع الجماعات الإرهابية. إن موقف باريس من أزمة الساحل الإفريقي يعرف تطورات جذرية تمليها الحقائق المفروضة على أرض الواقع ومسرح العمليات في المنطقة؛ حيث أعلنت الرئاسة الفرنسية مؤخرًا أنها لم تعد تعارض المفاوضات بين شركائها في الساحل وبعض الجماعات الجهادية. وعلى الرغم من ذلك فهي لا تزال مرابطة على رفضها رفضًا قاطعًا مناقشة الأمر مع قادة القاعدة أو الدولة الإسلامية، وذلك تحت شعار: (مع الإرهابيين، نحن لا نجادل. نحن نقاتل).

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن المغرب اليوم عبر موقع أفريقيا برس