سباق دائم بين الجزائر والمغرب نحو “توازن الرعب”

104

بقلم: مصطفى واعراب

أفريقيا برسالمغرب. المعروف عن مؤسسة الجيش المغربي أنها “بكماء”، أسوة بالمدرسة الفرنسية التي تعتبر المؤسسة العسكرية “بكماء كبيرة grande muette”. ولذلك يصعب جدا كشف نوعية التسليح الذي يتوفر لدى المغرب، لأنها أسرار دولة لحساسيتها المفرطة. وسبق أن عوقب في السابق بعض أبناء المؤسسة العسكرية لربطهم جسور تواصل مع الصحافة، كما أن تحركات وأنشطة الجيش محكومة بالسر المهني بحيث نادرا ما تخرج صور مناوراته الداخلية. ولهذه الأسباب، لا يرشح حول تسلح الجيش المغربي من الأخبار إلا ما تأتينا به المصادر الأجنبية “المطلعة”.

لكن على العكس تماما من ذلك، تنتمي المؤسسة العسكرية الجزائرية إلى المدرسة السوفياتية التي يدخل استعراض القوة العسكرية ضمن آلتها الدعائية (البروباغندا)، بحكم أن أغلب الجنرالات الجزائريين أتموا تكوينهم في الأكاديميات العسكرية الروسية خلال العهد السوفياتي. وهذا ما يفسر الوفرة النسبية للمعلومات العسكرية، بما يشمل تصوير المناورات العسكرية الداخلية للجيش واستعراض الأسلحة.

تسلح الجزائر

تتفوق الجزائر على المغرب في ترتيب أقوى الجيوش عالميا لعام 2021، حيث تحتل المرتبة الـ27 وفقا لموقع “غلوبال فاير باور “. لقد سمح رفع الحظر الدولي على الأسلحة والمعدات العسكرية، الذي كان مفروضا على الجزائر خلال الحرب الأهلية (ما بين عامي 1992 و1999)، بعقد سلسلة من صفقات التسلح بمليارات الدولارات مع روسيا. وشملت اقتناء منظومات صاروخية متطورة جدا، ودبابات ومقاتلات نفاثة، وطائرات تدريب. كما شملت تجهيز الجيش الجزائري بمنظومة من التقنيات البحرية العسكرية، وزوارق مسلحة، وبوارج حربية، وغواصات، إضافة إلى عقد صفقة لإمداد الجيش الجزائري بـ 23 ألف عربة عسكرية مختلفة مع مؤسسة حكومية روسية.

وبحسب تقرير معهد ستوكهولم (وهو مركز تفكير مستقل خاص بالصراعات ومراقبة التسلح ونزع السلاح)، الصادر 15 من مارس الماضي، حول “عمليات نقل الأسلحة العالمية” الذي يغطي الفترة 2016-2020، فإن واردات الجزائر من السلاح ارتفعت بنسبة 64 ٪ مقارنة بفترة 2011-2015، بينما انخفضت واردات المغرب من الأسلحة بنسبة 60 ٪ خلال نفس الفترة.

ويصنف المعهد الجزائر خلال الفترة من 2016 إلى 2020، كسادس أكبر مستورد للأسلحة في العالم، بينما يصنف المغرب في المرتبة 29 عالميا، حيث يرى في تقريره أن الحكومة الجزائرية رصدت 13 مليار دولار لميزانية الدفاع المخصصة في العام 2015، وهو ما يعادل 11,6 % من إجمالي ميزانية البلاد ذلك العام التي بلغت 112,12 مليار دولار. وجاء في التقرير أنها المرة الأولى منذ الاستقلال التي تبلغ ميزانية الدفاع هذا المستوى، تزامنا مع تحديات جديدة على الحدود وعمليات تحديث لقدرات الجيش الجزائري وتحويله إلى جيش احترافي.

وتذهب تقديرات المراقبين إلى أن الإنفاق العسكري للجزائر يبلغ معدل 10 مليارات دولار في السنة، بما يمثل أكثر من 6 ٪ من الناتج الداخلي الخام للبلاد. وبموجب هذه النفقات الباهظة، حصلت الجزائر على صاروخ “إسكندر” الذي يعد أقوى صاروخ باليستي تكتيكي في العالم، ودبابات “تي – 90″، ومنظومات صواريخ “بانتسير”، بالإضافة إلى غواصات قادرة على الضرب من قاع البحر، وغيرها من القطع الحربية المتطورة والأجهزة التكنولوجية عالية الدقة. وتتسوق الجزائر أسلحتها من ثلاثة ممونين رئيسيين، هم روسيا (67 ٪) والصين (13 ٪) ثم ألمانيا (11 ٪).

ومن آخر الصفقات العسكرية التي كشف عنها الإعلام المقرب من المؤسسة العسكرية في الجزائر، صفقة كبيرة لشراء طائرات “ميغ” الروسية وطائرات بدون طيار صينية الصنع، بحثا عن توازن في القوة الجوية مع منافسها الرئيسي المغرب. لكن تراجع احتياطي الجزائر من العملة الصعبة، وانهيار أسعار المحروقات التي تشكل 96 ٪ من صادرات البلاد، بات يحد من إمكانية استمرار المؤسسة العسكرية الجزائرية في توقيع صفقات تسليح ضخمة، على نفس النحو الذي اعتادت عليه خلال السنين الماضية.

تسلح المغرب

يحتل المغرب الرتبة الـ53 عالميا، وفقا لترتيب الجيوش بحسب موقع “غلوبال فاير باور” لعام 2021. ولأن تحليلات الخبراء تتوقع أن تكون أية حرب محتملة مع الجزائر برية بالأساس وفي بيئة صحراوية، فإن المغرب يحرص على ضمان تفوق جوي ومدفعي لقواته، إضافة طبعا إلى رادارات وأقمار صناعية من الجيل الجديد، ودفاعات أرض جو المتطورة. وتقول تقارير إن المغرب يتوفر على واحد من أقوى سلاحات المدفعية بأفريقيا عددا ونوعية.

لقد اتخذ المغرب خطوات كبيرة لتحديث ترسانة أسلحته، خلال العقد الأخير، بما يضمن له الأمن والاستقرار الإقليميين نظرا لموقعه الاستراتيجي الحساس. وفي سبيل ذلك تبنى خطة خمسية تمتد من العام 2017 وحتى 2030، ترمي إلى تحديث القوات البرية والجوية والبحرية. وتقضي الاستراتيجية العسكرية الجديدة للمغرب بأن يتم تنويع مصادر الحصول على السلاح، وعدم الاعتماد على مصدر واحد فقط الذي هو الولايات المتحدة، وخصَّص نحو 20 مليار دولار لهذا المسعى. وفي هذا الإطار، شهدت الفترة الأخيرة توقيع عدة اتفاقيات لشراء السلاح من عدة دول، وعلى رأسها فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وروسيا والصين وتركيا.

فمن أجل تحديث السلاح الجوي للمغرب، أبرمت الرباط في 2019 صفقة ضخمة مع واشنطن بقيمة 3,87 مليار دولار، للحصول على 25 طائرة “إف 16” حديثة من نوع “الأفعى”، مع رادارات من الجيل الخامس (تتميز بوجود كمبيوتر متقدم بالإضافة إلى رادار نشط) بما يسهم في تحديث أسطوله الجوي.

كما أبرم صفقات أخرى لاقتناء مروحيات أباتشي الهجومية، ودبابات أبرامزM1A1  القتالية، ومدافع “هاوتزر” من طراز Caesar ذاتية الحركة، ومنظومات صواريخ VL-MICA أرض- جو. وطائرات بدون طيار “هيرون” تم استلامها من فرنسا، والتعاون مع شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية، بالإضافة إلى الحصول على فرقاطات بحرية من إيطاليا، وعلى صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، كما أعلنت الرباط عن اهتمامها بشراء منظومة الدفاع الجوي “إس 400” من موسكو (رغم حصولها على منظومة باتريوت الأمريكية هذا العام)، بالإضافة إلى دبابات وقاذفات صواريخ من بكين.

وسييسر توقيع المغرب اتفاقية سلام مع إسرائيل، جهوده للحصول على أسلحة ومعدات عسكرية إسرائيلية متطورة، من بينها طائرات بدون طيار إسرائيلية قادرة على التخفي من الرادارات المعادية مزودة بذخائر موجهة بدقة، وذخائر أخرى موجهة بالليزر من الولايات المتحدة. كما اقتنى المغرب من تركيا مؤخرا جدا 13 نظام طائرات مقاتلة بدون طيار من نوع “بيرقدار” بقيمة 70 مليون دولار، زودها بصواريخ أمريكية متطورة.

والملاحظ أن المغرب ‒عكس الجزائر‒ يولي أهمية كبرى للرادارات والأقمار الاصطناعية، المخصصة للرصد والتجسس. ولذلك شملت الاتفاقيات الأخيرة اقتناء قمر صناعي استخباراتي، يعزز عمل القمرين الاصطناعيين محمد السادس -1 ومحمد السادس-2 اللذين دخلا الخدمة منذ سنوات. وهذه الأقمار الاصطناعية التي تنتمي إلى الجيل الجديد، من شأنها أن تسمح للمغرب بوضع قاعدة بيانات مهمة في الرصد والتتبع للقوات المعادية كيفما كان حجمها. علما بأن البيانات المتوفرة لدى الجيش المغربي ووحداته المتحركة جوا وأرضا، بحسب بعض التقارير، تسمح له بضمان مسافة تقدم كبيرة على القوات الجزائرية. فالحروب بالأساس تقوم على المعلومة، قبل السلاح مهما كان وفيرا ومتطورا.

اختلال في ميزان القوى

في تقريره السنوي للعام 2021، يلاحظ معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام بأنه رغم كون الجزائر ضمن الدول الأكثر استيرادا للسلاح في السنوات الخمس الماضية، باحتلالها المرتبة السادسة عالميا والثانية أفريقياً بعد مصر، فإن الحكومات المتعاقبة تجاهلت إقامة صناعة دفاعية وعسكرية واضحة، تسمح بالتخلص من فاتورة الاستيراد المرتفعة سنويا.

لقد سبق أن سطرت الجزائر قبل سنوات برنامجا صناعيا عسكريا يمتد إلى سنة 2019، بغية تحقيق الاكتفاء الذاتي من الذخيرة وبعض القذائف الحربية، وتصنيع بعض الأسلحة الخفيفة. إضافة إلى تصنيع بعض المركبات المدرعة بتمويل إماراتي وخبرة ألمانية. كما تقوم الجزائر بتصنيع المسدس الرشاش الخفيف “كركال”، بتعاون مع شريك إماراتي. ويعد هذا النوع من الأسلحة الآلية متطورا جدا إذ يحتل الرقم واحد عالميا، ولذلك اعتبر تصنيعه في الجزائر نجاحا كبيرا. كما دخلت الجزائر في مفاوضات لإقامة مشروع لإنجاز مركب لإنتاج الطائرات المروحية، بتأطير من الشريك البرازيلي لمؤسسة “أوروكوبتر” التابعة لمجموعة “إيرباص”. لكن هذه المشروعات لا تندرج ضمن برنامج واضح المعالم للتصنيع العسكري.

وعلى عكس الجزائر، كان طموح المغرب لإنشاء صناعة عسكرية ثقيلة قديما، أعاقت تنفيذه معوقات ذاتية وأخرى موضوعية. ففي المقام الأول، ظل المغرب يفتقد إلى التمويل السخي اللازم رغم وعود خليجية، وأيضا لم يتوفر الإطار القانوني الدقيق لهذا البرنامج الطموح.

وكانت دراسة أصدرتها مجموعة «فروست آند سوليفان» الأمريكية، كشفت بأن المغرب بصدد التحول إلى بلد مصنع للأسلحة. أو على الأقل سوف يكون محتضنا لمصانع السلاح الأجنبية على أرضه، ابتداء من العام 2025. واعتبرت الدراسة الارتفاع المتواصل للمخصصات المالية للدفاع الوطني والتسلح إلى مستويات قياسية، أهم العوامل التي تفرض على المغرب سلوك هذا التوجه.

ومنذ 2017، وكجزء من مسعاه المعلن لتحقيق “السيادة العسكرية الإقليمية”، استثمر المغرب كثيرا في إنشاء قاعدة للإنتاج العسكري في السنين الأخيرة. فقد طور قوانينه لوضع إطار يسمح بالاستثمار في القطاع الخاص العسكري، ويرجح أن البلد دخل منذ الصيف الأخير على الأقل، مرحلة إقامة صناعة عسكرية ثقيلة بعيدا عن الأضواء.

وبحسب مواقع مقربة من الجيش المغربي، فإن المغرب بات يصنع فعليا عربات الفامتاك العسكرية (أطلس). ويعتمد على الخبرة الفرنسية من أجل إقامة صناعة مغربية للسفن الحربية، وعلى الخبزة الإسبانية لتصنيع طائرات النقل العسكري، وعلى الخبرة الأمريكية من أجل تصنيع العربات المدرعة. والمغرب يحقق حاليا اكتفاءه الذاتي من الذخائر الحربية (الرصاص وصواريخ أرض أجو وقذائف القصف الأرضي)، وآخذ في تطوير أوراش صيانة المدفعية إلى أوراش لصناعة المدفعية.


لكن الطريق ما يزال طويلا أمام المغرب، إذ يحتاج بحسب خبراء عسكريين مغاربة ما بين 5 إلى 10 سنوات من أجل إنشاء صناعة عسكرية محلية قادرة على تزويد الجيش المغربي جزئيا بحاجياته والتصدير نحو الخارج. بينما سيستغرق تحوله إلى قوة صناعية في المجال العسكري على غرار تركيا ما بين 20 إلى 30 سنة.

ومؤخرا، كشفت مجلة “أفريكا أنتلجنس” الفرنسية بأن المغرب شرع في تصنيع وتطوير مسيرات انتحارية (كاميكاز) إسرائيلية، بعد أشهر من المفاوضات مع مجموعة الصناعات الجوية الإسرائيلية “IAI” المصنعة. ويرتقب أن يزور المغرب في الأسابيع القادمة وفد من رجال أعمال إسرائيليين من أصول مغربية يشتغلون في قطاع الصناعات العسكرية، يرأسه وزير الدفاع الإسرائيلي. وتتوقع مصادر مغربية أن الغرض من الزيارة هو عقد اتفاقيات لإقامة مصانع سلاح بالمغرب.

ومن شأن مجمل هذه المعطيات المستجدة أن تعمق بشكل كبير، الاختلال المسجل مؤخرا في ميزان القوى العسكري بين الجزائر والمغرب، لصالح هذا الأخير. وهذا في جانب كبير منه يفسر سر الغضب الكبير لدى القادة الجزائريين، الذي يتفجر بشكل متكرر منذ شهور في قراراتهم غير المسبوقة وفي خطاباتهم الرسمية العدائية.
وفي هذا السياق أجرى “أفريقيا برس” حواراً مع المحلل ومدير مركز السلام للدراسات السياسية والاستراتيجية الأستاذ باهي العربي النص:

– خريج الكلية العسكرية العليا في طرابلس بليبيا (الدفعة 25)
– ضابط سامي وأحد القادة العسكريين المقاتلين بجبهة البوليساريو سابقا
– سبق له أن خاض عدة معارك عسكرية مع البوليساريو ضد المغرب
– تقلد عدة مناصب عسكرية في الجبهة من بينها آمر المدرسة العسكرية للضباط وآمر قاعدة الشهيد هداد للدروع
– خبير في الشؤون العسكرية ومحلل سياسي
– يشغل حاليا منصب مدير لمركز السلام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالعيون

 

1 ‒ في تحليلها للمستجدات، نشرت صفحة القوات المسلحة الملكية المغربية على فيسبوك مؤخرا تقول: «لا خطر على المغرب طيلة 30 سنة القادمة.. النظرية الأولى: أنه لن تكون حرب مع دول معادية طيلة 30 سنة القادمة. النظرية الثانية: حتى لو دخل المغرب حربا مع الجزائر أو مع غيرها سيخرج منتصرا رابحا». كيف تعلقون على هذا الكلام؟

تمكن المغرب خلال العقود الأخيرة من تنمية قدراته العسكرية بشكل لافت، ما يجعله مطمئنا لحالة ردع في وجه خصومه المفترضين وعلى رأسهم الجارة الجزائر. فإذا أضفنا الى ذلك نقاط قوة أخرى تميزه، منها الثابت كجغرافيته المنيعة، والمتحول كتحالفاته الكبيرة والمهمة في هذه الفترة بالذات، سنجد أن ما قالته الصفحة يستند الى معطيات موضوعية تصعب على أي مغامر أن يقرر استخدام القوة ضد المملكة.

هذا لا يعني بالضرورة أن النصر مضمون في حالة حدوث مواجهة مباشرة مع أحد الجيران لا قدر الله، ولكنه حتما سيقلل من احتمال وقوع أية حرب نظرا لوضعية “التوازن الاستراتيجي” بين أهم الأقطار في المنطقة.

2 ‒ بالمقابل، لا تتوقف الجزائر عن التلويح بالحرب على المغرب واثقة جدا بأنها ستربحها.. هل لديها القوة العسكرية والموارد اللازمة لتمويل حرب؟

الجزائر هي أول من يعلم بأن إعلان حرب ضد خصم متماسك، قوي، محصن، مستقر ومتعدد الأصدقاء والحلفاء هو بمثابة انتحار. وبالتأكيد أن رفعها لنبرة التهديدات يؤشر بالضبط إلى نوايا في الاتجاه المعاكس. أتصور أن خطابهم المتشنج يجد تفسيره في نقطتين اثنتين، ليست الإرادة الحقيقية في افتعال ذلك السيناريو الانتحاري بينها: الأولى، سببها داخلي بحت لرص صفوف جبهة داخلية منفلتة، وتفادي تنامي الحراك بحرف الانتباه إلى الخارج. والنقطة الثانية، تتمثل في محاولة الحصول على أوراق ضغط لاستخدامها في المفاوضات الحاسمة، المتوقعة حول الصحراء في المستقبل القريب وترتيبات المنطقة…إن من يعتقد عادة أنه يستطيع تحقيق هدف ما من خلال استخدام القوة المسلحة، لا يكثر الكلام وإطلاق التهديدات بمناسبة أو بدون مناسبة.

3‒ تفيد تقارير متعددة بأن المغرب بات يمتلك أقوى سلاح جوي ودفاعات جوية في أفريقيا، مع دخول المروحيات المقاتلة أباتشي والنسخة الجديدة من الـ “إف-16” والطائرات بدون طيار المتطورة، الخ. في المقابل نلاحظ ميل الجزائر نحو تقوية قواتها البحرية (غواصات، طرادات، فرقاطات)، علما أن المجال البحري للجزائر محدود للغاية مقارنة مع المغرب، وعلما أيضا بأن الحرب في حال قامت بين البلدين ستكون برية بالأساس…؟

مشكلة الجزائر تكمن في ضبابية احتياجاتها الدفاعية نظرا لشساعة جغرافيتها، ولحدودها المتعددة والرخوة غالبا مع محيط متأزم وشعورها بعدم الاطمئنان للكثير من الجبهات إن لم تكن كلها. وهذا ما يملي عليها احتياجاتها الدفاعية الكثيرة، أما المملكة المغربية فوضعها مغاير جداً ولا تحتاج لترسانة كبيرة، حتى تؤمن حدا أدنى من الاطمئنان. فالبحار المحيطة بها، وسلاسل الجبال والحلفاء في المحيط الأطلسي، جميعها عوامل تمنحها الكثير من المزايا…

من جهة أخرى، لدى الجزائريين نقطة ضعف إضافية في أهدافهم الاستراتيجية. فعلى عكس النسيج الاقتصادي المغربي المتنوع والمنتشر بشكل معقول، فإن الأهداف الاستراتيجية والحيوية المهمة والمحدودة من آبار للنفط والغاز، ومحطات تكريره وأنابيب تصديره في الجزائر تشكل “عقب آخيل” يؤرق قادة البلد.

وفيما يخص القوة الجوية الجزائرية هي في الحقيقة لا يستهان بها كما ونوعا، وكانت حتى ماض قريب متفوقة تفوقا كبيرا. إلا أن الهوة ضاقت كثير مؤخرا بين القوتين الجويتين للبلدين. وأما اهتمام الجزائر بقواتها البحرية فقد يكون مرده عقيدتهم الدفاعية في وجه أوروبا، وكون مراكز الثقل في المملكة المغربية هي نقاط ساحلية والله أعلم.

4‒ دخل المغرب عصر التصنيع الحربي المتطور، في وقت سجل معهد ستوكهولم في تقريره الأخير تجاهل الحكومات الجزائرية المتعاقبة لإقامة صناعة دفاعية وعسكرية واضحة المعالم.. برأيكم، إلى أي مدى يمكن أن يعمق هذا المستجد اختلال ميزان القوى بين البلدين؟

في الحقيقة التصنيع الحربي هو من أسس القوة العسكرية المكتفية ذاتيا. قوة أي جيش مهما بلغت إن كان يعتمد على ذخائر تصنع خارج حدوده هي نوع من الوهم. إلا أن نتائج تبني مثل هذه الاستراتيجية لن تكون فورية، بل ستنعكس على الواقع بعد مرور سنوات وحينها ستتسع الهوة أكثر فأكثر بين البلدين. مثال تركيا هو جلي ومعبر، وكيف أن مثل تلك الصناعات لديها منحت قوة سياسية كبيرة بالإضافة الى القدرات الميدانية المترتبة عن ذلك.

5‒ في دراستهم لمآلات الحرب في كل من سوريا والقوقاز، يرى خبراء عسكريون بأنها كشفت محدودية فعالية السلاح الروسي الذي يشكل غالبية الترسانة العسكرية للجزائر.. كيف تقرأون هذا الأمر؟

من الصعب إصدار أحكام قيمة على ترسانة معينة انطلاقا من البلد المصدر و إن فعلنا أو سمعنا فذلك أقرب للدعاية منه للواقع.. كل بلد مصنع طور السلاح حسب حاجياته. فمثلا خلال الحرب الباردة وحتى بعدها كانت أوروبا وخاصة ألمانيا هي مسرح العمليات المتوقعة ما دفع بالولايات المتحدة الأمريكية ببذل مجهودات جبارة في اتجاه تطوير وسائلها الجوية والبحرية طويلة المدى من مقنبلات استراتيجية، غواصات، حاملات طائرات… الخ على حساب نوعية أسلحة أخرى كالدبابات والمدفعية الصاروخية، الدفاع الجوي والأسلحة المتوسطة المضادة للدبابات، وحالة الروس كانت عكس ذلك تماما…لا أعتقد أن لمصدر السلاح بصفة عامة دور كبير، فهناك أسلحة فعالة في الضفتين…

في ما يتعلق بالوضعية الحالية بين “الشقيقين اللدودين” في المغرب و في الجزائر، أعتقد أن حربا مبنية على قرار واضح بخوضها لن تحصل، لسبب بسيط وهو أن قيادات البلدين بعيدة كل البعد عن “التهور الصدامي” (بكسر الصاد و كذلك بنصبها)، و يعلمان علم اليقين أن هكذا قرار سيكون “شمشونيا” و انتحاريا الى حد بعيد.

ما قد يقلقنا هنا هو احتمال الحادث العرضي كمسبب للمواجهة في غياب قنوات دبلوماسية تحد من الملابسات وتُصرف الأزمات. كما أن احتمال دخول جهة ثالثة على الخط لمحاولة خلط الأوراق وإشعال فتيل لأغراض تخدم مصالحها يبقى واردا ويتطلب وكما قال نابوليون: “إذا أرادت أمة ما تجنب ويلات الحرب فعليها أن تتفادى الوخزات التي تسبق المدافع”.