هل يغلق المغرب “مكتب الاتصال الإسرائيلي” مرة أخرى؟

16
هل يغلق المغرب
هل يغلق المغرب "مكتب الاتصال الإسرائيلي" مرة أخرى؟

مصطفى واعراب

أفريقيا برس – المغرب. يبدو أن “طوفان الأقصى” ماضٍ على طريق إسقاط التطبيع بالمغرب. ففي إطار غليان الشارع المغربي في تفاعله مع الحرب المروعة على غزة، لا يكاد يمر يوم دون أن تخرج تظاهرات تضامنية مع “طوفان الأقصى”، بالليل كما بالنهار في عشرات المدن والبلدات على امتداد خريطة المغرب.. وبالتالي فإن زخم الشارع التضامني مع فلسطين هذا لم يشهده المغرب منذ التظاهرات المليونية للتضامن مع فلسطين والعراق، كانت آخرها المسيرة المليونية للتضامن مع الانتفاضة الثانية قبل 23 عاما..

لكن الحناجر أصبحت تطالب بإلحاح بإسقاط التطبيع وإغلاق “مكتبَيْ الاتصال”، المغربي في تل أبيب والإسرائيلي في الرباط نهائيا.. وهو ما بات يعيد طرح السؤال الكبير: هل تتجاوب السلطات المغربية مع نبض الشارع وتغلق “مكتب الاتصال” على نحو ما فعلت في العام 2000؟

في وقت كان السؤال يكبر في المغرب وخارجه، حول غلق مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط وطي صفحة التطبيع، بعيد “الاستفتاء الشعبي” الذي مثلته المسيرة المليونية للأحد الماضي، نزل خبر مغادرة السفير ديفيد غوفرين، المسؤول عن مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط، المغرب صباح الأربعاء، في رحلة عودة نحو بلاده، وكذلك فعل جميع العاملين بمكتب الاتصال الذين غادروا بعدما كانوا قد أوقفوا جميع أنشطتهم القنصلية والدبلوماسية.

وانضافت بالتالي أسئلة جديدة موضوعها الأسباب الكامنة وراء هذا الإجلاء، وسياقاته وخلفياته.

“مكتب الاتصال” بالرباط فارغ!

وكان الإعلام الإسرائيلي قد كشف بأن الخارجية الإسرائيلية قد أمرت بإجلاء طاقم مكتبها للاتصال بالرباط وكذا طواقم سفارتها في مصر، بسبب “المظاهرات التي أعقبت الأحداث المستمرة في غزة” في البلدين. وهو ما يعني بوضوح أن إفراغ مكتب الاتصال بالرباط جاء بضغط من حركية الشارع المغربي، التي دفعت من جانب آخر بمجلس الأمن القومي الإسرائيلي إلى الإعلان عن رفع درجة التحذير من السفر إلى المغرب إلى المستوى 2، الذي يعني مضاعفة إجراءات الحذر.

بينما ترجح مصادر متفرقة أن يكون إخلاء مكتب الاتصال بالمغرب قد أتى بطلب من السلطات المغربية، التي تواجه غليانا قويا للشارع المتضامن مع الفلسطينيين. وعلق بعض رموز المجتمع المدني الحقوقي والسياسي، على صفحاتهم بمنصات التواصل الاجتماعي، على الخبر بنشر صورة للسفير دايفيد غوفرين الذي يرأس مكتب الاتصال بالرباط مع عبارة “إلى غير رجعة!”. بينما لم تبد الخطوة على أهميتها الرمزية الهامة مقتعة بالنسبة إلى الكثيرين، الذين لا يرضون بأقل من إغلاق مكتب الاتصال، بما يعنيه ذلك من قطع العلاقات بين الرباط وتل أبيب نهائيا.

كما أن دايفيد غوفرين يمثل عبئا ثقيلا وشخصا غير مرغوب فيه، بسبب تصرفاته الطائشة المتكررة التي تستفز مشاعر المغاربة، والتي كان آخرها إصداره بيانا عقب عملية “طوفان الأقصى”، في التاسع من أكتوبر الماضي، توعد فيه (من الرباط!) المقاومة الفلسطينية برد قاس. فقد نشر مكتب الاتصال الاسرائيلي بالمغرب، بيانا بتوقيع دايفيد كوفرين رئيس مكتب الاتصال الاسرائيلي بالرباط، حول التطورات الأخيرة بعد الهجوم الذي شنته حركة حماس على المستوطنات الإسرائيلية، واصفا المقاومة بـ “الإرهابية” ومتوعدا إياها بالويل والثبور. وهو ما يعد خرقا سافرا للأعراف الديبلوماسية. و قال غوفرين إن “جيش الدفاع الاسرائيلي سيقوم بكل ما يلزم للرد بشكل قاس على هذا العمل الإرهابي الشنيع، كما لن يدخر جهدا في حماية المدنيين الاسرائيليين بالإضافة إلى إطلاق سراح 150 رهينة ممن اختطفوا في قطاع غزة. أعلنت دولتنا الحرب ضد المنظمات الإرهابية في قطاع غزة، وعلى رأسها حماس، كما تستعد إسرائيل لرد عسكري مطول وقاس لإزالة أي تهديد تشكله هذه المنظمات في المنطقة. ونهدف من وراء هذه الحرب إلى تدمير القدرات الهجومية لمنظمة حماس، بالإضافة إلى إلحاق أضرار جسيمة ببنيتها التحتية العسكرية، والعودة إلى وضع لن تتمكن فيه أي جماعة في قطاع غزة من إيذاء المواطنين الإسرائيليين مرة أخرى” [هكذا!].

كما سبق للمدعو غوفرين نفسه أن نشر تدوينات على فيسبوك تستفز المغاربة بخصوص ملف الصحراء، بدت كأنه يغازل من خلالها الجزائر. وصدرت عنه تعليقات صبيانية مستفزة على مسيرة الرباط يوم الأحد الماضي، التي تعد أضخم التظاهرات المؤيدة لفلسطين خلال العقدين الأخيرين. وغير ما مرة، طالبت هيئات سياسية وأصوات إعلامية وناشطون على منصات التواصل الإجتماعية بطرده من المغرب.

وللتذكير، فقد ألقى المغرب، الذي اعترف بإسرائيل في عام 2020، باللوم على الدولة العبرية الثلاثاء بسبب الضربة المروعة التي عرضت لها مستشفى المعمداني بغزة. ورغم أن الجيش الإسرائيلي نفى مسؤوليته عن الجريمة المروعة، زاعما بأن معلومات مخابراته العسكرية تشير إلى أن المستشفى “تعرض لضربة صاروخية فاشلة شنتها حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في القطاع”، إلا أن اللافت أن الخارجية المغربية أصدرت بيانا شديد اللهجة جاء فيه: “تُدين المملكة المغربية بشدة قصف القوات الإسرائيلية مستشفى المعمداني في قطاع غزة، وما خلفه من ضحايا بالمئات ما بين جرحى ومصابين”، مجددة “مطالبتها بحماية المدنيين من قبل كل الأطراف وعدم استهدافهم”.

قوة عربية “لحفظ السلام” في غزة؟

في غضون ذلك، يبدو أن التفكير جارٍ إسرائيليا في سيناريوهات الخروج من ورطة العدوان على غزة، بما يضمن “حلا دائما” لدولة العدوان من وجع الرأس الشديد الذي تمثله حماس وفصائل المقاومة. ومع تبرؤ محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية علنا من حماس، يبدو أن رهان إسرائيل أصبح منصبا على تعزيز سلطة “السلطة الفلسطينية”، لكي تعود إلى حكم غزة.

وقد انكشف هذا السيناريو مع بعض تفاصيله الخبيثة قبل يومين، في سياق تصريحات لرئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إيهود باراك ليومية الـ”إيكونوميست” البريطانية. وإيهود باراك صاحب هذا الاقتراح الخبيث ليس أيا كان. فهو جنرال سابق بالجيش الإسرائيلي، كان عاشر رئيس وزراء لإسرائيل ووزير الدفاع ما بين 1999 إلى 2001، ثم نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للدفاع ما بين عامي 2007 و2013، ثم رئيسا لحزب العمل الإسرائيلي بين 2009 وحتى 2013.

وفي مقابلته مع الـ”إيكونوميست”، دعا باراك إلى تشكيل قوة عربية مؤلفة من المغرب ومصر والإمارات العربية المتحدة تكون مهمتها محددة في “حفظ السلام” في غزة. وبحسب زعمه، فإن هذه القوة العربية التي “تمثل الحل الأفضل للحفاظ على السلام في غزة”، تتولى مهامها لحفظ السلام “بعد أن يتم تقليص قدرات حماس العسكرية بما فيه الكفاية، وإعادة تأسيس السلطة الفلسطينية في غزة”.

وللتذكير، ففي عام 2007، تم طرد السلطة الفلسطينية— التي كانت تدير كلا من الضفة الغربية وقطاع غزة في المناطق (أ) و(ب) من فلسطين، وفق ما حددته اتفاقيات أوسلو الثانية— من غزة من قبل حماس من خلال “انقلاب دولة دمويا”، بحسب الرواية الإسرائيلية. وكان رئيسها محمود عباس، قد صرح الأحد الماضي، خلال مكالمة مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بأن “سياسات وأفعال حماس لا تمثل الشعب الفلسطيني”، بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا).

وفي ضوء هذه المستجدات الشديدة الخطورة على مستقبل القضية الفلسطينية، يتوقع إيهود باراك أن “تكون هناك حاجة [بعد الانتهاء من إضعاف قوة حماس] إلى فترة انتقالية تستسلم خلالها إسرائيل للضغوط الدولية، بحيث تسلم غزة إلى قوة حفظ السلام العربية، التي يمكن أن تشمل قوات من مصر والمغرب والإمارات العربية المتحدة”. ووفقا لمزاعمه دائما، “سوف يتم توجيه هذه القوة لتأمين قطاع غزة، إلى حين تتمكن السلطة الفلسطينية من السيطرة عليها”.

طبعا لا يحتاج المرء إلى ذكاء كبير لكي يستوعب أن “دعوة” باراك هذه، هي على الأرجح جزء من المخططات الجهنمية التي يجري التفكير في تنزيلها قريبا، من أجل إقبار نهائي لشعلة المقاومة في غزة. ويجري تنفيذها بأدوات عربية نيابة عن إسرائيل. لكن بالنظر إلى حالة الغليان الشعبي الشديد التي تعيشها مصر والمغرب (والأردن أيضا)، لا يمكن تصور أن يقبل مسؤولو البلدين بأن يكونوا جزءا من هذا السيناريو الخبيث.

هل يغلق المغرب “مكتب الاتصال”؟

منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس وفصائل المقاومة الأخرى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وحتى قبل ذلك، دعم العديد من المغاربة أفرادا وفعاليات وأحزابا سياسية قضية فلسطين، مع المطالبة بـ “إسقاط التطبيع” مع إسرائيل. فقد شهدت عشرات المدن والبلدات المغربية (حوالي 100) خلال الأسبوع الأخير مسيرات ووقفات احتجاجية على مجازر إسرائيل في غزة، بلغت مداها الأقصى يوم الأحد الماضي في المسيرة الوطنية المليونية بالرباط، التي توجت بإحراق العلم الإسرائيلي أمام البرلمان المغربي، والتي كانت بمثابة “استفتاء شعبي”، بحسب توصيف وكالة أسوشيتد برس، رد خلاله المغاربة القادمون إلى عاصمة بلادهم من كل الجهات، على سؤال: “ما رأيكم في التطبيع؟”

فقد هتفت الحناجر على امتداد أهم شوارع وسط الرباط بشعارات تطالب السلطات العليا إسقاط التطبيع “الشعب يريد إسقاط التطبيع”، بل وطالبت بـ “تجريم التطبيع” مع دولة الكيان العنصرية. وبدا واضحا أن الداعمين للتطبيع مع الكيان في المغرب هم أقلية لها مصالحها وأجنداتها الخاصة داخل المجتمع المغربي.

لقد أعادت هذه المسيرة الضخمة وأخواتها الصغرى التي شهدتها الجهات الأربع للبلاد، الزخم إلى الشارع المغربي، وذَكّرت الجميع بالمسيرات المليونية، التي جمعت المغاربة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، تضامنا مع فلسطين ومع العراق.

وبناء عليه، ووفقا للقاعدة القائلة بأن نفس الأسباب تقود إلى نفس النتائج، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل ستقطع الرباط علاقاتها مع تل أبيب مرة أخرى، على نحو ما فعلت قبل 23 عاما بالضبط؟

لكن لا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن الضغط القوي الذي يمارسه الشارع المغربي المناهض للكيان الإسرائيلي، منذ التوقيع على اتفاقية التطبيع قبل ثلاثة أعوام، تنامى بقوة منذ السابع من أكتوبر الماضي. وبالتالي سيكون استمراره حاسما في إقدام الدولة المغربية على اتخاذ ردود فعل حيال تل أبيب، سعيا إلى تهدئة نفوس المغاربة وانسجاما مع التزامات المغرب العربية.

ومن يفهم طريقة اشتغال عقل الدولة المغربية جيدا، يدرك بأنها في المواقف الحاسمة تنحاز كلية للمزاج الشعبي السائد في البلد، مهما كان الثمن والعواقب. وعليه تبدو خطوة سحب طاقم “مكتب الاتصال الإسرائيلي بالمغرب، باتفاق بين الرباط وتل أبيب، خصوصا بعد بيان الإدانة الذي صدر عن الخارجية المغربية ردا على مذبحة مشفى المعمداني بغزة. وقد تتطور ردود الفعل المغربية الرسمية إلى خطوة أكثر قوة، مع قيام الجيش الإسرائيلي باجتياح غزة بريا، لكن دون بلوغ محطة قطع العلاقات، لكن من الصعب إغلاق “مكتب الاتصال” الإسرائيلي بالرباط، الذي سيعني قطعا للعلاقات بين الرباط وتل أبيب.

فالمغرب استثمر كثيرا وعلى جميع الصعد خلال الثلاث سنين الأخيرة في العلاقات مع تل أبيب، وبالتالي يبدو من غير المرجح أن يقطع العلاقات معها مرة أخرى، ردا على المجازر التي تقترفها إسرائيل في حق أطفال ونساء وشيوخ غزة. فمغرب 2023 لم يعد هو مغرب 2000، حيث إنه أصبح مكبلا باتفاق التطبيع الذي على أساسه وقع الاعتراف الأمريكي الثمين بمغربية الصحراء. ومنه ندرك حجم الضغط الهائل الذي تقع تحته الدولة المغربية حاليا، بين ضغط غليان الشارع الداخلي وضغط الخارج؛ بما يصعب التوازن بينهما.

سبق للمغرب أن أغلق “مكتب الاتصال” قبل 23 سنة

في عام 1996، أقام المغرب علاقات دبلوماسية على مستوى “مكتب الاتصال” مع الكيان الإسرائيلي، كجزء من “اتفاقية أوسلو” للتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ففتح مكتب اتصال إسرائيليا بالرباط ومكتب اتصال مغربي في تل أبيب، ومكتبا آخر للاتصال في غزة [توجد سفارة للمغرب بفلسطين في رام الله]. وعزا المغرب حينها إقامة هذه العلاقات، إلى ما أسماه “الرغبة في دعم لغة الحوار والتفاهم بدل لغة القوة والغطرسة، للتوصل إلى السلام العادل والشامل”. ولم يكن المغرب وحيدا حينها، إذ قامت دول عربية أخرى، بينها تونس وقطر وعُمان وموريتانيا، بفتح مكاتب اتصال هي الأخرى مع الكيان الإسرائيلي.

لكن في 28 سبتمبر 2000، قام رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق أرييل شارون وأعضاء من حزب الليكود، باقتحام ساحات المسجد الأقصى، وسط المئات من جنود الاحتلال. فتفجر الوضع سريعا باندلاع انتفاضة ثانية شهدت مواجهات عسكرية مع المقاومة الفلسطينية. فقرر المغرب في 23 أكتوبر 2000 وقف التطبيع مع الكيان إسرائيل، وإغلاق مكتب الاتصال المغربي في تل أبيب، ومكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط. وأوضحت وزارة الخارجية والتعاون المغربية في بيان أصدرته حينها، بأن المغرب اتخذ هذا القرار بسبب “انتكاسة عملية السلام عقب الأعمال اللا إنسانية، التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية على مدى أسابيع في حق أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل، واستخدامها للآلة الحربية لقتل المدنيين الأبرياء”.

وأضاف البيان مبررا الخطوة المغربية المفاجئة: “ونظرا للظروف الخطيرة التي خلقتها الحكومة الاسرائيلية في الأٔراضي الفلسطينية، وموقفها المتعنت بإعلانها عن توقيف عملية السلام، ونظرا لمسؤولية المغرب والتزاماته في نطاق لجنة القدس التي يرأسها الملك محمد السادس، من أجل دعم مسلسل السلام”. و أوضح البيان بأن “المغرب كان قد بادر إلى فتح مكتب للاتصال بتل أبيب، من أجل دعم عملية السلام واعتماد الحوار والتفاهم بدل لغة القوة والغطرسة، للتوصل إلى السلام الشامل والعادل”.

وكانت شوارع الرباط قد غصت قبل أسبوعين من تاريخ إغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط، بعشرات الآلاف من المواطنين المغاربة، الذين خرجوا للتظاهر غاضبين احتجاجا على قتل الجيش الإسرائيلي للفلسطينيين. وطالبوا في شعاراتهم بإغلاق مكاتب الاتصال، كما دعوا الحكومة المغربية إلى فتح باب الجهاد لنجدة الشعب الفلسطيني.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن المغرب اليوم عبر موقع أفريقيا برس