أفريقيا برس – المغرب. انطلق مهرجان مراكش الدولي للفيلم يوم الجمعة 28 نونبر، ويتواصل إلى غاية 6 دجنبر. وقد تميز حفل الافتتاح بعرض باقة متنوعة من الأفلام العالمية، بما يعكس روح هذا الحدث السنوي الذي يطمح إلى أن يكون جسرًا يجمع بين أبرز تعابير الفن السابع وأحدث الإبداعات السينمائية.
وتجسد الأفلام الـ82 المدرجة ضمن برنامج هذه الدورة هذا التوجه الغني والمتنوع، من بينها 15 فيلمًا مغربيًا حاضرًا بقوة في البرمجة. كما يظهر هذا التنوع أيضًا في المسابقة الرسمية التي تضم 14 فيلمًا طويلًا تتنافس على جائزة “النجمة الذهبية”، والتي تتولى تقييمها لجنة تحكيم يرأسها هذا العام المخرج الكوري الجنوبي بونغ جون هو، إلى جانب كل من كريم عيونز، حكيم بلعباس، سيلين سونغ، جوليا دوكورنو، بايمان معادي، جينا أورتيغا وآنيا تايلور-جوي.
22 عاما… عمر الشغف
خلال حفل الافتتاح، شدّد رئيس لجنة التحكيم على قدرة مهرجان دولي مثل مهرجان مراكش على عكس شغف الأجيال الجديدة من المخرجين القادمين من مختلف بقاع العالم بالفن السابع. وفي هذا السياق، استحضر تجربته الشخصية في مقتبل مسيرته الإبداعية عندما كان في الثانية والعشرين من عمره، وهو العمر ذاته الذي بلغه المهرجان اليوم.
«في سن الثانية والعشرين، حين كنت طالبًا في السينما، كنت ألتهم الأفلام التهامًا وأشاهد ثلاثة إلى أربعة منها يوميًا»، يقول المخرج الكوري الجنوبي الفائز بالأوسكار، مستحضرًا تلك المرحلة التي كانت فيها أسئلة الإخراج وتوجيه الممثلين تسيطر على تفكيره وتغذي شغفه بالتعلّم.
ويضيف بونغ جون هو أنّ فضوله الذي لا يشبع وحماسه لصناعة الأفلام كانا بمثابة وقود لمسيرته، معربًا عن تقديره للطاقة الإبداعية التي أطلقها مهرجان مراكش الدولي للفيلم على مدار 22 سنة، ودوره البارز في تسليط الضوء على السينما العالمية.
وفي هذا الإطار، أشاد برؤية مهرجان منفتح على السينما المستقلة عالميًا وعلى الإبداع المحلي، مستدلًا بفوز الفيلم الوثائقي المغربي «أم كل الأكاذيب» لأسماء المدير بالنجمة الذهبية لدورة 2023. كما أكد أنّ «مراكش كانت دائمًا في صدارة المشهد السينمائي العالمي»، معتبرًا مشاركته هذا العام «شرفًا كبيرًا».
حسين فهمي… تكريم استثنائي لفنان استثنائي
يحضر الفن السابع العربي والمغربي بقوة ضمن هذا الاحتفال العالمي. وفي هذا السياق، أُسند أول تكريم في هذه الدورة للنجم المصري الكبير حسين فهمي، فيما يشمل برنامج التكريمات أيضًا كلاً من جيرمو ديل تورو، وجودي فوستر، والممثلة المغربية راوية.
بصفته أيقونة عابرة للأجيال في السينما المصرية، وكتجربة غنية جمعت بين التمثيل والإخراج والإنتاج، حظي حسين فهمي بتكريم خاص يليق بمسيرته الحافلة. فعلى مدى أكثر من خمسين عامًا، استطاع هذا الفنان أن يترك بصمة راسخة في تاريخ الفن السابع العربي، متميزًا بتنوع أدواره وتعدد المدارس والأنماط التي خاضها. وقد جمع بين الأناقة على الشاشة والعفوية في الأداء، ليصنع أسلوبًا غير قابل للتقليد ظل علامة فارقة على امتداد عقود.
وخلال افتتاح مهرجان مراكش الدولي للفيلم 2025، تسلّم النجمة الذهبية للتكريم من صديقته المقربة، الممثلة المصرية يسرى، التي عبّرت عن سعادتها بأن يشكل المهرجان مناسبة «لاجتماع عشاق السينما من مختلف أنحاء العالم بفضل قوة هذا الفن، للتواصل والإلهام».
وقالت يسرى في كلمتها: «نحتفي اليوم بأيقونة للأجيال، وبأسطورة أسهمت في صياغة روح السينما المصرية والعربية». وأضافت: «الممثل، المخرج، المنتج ورئيس المهرجان… جمع حسين فهمي بين الموهبة والتميز الفني والشعبية الجارفة، ما أتاح للسينما العربية أن تتخطى حدودها وتصل إلى العالمية».
من جهته، عبّر حسين فهمي عن اعتزازه بهذا التكريم في مدينته المحبوبة مراكش، التي تجمعه بها علاقة خاصة طالما ارتبطت بالسينما، مستحضرًا مشاركته في النسخة الأولى من المهرجان كإحدى أجمل ذكرياته مع المدينة الحمراء.
من جهة أخرى، يشكل هذا التكريم اعترافًا بما يمثله حسين فهمي من قيمة إنسانية وفنية تتجاوز كونه أسطورة حيّة للسينما العربية. وفي هذا السياق، شددت يسرى على «قوة شخصيته وروحه»، اللتين تعكسان «تفانيه للفن السابع، وحبه العميق للإنسان، والتزامه الإنساني المستمر».
السينما عند تقاطع الواقع والخيال
واستكمالًا لحفل الافتتاح الذي يحتفي بالسينما بكل لغاتها، تم عرض فيلم «Dead Man’s Switch» (سلك الرجل الميت)، أحدث أعمال المخرج الأمريكي غوس فان سانت، أحد أبرز رموز السينما المستقلة في الولايات المتحدة.
وبالاستناد إلى قصة أمريكية حقيقية، يقدم فان سانت فيلمًا مؤثرًا تقع أحداثه في سبعينيات القرن الماضي. فبعد أن تعرّض رجل الأعمال توني كيرستيس للإفلاس بسبب قرض في مدينة إنديانابوليس، يقدم في 8 فبراير 1977 على اختطاف ابن السمسار الذي حمّله مسؤولية انهيار حياته. وخلال عملية الاحتجاز التي استمرت 63 ساعة، طالب كيرستيس بخمسة ملايين دولار وباعتذار رسمي، بينما كانت كاميرات التلفزيون المحلي والوطني تتابع المشهد لحظة بلحظة.
وفي هذا العمل، ينسج غوس فان سانت شخصية توني ما بين طرفي النقيض: مجرمًا، ضحية، أو بطلاً محبطًا يبحث عن إنصاف لن يحصل عليه إلا بيده. كما يضع في المقابل عالم الرأي العام، الذي تتأرجح مواقفه تجاه هذا الرجل المجهول الذي صار فجأة نجم نشرات الأخبار.
ولتحقيق هذا التوازن السردي، يحرص المخرج على تثبيت الأحداث في سياقها الزمني والمكاني، متنقلًا بين دراما مغلقة تجمع الخاطف برهينته في مساحة ضيقة، وعالم خارجي يغلي إعلاميًا وسياسيًا. ويقدّم غوس فان سانت هذا الصراع بمهارة كبيرة، كاشفًا ديناميات التفاعل بين الشرطة والقضاء والإعلام ورجال المال، ليضع المشاهد أمام واقع لا يقلّ إثارة عن الخيال. وفي خلفية الأحداث كلها، يبرز السؤال الذي يطرحه الفيلم: كيف يمكن للحقيقة أن تتجاوز الخيال أحيانًا؟
هذا الاشتباك بين الواقع والمتخيل هو تحديدًا ما يسلّط عليه مهرجان مراكش الدولي للفيلم 2025 الضوء، في حدث يحتفي بتنوع الثقافات وتعدد القارات. هنا، يلتقي كبار المهنيين مع مواهب صاعدة، وفنانون دوليون إلى جانب مبدعين محليين، إضافة إلى جمهور شغوف… وكل ذلك تحت مظلة لغة واحدة توحّدهم: لغة السينما.





